الأدب والفن
المشبّك..عندما تتحوّل الحلوى إلى هوية..
تقرير: من الوهط إلى موائد اليمنيين.. المشبّك اللحجي أيقونة التراث الحلو
المشبك اللحجي: حلوى تقليدية متشابكة تحافظ على هويتها ونكهتها الأصيلة.
في زوايا الأسواق الشعبية، تفوح رائحة المشبّك اللحجي الساخن، حلوى تقليدية متشابكة لم تفقد بريقها، وهوية لمدينة تتشكل عبر مزيجاً من النكهات.
ظل حلوى المناسبات، يقدم في الأفراح، ويهدى للأحباب تعبيراً عن المودة وصلة الرحم.
ويُعد المشبك أحد الحلويات التقليدية الذي اشتهرت به محافظة لحج، جنوب اليمن، حتى اقترن باسمها ليُعرف بـ"المشبك اللحجي"، بينما تميزت منطقة الوهط بمديرية تبن بنكهة خاصة جعلته يعرف بـ"المشبك الوهطي"، حيث تضيف بعض الأسر لمساتها الخاصة التي تمنحه طعماً مميزاً.
تحضير المشبّك الوهطي.
في منطقة الوهط، تشتهر العديد من الأسر بصناعة المشبك، مثل بيوت قردش والقاضي وغيرها، حيث توارثت هذه العائلات صناعته جيلًا بعد جيل، ليصبح أكثر من مجرد مصدر دخل، بل جزءًا من هويتها، إذ تحضره بإتقان واعتزاز، وعلى الرغم من أن مكوناته تبدو بسيطة، إلا أن سر مذاقه يكمن في إعداده وطرق الطهي التقليدية التي تميزه عن غيره.
وعن صناعته يقول سند قردش، أحد أبناء الوهط ومن عائلاتها المعروفة بصناعة المشبّك، والذي يلقب بـ"القردشي " يحضر المشبّك من مزيج بسيط يضم الطحين، الماء، الخميرة، والصبغ الطبيعي، ليُمنح قوامه الفريد ولونه المميز، حيث يعجن بطريقة خاصة، ثم يصب عبر قمع في الزيت الساخن ليأخذ أشكالاً متشابكة ويكتسب قرمشته"، مضيفاً "بعد القلي، يغمر بالشيرة والمكونة من السكر، الماء، و الليمون، مما يمنحه مذاقه الحلو والمميز".
ويتابع" قديماً، كان يطهى في" المراكيب" الطينية باستخدام الحطب، ما يضفي عليه نكهة مميزة، لكن مع تطور الحياة، باتت مواقد الغاز البديل الأكثر استخداماً، رغم حرص بعض صانعيه على الحفاظ على أساليب الطهي التقليدية ".
ويشير " لا تزال هذه الحلوى التقليدية تحافظ على طابعها التقليدي ونكهتها الأصيلة، ما يجعلها جزءًا أصيلاً من الموروث الشعبي".
مصدر دخل.
حافظت عائلات بأكملها على صناعة هذه الحلوى التقليدية، وتوارثتها جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت إرثاً حرفياً يوفر مصدر رزق لعدد من الأسر، إلا أن الأوضاع الراهنة أثرت على هذه الصناعات التقليدية، كما أثرت على بقية المهن، بسبب ارتفاع أسعار المواد الخام.
يقول سند قردش"مع قلة فرص العمل، أصبح المشبّك مصدر رزقنا الوحيد، فنحرص على صناعته بإتقان لتأمين لقمة العيش، مضيفاً "بفضل جودته، نال شهرة واسعة، مما دفعنا لإنتاجه على مدار العام، على عكس بعض الأسر التي تقتصر صناعته على شهر رمضان فقط".
ورغم أن صناعته لا تتطلب جهداً شاقاً، إلا أن ارتفاع أسعار المواد الخام، خاصة الطحين والزيت والسكر، أدى إلى زيادة تكلفة الإنتاج. يُباع القرص الواحد بحوالي 2000 ريال يمني، ورغم ذلك لا يزال يحظى بإقبال واسع". بحسب قردش.
في ذات السياق تقول أم محمد من تبن "كنت أبيع المشبك في الحارة كمصدر دخل لعائلتي، لكن مع ارتفاع أسعار المواد اضطررت للتوقف، بعض الأسر لا تزال تطهوه في رمضان، إلا أن غلاء الأسعار أصبح عائقاً أمام الكثيرين".
الخبير الاقتصادي ماجد الداعري يؤكد أن الصناعات التقليدية في اليمن تعد من أكثر الحرف المهنية تضرراً جراء انهيار صرف العملة المحلية، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقلباتها.
ويواجه العاملون في هذه الصناعات صعوبات كبيرة بسبب تراجع هامش مكاسبهم، نتيجة لزيادة تكاليف الإنتاج وصعوبة توفير المواد الخام، إضافة إلى غياب القوة الشرائية لدى العملاء وعزوف الكثير منهم عن هذه المنتجات بسبب ارتفاع أسعارها.
ويرى الداعري أن أبرز التحديات التي تواجه هذه الصناعات تتمثل في غياب أي توجه حكومي لدعمها أو تشجيع العاملين فيها، على الرغم من أن آلاف الأسر تعتمد عليها كمصدر دخل رئيسي.
ويشدد على ضرورة تقديم الدعم لهذه الصناعات من قبل الحكومة، بالإضافة إلى المنظمات الإنسانية وبرامج التمويلات الأممية والإغاثية، لضمان استمرارها كمهن قائمة وعدم اندثارها، مما قد يؤدي إلى انضمام العاملين فيها إلى صفوف البطالة، في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي يعاني منها ملايين اليمنيين بسبب الحرب.
المشّبك في الموروث الاجتماعي.
يحظى المشبك اللحجي الوهطي بشهرة واسعة داخل البلاد وخارجها فهو يعد من أشهر الحلويات التقليدية في اليمن، حيث يتم طلبه من مختلف المحافظات، وله مكانة اجتماعية وثقافية في لحج، فهو ليس مجرد حلوى تؤكل، بل جزء من طقس اجتماعي.
يقول مازن جرهوم، أحد أبناء الوهط: "عند زيارة الأهل والأحبة نحمل معنا المشبك الوهطي كهدية مميزة، فهو حلوى تقليدية ورمز للمحافظة، كما أنني أحرص على إرساله إلى الأصدقاء في مختلف المحافظات، بل وحتى إلى عدة دول عربية."
ويضيف "يتميز المشبك الوهطي بقوامه المقرمش من الخارج واللذيذ من الداخل، مع طعمه الحلو الشهي الذي يجعله مفضلاً لدى الكثيرين، ولا يقتصر حضوره على المناسبات، بل أصبح رمزاً للحج".
ويوضح الكاتب الدكتور جمال السيد أن من بين الحلويات اللحجية اللذيذة، يُعتبر المشبّك الوهطي أشهاها، وقد ارتبط تناوله وشراؤه بشهر رمضان المبارك، إضافة إلى الموالد اللحجية أو ما يعرف بـ "زيارات الأولياء"، التي كانت تقام في قرى لحج.
ويشير السيد إلى التشابه الكبير بين المشبّك الوهطي و"الجليبي" الهندي، من حيث طريقة التحضير، إلا أن الجليبي يتميز بحجمه الأصغر، حيث يكون قرصه بحجم حبة المقصقص أو الباخمري.
أما عن نشأته، فيذكر أن عدة بلدان تدعي نسبة المشبّك إليها، فمنهم من يقول إنه عربي المنشأ، حيث ورد ذكره في كتاب الطبخ لابن سيار الوراق في القرن العاشر، فيما ذكره ابن البغدادي في القرن الثالث عشر على أنه فارسي الأصل، بينما يرى آخرون أن منشأه تركيا. كما تم توثيقه في كتب هندية تعود لعام 1450م.
ويتابع أن هنود كريتر جلبوا معهم "الجليبي" إلى عدن، فتبنّاه اللحوج وأضافوا إليه لمساتهم الخاصة، حتى أتقنوا صناعته وأبدعوا في تحضيره، ليصبح جزءًا أصيلًا من تراثهم، وباتت الوهط موطناً لهذا الحلوى التي لم تكن يوماً إلا "وهطية".
وفي ليالي السمر خلال الموالد، يتلهّى الساهرون بتناول أصناف متنوعة من الحلوى، مثل القرمش، والسمسمية، واللدو، والمكركر، والمشبّك، ويشترون منها لأهلهم فيما يُعرف بـ "التِسميرة".
كما قال فيها القمندان في قصيدة (يا قلبي تصبّر):
كم لي في المولد تخوّر / بأ لي مشبّك ولا مكركر
والزين سمّــــــرني وكثّر / يا فرحتي
إن المشبّك اللحجي ليس مجرد صنف من الحلويات، بل هو حكاية تراثية ممتدة عبر الزمن، وبينما تتغير العادات وتتطور الأذواق، يبقى المشبّك ثابتاً في الذاكرة، يحفظ طقوسه القديمة في كل قضمة.