تطورات اقليمية
قلق متنامٍ من تغيير قواعد الأمن في البحر الأحمر..
تقرير: تحركات في أرض الصومال تضع أمن الملاحة الدولية تحت المجهر
القرن الإفريقي يدخل حسابات الصراع الإقليمي حول البحر الأحمر
في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والأمنية على حكومة بنيامين نتنياهو، تتجه الأنظار إلى تحركات إسرائيلية غير مسبوقة في منطقة القرن الإفريقي، وبشكل خاص في إقليم أرض الصومال، وسط حديث متصاعد في أوساط دبلوماسية وعسكرية عن احتمال سعي تل أبيب إلى موطئ قدم عسكري قرب مدخل البحر الأحمر، في خطوة يُنظر إليها باعتبارها ذات أبعاد تتجاوز الحسابات الثنائية إلى إعادة رسم توازنات إقليمية حساسة.
وتقول مصادر مطلعة إن هذه التحركات تأتي في توقيت إقليمي شديد التعقيد، مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر وباب المندب، وتداعيات الحرب في غزة التي باتت تلقي بظلالها على ممرات الملاحة الدولية، ما أثار قلقاً متزايداً لدى مصر وعدد من الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، التي ترى في أي وجود عسكري جديد وغير منسق تهديداً مباشراً لأمنها القومي واستقرار التجارة العالمية.
وفي قراءة عسكرية لهذه التطورات، قال اللواء أركان حرب سمير فرج إن التحركات الإسرائيلية الأخيرة تعكس محاولة واضحة لتصدير الأزمات الداخلية التي تواجهها الحكومة الإسرائيلية عبر فتح بؤر توتر جديدة في مناطق بالغة الحساسية. وأوضح أن التركيز على أرض الصومال ليس تفصيلاً عابراً، بل يحمل دلالات استراتيجية خطيرة نظراً لقرب الإقليم من أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر جزء كبير من تجارة الطاقة والسلع بين الشرق والغرب.
وأضاف أن مصر تنظر إلى مدخل البحر الأحمر باعتباره جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، مشيراً إلى أن هذا التقدير لا يقتصر على القاهرة وحدها، بل تشاركها فيه دول إقليمية وازنة مثل السعودية وتركيا، معتبراً أن أي وجود عسكري غير شرعي في هذه المنطقة يمثل تجاوزاً لخط أحمر لا يمكن التعامل معه بخفة. وأكد أن مصر تمتلك أدوات سياسية وقانونية وعسكرية تتيح لها حماية مصالحها الاستراتيجية، وأن طبيعة الرد ستظل مرتبطة بحجم وطبيعة أي تهديد محتمل على الأرض.
ويرى فرج أن فتح جبهة جديدة في القرن الإفريقي لن تكون تداعياته محصورة في دولة واحدة، بل سيؤدي إلى إعادة خلط أوراق الأمن الإقليمي في البحر الأحمر وباب المندب، محذراً من أن أي تصعيد غير محسوب قد ينعكس سلباً على استقرار الدول المطلة وعلى حركة التجارة العالمية التي تعتمد بشكل كبير على هذا الممر الحيوي. وشدد على أن القاهرة تتحرك بعقلية الدولة المسؤولة التي تفضل الحلول السياسية والدبلوماسية، لكنها في الوقت ذاته لن تسمح بفرض واقع عسكري جديد يهدد أمنها القومي أو يمس المصالح العربية المشتركة.
من الزاوية القانونية، قال محمد محمود مهران إن أي اعتراف إسرائيلي محتمل بأرض الصومال كدولة مستقلة، أو إقامة وجود عسكري فيها دون موافقة الحكومة الصومالية المعترف بها دولياً، يُعد انتهاكاً صريحاً لمبادئ القانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية. وأوضح أن وحدة الأراضي الصومالية تحظى باعتراف دولي واضح، وأن التعامل مع كيان غير معترف به يمثل خرقاً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، ما قد يفتح الباب أمام نزاعات قانونية وسياسية واسعة النطاق.
وأضاف مهران أن المضي في هذا المسار يعني عملياً عبور خط أحمر استراتيجي، مشيراً إلى أن القانون الدولي يمنح الدول حق الدفاع عن النفس في حال تعرض أمنها القومي لتهديد مباشر. وأكد أن مصر، إذا رأت في هذه التحركات تهديداً حقيقياً لمصالحها الحيوية، ليست مقيدة بالمسار الدبلوماسي وحده، بل يحق لها اتخاذ إجراءات دفاعية استباقية وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وحتى الآن، اختارت القاهرة التعامل مع هذه التطورات بنهج دبلوماسي حذر، عبر رسائل سياسية غير مباشرة تؤكد رفض أي مساس بأمن البحر الأحمر أو تغيير قواعد الاشتباك في هذه المنطقة الحساسة. غير أن مراقبين يرون أن استمرار التصعيد، أو انتقال التحركات الإسرائيلية من مرحلة الاتصالات إلى فرض أمر واقع على الأرض، قد يدفع إلى مراجعة شاملة لقواعد التعامل الإقليمي.
وفي هذا السياق، أعاد اللواء سمير فرج التأكيد على أن مصر لا تسعى إلى التصعيد، لكنها أيضاً لا تقبل بسياسة فرض الأمر الواقع، موضحاً أن جميع الخيارات تظل مفتوحة، وأن شكل الرد سيظل مرهوناً بتطورات المشهد وحجم التهديدات الفعلية، في منطقة لم تعد تحتمل مغامرات جديدة أو حسابات قصيرة الأجل.