تقارير
تفاهمات تتشكل خلف الكواليس..
السعودية وملف اليمن.. شبح الإرهاب يعود إلى الجنوب بصفقة تفاهمات مع الحوثيين
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يصافح قيادات من جماعة الإخوان اليمنية (واس)
يتزامن تصاعد الجدل في اليمن حول دور الجماعات المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين، وخصوصاً حزب الإصلاح الذي يُنظر إليه باعتباره الامتداد السياسي للجماعة داخل البلاد، مع تحولات إقليمية متسارعة تلقي بظلالها على مسار الصراع اليمني. ففي وقت تتزايد فيه الدعوات لتصنيف هذه الجماعات ضمن قوائم الإرهاب بسبب تأثيرها السياسي والفكري، تشير مؤشرات سياسية وعسكرية متزايدة إلى ملامح تفاهمات غير معلنة بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثيين، تفاهمات قد تعيد ترتيب موازين القوى داخل اليمن وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع والتسويات في البلاد.
إخوان اليمن والجنوب.. عودة شبح الجماعات المتطرفة
يتصاعد الجدل في الأوساط السياسية اليمنية حول دور الجماعات المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين في المنطقة، وخصوصاً في اليمن، حيث يُنظر إلى حزب الإصلاح باعتباره الامتداد السياسي والتنظيمي للجماعة. ويأتي هذا الجدل في وقت تتزايد فيه الدعوات لإدراج هذه الجماعات ضمن قوائم الإرهاب، باعتبارها – وفق منتقديها – تمثل تهديداً للاستقرار السياسي والأمني في عدد من الدول العربية، بينها اليمن.
تعود جذور حزب الإصلاح إلى مرحلة ما بعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، عندما تأسس بدعم سياسي وديني واضح، ليصبح لاحقاً مظلة تجمع التيار الإخواني في اليمن إلى جانب شخصيات قبلية ودينية مؤثرة. ومنذ ذلك الوقت ارتبط الحزب بعلاقات وثيقة مع المملكة العربية السعودية، حيث احتضنت الرياض قيادات سياسية ودينية بارزة فيه، ولا تزال شخصيات مؤثرة من الحزب تقيم داخل الأراضي السعودية وتمارس نشاطها السياسي والإعلامي من هناك.
هذا الارتباط التاريخي جعل حزب الإصلاح جزءاً من المعادلة السياسية التي استخدمتها السعودية في إدارة الملف اليمني لسنوات طويلة، وهو ما يفسر – بحسب مراقبين – حرص الرياض على تجنب أي تصنيف دولي قد يضع الحزب ضمن قوائم الإرهاب، لأن مثل هذا التصنيف قد يضعف إحدى أدواتها السياسية في اليمن ويقيد قدرتها على توظيفه في حساباتها الإقليمية.
في المقابل، برز دور دولة الإمارات العربية المتحدة منذ عام 2015 في مواجهة التنظيمات الإرهابية في الجنوب اليمني، حيث دعمت تشكيلات عسكرية جنوبية خاضت مواجهات واسعة مع تنظيمي القاعدة وداعش في محافظات عدن وأبين وشبوة وحضرموت. وأسهمت تلك العمليات في تحرير مناطق واسعة كانت خاضعة لنفوذ الجماعات المتطرفة وإنهاء وجودها العلني في عدد من المدن الجنوبية.
القوات الجنوبية التي خاضت تلك المعارك تمكنت من تفكيك شبكات إرهابية معقدة والقضاء على عدد من القيادات المتشددة، ما أحدث تحولاً مهماً في المشهد الأمني في الجنوب بعد سنوات من تمدد تنظيم القاعدة والجماعات المتطرفة في تلك المناطق.
غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى تحركات جديدة لإعادة تشكيل المشهد العسكري والأمني في الجنوب، حيث يتحدث مراقبون عن خطوات تهدف إلى إضعاف القوات الجنوبية التي واجهت التنظيمات الإرهابية خلال السنوات الماضية.
وترافقت هذه التحركات مع عودة شخصيات محسوبة على حزب الإصلاح إلى مواقع عسكرية وأمنية، إضافة إلى بروز أسماء ارتبطت سابقاً بتنظيم القاعدة والتيارات المتشددة، وهو ما أثار مخاوف من إعادة إنتاج بيئة أمنية هشة قد تسمح بعودة الجماعات المتطرفة إلى الواجهة مرة أخرى.
ويحذر بعض المراقبين من أن إعادة تمكين هذه الشخصيات داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، خصوصاً في مناطق الجنوب، قد تفتح المجال مجدداً أمام التنظيمات المتطرفة للعودة إلى النشاط، خاصة أن هذه الجماعات ما تزال تبحث عن فرص للتمدد في المناطق التي شهدت مواجهات سابقة معها.
ويستحضر البعض في هذا السياق تجربة السودان كنموذج لما قد يحدث عندما تتمكن جماعات الإخوان من السيطرة على مفاصل الدولة. فقد وصل التيار الإسلامي في السودان إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989 بقيادة عمر البشير وبدعم فكري وتنظيمي من الحركة الإسلامية المرتبطة بالإخوان المسلمين.
وخلال العقود التي تلت ذلك، جرى توظيف مؤسسات الدولة لخدمة مشروع أيديولوجي، ما أدى إلى عزلة السودان الدولية وتدهور اقتصاده وتصاعد الصراعات الداخلية. كما تحولت البلاد في تسعينيات القرن الماضي إلى ساحة لنشاط عدد من الجماعات المتشددة، وهو ما أدى لاحقاً إلى إدراج السودان لسنوات طويلة ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب.
هذه التجربة تدفع بعض الأطراف إلى طرح تساؤلات حول مستقبل القوى المرتبطة بالفكر الإخواني داخل المشهد اليمني، وإمكانية إدراجها ضمن سياق التنظيمات الإرهابية، خاصة في ظل استمرار بعض القوى الإقليمية في توظيف هذه الجماعات ضمن حساباتها السياسية.
ولا تقتصر خطورة جماعة الإخوان – بحسب منتقديها – على نشاطها السياسي، بل تمتد إلى التأثير الفكري والتنظيمي الذي تمارسه داخل المجتمعات، إذ اعتمدت لعقود على شبكات الجمعيات الخيرية والمؤسسات الدعوية لبناء نفوذ اجتماعي واسع ونشر خطابها الأيديولوجي.
وقد استخدمت هذه الشبكات في كثير من الحالات لاستقطاب الشباب وتوجيههم فكرياً ضمن مشروع سياسي يقوم على توظيف الدين في العمل الحزبي، ما أدى في بعض البيئات إلى خلق حالة من التشدد الفكري وخلط الدين بالصراع السياسي.
في ظل هذه التعقيدات، يبدو المشهد اليمني – وخصوصاً في الجنوب – أمام مرحلة حساسة، حيث تتقاطع فيه الصراعات السياسية مع الحسابات الإقليمية. ترى مصادر يمنية أن أي خطوات تؤدي إلى إضعاف القوى التي واجهت التنظيمات الإرهابية سابقاً قد تعيد إنتاج البيئة التي سمحت بتمدد القاعدة وداعش في السنوات الماضية.
وبين هذه المخاوف والتحولات الإقليمية، يتواصل الجدل حول مستقبل الجماعات المرتبطة بالفكر الإخواني في اليمن، وما إذا كانت المرحلة القادمة ستشهد تصنيفها ضمن الجماعات الإرهابية، أم استمرار استخدامها كورقة في الصراع السياسي الدائر في المنطقة.
اليمن بين التفاهمات الإقليمية وتفكيك موازين القوى العسكرية
على الرغم من التطورات الخطيرة التي تشهدها المنطقة العربية نتيجة الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وما قد ينعكس عن ذلك من تأثير على مستقبل أذرع طهران في المنطقة، ومنها جماعة الحوثي في اليمن، تبدو للمملكة العربية السعودية حسابات مختلفة تتحرك خارج سياق هذه المواجهة المباشرة.
ففي ظل التعقيدات الإقليمية الراهنة، تسعى الرياض – وفق قراءات سياسية متداولة – إلى ترتيب وضعها في الساحة اليمنية عبر مسار تفاهمات يهدف بالدرجة الأولى إلى تجنب أي تهديد مباشر لأمنها الداخلي، خصوصاً في ظل الحدود الطويلة والمناطق المتداخلة التي تربطها بالمناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي في صنعاء.
وتكشف التطورات المتلاحقة في المشهد اليمني عن ملامح مرحلة جديدة من التفاهمات غير المعلنة بين السعودية وجماعة الحوثيين، وهي تفاهمات بدأت تتضح منذ الزيارة التي قام بها السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر إلى صنعاء في أبريل 2023، ولقائه بقيادات الجماعة في خطوة شكلت آنذاك تحولاً لافتاً في مسار الحرب اليمنية.
لم تكن تلك الزيارة مجرد تحرك دبلوماسي عابر، بل بدت بداية لمسار سياسي جديد اتجهت فيه السعودية نحو فتح قنوات تفاهم مع الحوثيين، وهو ما انعكس لاحقاً على طبيعة السياسات والتحركات السعودية داخل اليمن، خصوصاً تجاه القوى المناوئة للحوثيين في الجنوب والساحل الغربي.
ومنذ تلك الزيارة بدأت ملامح التحول في السلوك السياسي والعسكري السعودي تتضح تدريجياً، حيث اتجهت الرياض – بحسب مراقبين – إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل اليمن، من خلال الضغط على بعض التشكيلات العسكرية التي كانت تقف في خطوط المواجهة مع الحوثيين، وفي مقدمتها القوات الجنوبية التي لعبت دوراً مهماً في تثبيت خطوط التماس مع الجماعة في عدد من الجبهات.
ويرى عدد من المحللين أن ما حدث لاحقاً من إضعاف أو إعادة هيكلة لبعض تلك القوات لم يكن مجرد تحولات عسكرية عابرة، بل جاء في سياق تفاهمات أوسع مع الحوثيين، تضمنت تقديم تطمينات تتعلق بإعادة ترتيب المشهد العسكري والسياسي في اليمن، وبخاصة في الجنوب.
وتشير بعض التسريبات السياسية إلى أن هذه التفاهمات تضمنت رسائل سعودية غير مباشرة للحوثيين تتعلق بضمانات سياسية وأمنية، من بينها منع أي مسار قد يقود إلى انفصال الجنوب عن الشمال، والعمل على تحجيم الكيان السياسي والعسكري الجنوبي الذي يمثله المجلس الانتقالي وقواته.
وقد ظهرت انعكاسات هذه التفاهمات بشكل أوضح في مطلع يناير 2026، عندما شهدت الساحة الجنوبية تطورات عسكرية تمثلت في استهداف بعض التشكيلات العسكرية الجنوبية ومحاولات إعادة هيكلتها أو استبدالها بقوى أكثر ارتباطاً بالقرار السعودي، وهو ما فسره بعض المراقبين باعتباره ترجمة عملية لتفاهمات غير معلنة مع الحوثيين.
غير أن التطورات الجارية تشير إلى أن هذا المسار لا يقتصر على الجنوب وحده، بل قد يمتد إلى الساحل الغربي لليمن، حيث تتمركز قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق محمد صالح، وفي مقدمتها قوات حراس الجمهورية التي تشكل إحدى أبرز الجبهات العسكرية في مواجهة الحوثيين في تلك المنطقة.
هذه القوات تمثل ثقلاً عسكرياً وسياسياً في المعادلة اليمنية، كما تشكل عائقاً أمام توسع الحوثيين باتجاه مناطق استراتيجية على الساحل الغربي.
لكن بعض المؤشرات الحالية توحي بأن السعودية قد تتجه إلى تحجيم دور هذه القوات تدريجياً، في مسار يشبه إلى حد كبير ما حدث مع بعض التشكيلات العسكرية في الجنوب.
وفي المقابل، تشير تسريبات متداولة من داخل صنعاء إلى أن جماعة الحوثي تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها مرحلة إعادة ترتيب للمشهد العسكري في اليمن، حيث لم تعد ترى ضرورة لخوض مواجهات مباشرة واسعة مع خصومها، في ظل توقعاتها بأن الرياض قد تتولى عملياً تفكيك القوى العسكرية التي تقف في مواجهتها.
ولا تقتصر هذه التفاهمات – بحسب بعض التقارير – على الجوانب العسكرية والسياسية فقط، بل تمتد أيضاً إلى ترتيبات اقتصادية ومالية، من بينها آليات لدفع رواتب الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين عبر ترتيبات تمويل غير مباشرة، في إطار تفاهمات تهدف إلى وقف الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي كانت تستهدف الأراضي السعودية خلال سنوات الحرب.
كما تتحدث بعض التسريبات عن مقترحات اقتصادية وسياسية يجري تداولها في الكواليس تتعلق بترتيبات مستقبلية لبعض الموانئ الاستراتيجية في الساحل الغربي، مثل موانئ الحديدة والمخا، ضمن تسويات أوسع يجري بحثها بعيداً عن الأضواء.
كل هذه المؤشرات تعكس سيناريو معقداً في اليمن عنوانه إعادة رسم موازين القوى بما يخدم مسار التفاهمات بين الرياض والحوثيين، حتى وإن جاء ذلك – وفق بعض التقديرات – على حساب القوى التي وقفت إلى جانب السعودية في مواجهة الجماعة خلال سنوات الحرب.
وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن اليمن يقف أمام مرحلة جديدة من الصراع السياسي والعسكري، مرحلة قد تشهد إعادة تشكيل المشهد العسكري بالكامل، في إطار تسويات إقليمية تسعى السعودية من خلالها إلى الخروج من حرب استنزفتها لسنوات طويلة، وضمان تحييد الحوثيين أو احتوائهم ضمن ترتيبات جديدة في المشهد اليمني.