تطورات اقليمية
مصادر جنوبية تؤكد أن الزُبيدي باقٍ في عدن…
تضارب الروايات السعودية يثير تساؤلات حول مسار التصعيد في جنوب اليمن
المتحدث باسم القوات السعودية تركي المالكي - أرشيف
قالت مصادر جنوبية رفيعة إن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزُبيدي لا يزال في عدن ويمارس مهامه بصورة طبيعية، نافيةً ما ورد في بيانات وتصريحات سعودية تحدثت عن “مغادرة” أو “هروب”، في وقت يتصاعد فيه الجدل حول دوافع ما تصفه هذه المصادر بـ“تضارب الروايات” الصادرة عن الرياض.
ويأتي هذا السجال في أعقاب بيان من المتحدث باسم التحالف تركي المالكي تضمّن سردًا تفصيليًا لمسارات جوية وبحرية وأسماء وأرقام، غير أن مصادر سياسية جنوبية قالت إن البيان يفتقر إلى أدلة قابلة للتحقق، ويعتمد على رواية مركّبة تهدف، بحسب توصيفها، إلى تقويض المجلس الانتقالي الجنوبي واستهداف رئيسه سياسيًا.
وتشير هذه المصادر إلى أن الرواية السعودية تضمّنت تناقضات تقنية لافتة، من بينها الادعاء بإغلاق أنظمة تعريف الطائرة ثم إعادة تشغيلها قبل الهبوط بعشر دقائق، وهو ما وصفته بأنه سيناريو “غير متسق مع معايير الطيران والملاحة”، ويُستخدم عادة في سياقات إعلامية لا في تقارير أمنية رسمية. كما أثار حديث البيان عن وجود طائرة “بانتظار” أشخاص انتقادات وُصفت بأنها أقرب إلى حبكات سينمائية منها إلى وقائع موثقة.
وتضيف المصادر أن إدراج أسماء ضباط إماراتيين في الرواية يُعد تصعيدًا متعمّدًا لإقحام الإمارات العربية المتحدة في سردية مثيرة للجدل، بعد إخفاق محاولات سابقة لتشويه دورها في الجنوب. كما لفتت إلى إدخال سفينة تحمل علم سانت كيتس ونيفيس وربطها بقصة سابقة، معتبرة ذلك “خلطًا سياقيًا متعمدًا” لتضخيم الرواية، وهو أسلوب معروف في حروب المعلومات.
ويربط مراقبون توقيت البيان بما سبقه من غارات على الضالع وما تلاها من اتهامات “الهروب”، في ما يرونه سلسلة واحدة من التصعيد تشمل القصف، ثم التشهير، ثم بناء رواية إعلامية موسّعة، وصولًا إلى إقحام أطراف إقليمية. ويقول هؤلاء إن هذا المسار يعكس بحثًا عن غطاء سياسي لفشل ميداني، أكثر من كونه سعيًا لتعزيز الأمن أو الاستقرار.
في المقابل، تؤكد المصادر الجنوبية أن الزُبيدي “صامد في عدن”، يقود ويشرف على عمل مؤسسات المجلس الانتقالي، وأن هذا الثبات هو ما يُفشل الرواية المتداولة ويدفع، بحسب تعبيرها، إلى تكاثر الادعاءات. وترى أن استهداف شخص رئيس المجلس بهذه الطريقة لا يُقرأ كخلاف سياسي عابر، بل كمحاولة لكسر الإرادة المعنوية لقيادة الجنوب، وهو ما تقول إنه “لم ولن يتحقق”.
وتحذّر هذه المصادر من أن استمرار هذا النهج قد يقوّض السلم ويخلق فراغات أمنية تتجاوز الجنوب إلى الإقليم، بما في ذلك الخليج والبحر الأحمر، معتبرة أن توسيع دائرة الاتهامات ليشمل الإمارات مقامرة خطِرة قد تنعكس سلبًا على الشراكات الإقليمية والدولية. كما تشير إلى أن تراكم هذه الادعاءات قد يفتح الباب أمام مساءلات دولية تتعلق بالتشهير السياسي والتحريض وتهديد السلم.
ويخلص مراقبون إلى أن المشهد الحالي يعكس صراع سرديات بقدر ما يعكس صراع نفوذ، في وقت يؤكد فيه المجلس الانتقالي الجنوبي أنه لن يُدار بالأكاذيب ولن يُرغم بالابتزاز، داعيًا إلى وقف التصعيد واحترام الوقائع على الأرض. وفي ظل غياب أدلة حاسمة تدعم الروايات المتضاربة، يبقى السؤال المطروح: هل يمهّد هذا المسار لمزيد من التصعيد، أم لإعادة تقييم تفرضها كلفة حرب معلومات تتسع آثارها خارج حدود الجنوب؟.
وقال المجلس الانتقالي الجنوبي إن رئيسه عيدروس الزُبيدي لم يُدعَ رسميًا إلى الحوار الجنوبي المزمع عقده في الرياض، بل أُبلغ مسبقًا بما طُلب منه التوقيع عليه، وتعرّض لتهديد بعمل عسكري في حال عدم الامتثال، في تطور يثير تساؤلات واسعة حول طبيعة الحوار وحدود التصعيد السعودي في جنوب اليمن.
وأوضح متحدث المجلس الانتقالي الجنوبي أنور التميمي أن ما جرى لا يمكن وصفه بالحوار، بل “إكراه سياسي” يُقوّض أي فرصة لحل مستدام، معتبرًا أن التهديد باستخدام القوة يتناقض مع أسس التفاوض، ويضع الجنوب أمام معادلة صفرية بين القبول القسري أو التصعيد العسكري.
وتتقاطع هذه الرواية مع ما نقله عمرو البيض، الذي قال في إحاطة لرويترز إن السعودية أبلغت الزُبيدي بأنها ستقصف عدن إذا لم يحضر المحادثات، مؤكدًا في الوقت نفسه أن عدن لا تزال تحت سيطرة المجلس الانتقالي، وأن عدم توجه الزُبيدي إلى الرياض جاء بدافع عدم ترك فراغ أمني في المدينة.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس تحوّلًا في أسلوب إدارة ملف الجنوب، من محاولة الاحتواء السياسي إلى الضغط العسكري والإعلامي، وهو ما يضع مؤتمر الرياض أمام اختبار مبكر لمصداقيته. فالحوار، وفق المعايير الدبلوماسية، يفترض التكافؤ الطوعي بين الأطراف، لا التهديد بالقصف أو فرض مخرجات مسبقة.
ويحذّر محللون من أن أي مسار يُبنى على الإكراه قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصًا في بيئة جنوبية حساسة أمنيًا. ويشيرون إلى أن الهجمات الجوية التي أوقعت ضحايا مدنيين، بحسب المجلس الانتقالي، تخدم فعليًا جماعة الحوثي وتنظيم القاعدة، عبر خلق فراغات أمنية وتغذية خطاب المظلومية، بدل إضعاف هذه الجماعات.
وأكد التميمي أن المجلس الانتقالي الجنوبي لم يشكّل يومًا تهديدًا عسكريًا للسعودية، وأنه يسعى إلى بناء دولة جنوبية حديثة تقوم على التعددية والديمقراطية، لافتًا إلى أن المجلس، رغم التصعيد، لا يزال ملتزمًا بالحوار السياسي، وقد أرسل وفدًا رفيع المستوى إلى الرياض للمشاركة في مؤتمر الحوار الجنوبي.
غير أن البيان كشف أيضًا عن احتجاز أكثر من خمسين مسؤولًا من المجلس الانتقالي ونقلهم إلى مكان مجهول، وهو ما وصفه باحتجاز تعسفي يزيد من تعقيد المشهد، ويطرح تساؤلات حول البيئة التي يُفترض أن يُدار فيها أي حوار سياسي.
ويشير مراقبون إلى أن إصرار الزُبيدي على البقاء في عدن، بحسب المجلس، يعكس رهانًا على تثبيت السيطرة الأمنية في مواجهة التصعيد، لا سيما مع تأكيده أنه يقود “استجابة شاملة” للتطورات. هذا الموقف، برأيهم، يُبرز مخاوف حقيقية من أن يؤدي غياب القيادة إلى اضطرابات ميدانية في مدينة تُعد مركز الثقل السياسي والأمني للجنوب.
كما جدّد المجلس الانتقالي تمسكه بخارطة الطريق التي أعلنها مطلع يناير، والداعية إلى منح شعب الجنوب حق الاستفتاء على تقرير مصيره خلال العامين المقبلين، معتبرًا أن تجاهل القضية الجنوبية أو تأجيلها بالقوة سيؤدي إلى تراكم مشاعر السخط، ليس في الجنوب فحسب، بل على مستوى اليمن والمنطقة.
وفي ظل غياب تعليق رسمي سعودي حتى الآن، يرى محللون أن المشهد يتجه نحو مزيد من الاستقطاب، حيث يتقاطع التصعيد العسكري مع معركة سرديات سياسية وإعلامية. والسؤال الذي يفرض نفسه، وفق هؤلاء، هو ما إذا كانت الرياض تسعى إلى فرض تسوية سريعة بالقوة، أم أن كلفة التصعيد قد تدفعها إلى إعادة تقييم المسار، والانتقال من منطق الإكراه إلى حوار حقيقي يراعي تعقيدات الجنوب ومطالبه المتراكمة.