تطورات اقليمية
في قلب التحولات الأوروبية..
ماذا تكشف تظاهرة برلين عن مستقبل التعاطي مع طهران؟
من الشارع الأوروبي إلى حسابات العواصم الغربية
شكّلت التظاهرة الحاشدة التي شهدتها العاصمة الألمانية برلين، أمام بوابة براندنبورغ، محطة مفصلية في مسار المعارضة الإيرانية في الخارج، بعدما تجاوزت كونها فعالية تضامنية تقليدية لتأخذ طابعًا سياسيًا أعمق، أقرب إلى اختبار علني لمدى حضور البديل المنظم في المشهد الدولي. ووفق تقديرات متطابقة نقلتها وسائل إعلام غربية، وأكدتها تصريحات شخصيات دولية من بينها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق مايك بومبيو، فقد تجاوز عدد المشاركين حاجز مئة ألف متظاهر، في واحدة من أكبر التجمعات المناهضة للنظام الإيراني التي تشهدها أوروبا خلال السنوات الأخيرة.
بعيدًا عن لغة الأرقام، يعكس هذا الحراك تحولًا نوعيًا في طريقة تموضع المعارضة الإيرانية داخل الفضاء الغربي، حيث لم يعد الاحتجاج مجرد تعبير رمزي عن الرفض، بل بات أداة ضغط سياسي تهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين العواصم الأوروبية وطهران. ولم يكن اختيار برلين، باعتبارها الثقل الاقتصادي والسياسي الأبرز في أوروبا، تفصيلًا عابرًا، بل رسالة مباشرة تربط بين القمع الداخلي في إيران وبين مسؤولية الشركاء الدوليين الذين لا يزالون يتعاملون مع النظام ضمن أطر دبلوماسية تقليدية.
وتشير تقارير صحفية غربية إلى تصاعد غير مسبوق في أدوات القمع داخل إيران، شمل استهداف الأسواق الشعبية، وفرض قيود مشددة على عمل فرق الطوارئ، إلى جانب تعتيم إعلامي واسع عبر قطع الإنترنت. في هذا السياق، تحولت تظاهرة برلين إلى منصة لتدويل ما تصفه المعارضة بـ«فاتورة الدم»، وكسر جدار الصمت الذي تحاول طهران فرضه على الداخل، الأمر الذي وضع الحكومات الغربية أمام تساؤلات متزايدة حول كلفة الاستمرار في سياسات الاحتواء والمهادنة.
في المقابل، حاول النظام الإيراني التقليل من أهمية الحدث عبر الترويج لأرقام منخفضة، في مسعى لإبقاء خصومه في إطار «الأقلية المعزولة». غير أن الحشد الكبير في برلين أعاد طرح مفهوم «الكتلة الحرجة» على الطاولة الأوروبية، حيث لم يعد من السهل تجاهل وجود معارضة منظمة تمتلك القدرة على التعبئة، والتنسيق، وفرض حضورها في عواصم القرار. وبهذا المعنى، انتقلت المعارضة – ولو جزئيًا – من موقع الاحتجاج إلى موقع الفاعل السياسي الذي يصعب القفز فوقه في أي مقاربة مستقبلية للملف الإيراني.
في موازاة ذلك، برز ما يُعرف ببرنامج النقاط العشر الذي طرحته مريم رجوي بوصفه تصورًا سياسيًا لمرحلة ما بعد النظام القائم، في مواجهة السردية الرسمية التي تروّج لغياب البديل. يقدّم البرنامج التزامات واضحة تتقاطع مع الهواجس الغربية، أبرزها الاحتكام إلى صناديق الاقتراع كمصدر وحيد للشرعية، والفصل بين الدين والدولة، وضمان المساواة بين الجنسين، إضافة إلى التعهد بإقامة إيران خالية من السلاح النووي. هذا الطرح، من منظور استراتيجي، يضعف مبررات السياسات الغربية القائمة على إدارة الأزمة، ويقدّم إطارًا بديلًا يُعاد على أساسه تقييم العلاقة مع طهران.
غير أن التحول في الخطاب لا يزال يصطدم بعقبات عملية، في مقدمتها ملف تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية داخل الاتحاد الأوروبي. فعلى الرغم من الأثر المباشر لمثل هذه الخطوة في تجميد الأصول وتقييد شبكات النفوذ، فإنها تواجه تعقيدات قانونية وسياسية تتطلب إجماعًا أوروبيًا وأساسًا قضائيًا متينًا. وبينما أبدت دول مثل ألمانيا والبرلمان الأوروبي مواقف أكثر تشددًا، لا تزال عواصم أخرى مترددة، خشية التصعيد أو القلق من تداعيات ما يُعرف بدبلوماسية الرهائن، وهو ما يحوّل الملف إلى اختبار حقيقي لمدى التزام أوروبا بخطابها القيمي.
وعلى المستوى الرمزي، حملت تظاهرة برلين رسالة واضحة برفض إعادة إنتاج الماضي الملكي، عبر شعارات أكدت القطيعة مع نظام الشاه كما مع النظام الديني القائم. ويرى مراقبون أن هذا الموقف يستهدف تحييد خطاب يُستخدم لتفتيت المعارضة وإثارة المخاوف الغربية من عودة الاستبداد بصيغة مختلفة، في حين يعكس هذا الرفض المزدوج سعيًا لتأسيس نموذج جمهوري ديمقراطي حديث، يتجاوز ثنائية الشاه والملالي معًا.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو سياسة الانتظار التي انتهجتها أوروبا تجاه إيران أقل قابلية للاستمرار. فاتساع الحراك المنظم، ووضوح الطرح البديل، وتزايد كلفة تجاهل الانتهاكات، كلها عوامل تدفع باتجاه مراجعة شاملة للنهج الغربي. وتشمل ملامح هذه المراجعة المحتملة تفعيل آليات المساءلة الدولية، وإعادة ضبط التمثيل الدبلوماسي بشروط أكثر صرامة، وتجاوز العقبات القانونية المتعلقة بتصنيف الحرس الثوري، إضافة إلى الاعتراف بحق الشعب الإيراني في تقرير مصيره ودعم قواه المنظمة بوصفها خيارًا واقعيًا لتحقيق تغيير مستدام يخدم الاستقرار الإقليمي والأمن الدولي.