تطورات اقليمية
حافة صراع بلا يقين..
واشنطن تلوح بضربات لإيران وتراهن على الانهيار دون تدخل بري
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يتشكل مشهد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران بصورة تختلف عن نماذج الحروب التقليدية التي عرفتها المنطقة خلال العقدين الماضيين. التحركات العسكرية الأمريكية، رغم كثافتها، تبدو مصممة على إرسال رسائل ردع مركزة أكثر من كونها مقدمة لغزو شامل، في انعكاس واضح لتجربة العراق التي ما تزال حاضرة في حسابات صناع القرار داخل واشنطن.
الإدارة الأمريكية تدفع بقوة بحرية وجوية متقدمة إلى المنطقة، لكنها تتجنب بعناية الحديث عن تدخل بري أو احتلال طويل الأمد، في محاولة لفرض معادلة ضغط قصوى بأقل كلفة سياسية وعسكرية ممكنة. الرهان هنا يقوم على استهداف مراكز الثقل داخل النظام الإيراني، سواء عبر ضربات دقيقة أو عمليات نوعية تستهدف شخصيات قيادية، بما يعيد رسم ميزان الردع دون الانزلاق إلى مستنقع حرب مفتوحة.
في المقابل، لا تبدو طهران غافلة عن طبيعة هذا السيناريو. الأجهزة الأمنية عززت حضورها في الداخل بعد موجات الاحتجاج الأخيرة، ووسعت من حملات الملاحقة ضد شبكات يُشتبه بارتباطها بجهات خارجية، في محاولة لتقليل فرص الاختراق الأمني أو الضربات المفاجئة التي قد تهز مركز القرار السياسي والعسكري.
المعضلة الحقيقية لا تتعلق بالضربات نفسها بقدر ما ترتبط بمرحلة ما بعدها. التجارب السابقة في الشرق الأوسط تشير إلى أن إعلان النجاح العسكري لا يعني نهاية الصراع، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً. فحتى لو نجحت حملة قصف واسعة في إضعاف البرنامج النووي أو إقصاء بعض القيادات، فإن قدرة النظام الإيراني على امتصاص الصدمة وإعادة ترتيب صفوفه تبقى احتمالاً قائماً، خصوصاً مع ميل الأنظمة المركزية إلى توظيف التهديد الخارجي لتعزيز التماسك الداخلي.
التقديرات المتداولة في دوائر التحليل تشير إلى أن أي ضربات تقليدية قد تؤخر البرنامج النووي لفترة محدودة دون أن تغير البنية العميقة للنظام. بل إن الهجوم الخارجي قد يمنح الحرس الثوري مساحة أوسع لإعادة تثبيت نفوذه، مستفيداً من مناخ التعبئة الوطنية ومخاوف الانهيار.
السيناريو الأكثر تعقيداً يظهر إذا أدت الضربات إلى فراغ قيادي حاد أو انهيار مفاجئ للنظام. عندها ستواجه إيران مسارات متباينة، تبدأ باحتمالات انتقال ديمقراطي ضعيفة في ظل غياب دعم خارجي واضح، وتمر بفرضيات عودة رمزية للنظام الملكي لكنها تصطدم بواقع داخلي شديد الحساسية تجاه أي مشروع يُنظر إليه كصناعة خارجية.
الخطر الأكبر يكمن في احتمال انزلاق البلاد إلى صراع داخلي متعدد الأطراف، خاصة مع التنوع العرقي والسياسي، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام موجات نزوح واضطرابات إقليمية واسعة، ويضع دول الخليج والعراق وسوريا أمام تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة.
ورغم كل ذلك، يبقى الاحتمال الأكثر تداولاً في التحليلات هو صعود الحرس الثوري إلى موقع القيادة المباشرة في حال غياب السلطة المدنية، مستفيداً من تفوقه التنظيمي والعسكري. المفارقة هنا أن مثل هذا التحول قد ينتج نظاماً أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية اقتصادياً، لكنه في الوقت نفسه أكثر صلابة أمنياً، ما يضع واشنطن أمام سؤال استراتيجي صعب: هل الهدف تغيير سلوك إيران أم تغيير طبيعة نظامها بالكامل؟
بين حسابات الضربات المحدودة ومخاطر الانهيار الشامل، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق لا تحكمه فقط موازين القوة، بل أيضاً فراغ الرؤية لما بعد الصدمة. وفي غياب خطة واضحة للمرحلة الانتقالية، قد تتحول أي مغامرة عسكرية إلى إعادة إنتاج لدورات عدم الاستقرار التي أثقلت الشرق الأوسط لعقود طويلة.