الأدب والفن
صناعة الجدل الموسمي..
كوميديا أم إهانة؟.. برامج المقالب تعيد رسم حدود الاحترام في الفن المصري
برامج المقالب تعيد طرح سؤال الكرامة في الفن المصري - أرشيف
في كل موسم رمضاني يتكرر المشهد نفسه: ضحك سريع، جدل واسع، وملايين المشاهدات التي تتحول إلى درع غير مرئي يحمي برنامج المقالب الذي يقدمه رامز جلال من أي مراجعة حقيقية. لكن خلف هذا الضجيج، يتشكل سؤال هل ما نشاهده مجرد كوميديا خفيفة، أم نموذج إعلامي يعيد تعريف حدود الاحترام داخل المشهد الفني المصري؟
المفارقة التي يصعب تجاهلها أن الخطاب العام بات أكثر حساسية تجاه الألفاظ والتعليقات الشخصية، خصوصًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تُفرض رقابة صارمة على صناع المحتوى بحجة حماية الذوق العام. ومع ذلك، تُبث في وقت الذروة حلقات مليئة بالسخرية اللاذعة والتعليقات التي تتناول شكل الضيوف وأجسادهم وحياتهم الخاصة، وكأن الكاميرا التلفزيونية تمنح حصانة لا يحصل عليها الآخرون.
الحلقة التي استضافت الفنانة أسماء جلال هذا العام لم تكن استثناءً، بل أعادت تسليط الضوء على نمط يتكرر منذ سنوات. لم يعد المقلب مجرد مفاجأة أو لحظة خوف عابرة، بل تحول إلى عرض قائم على الإحراج العلني، حيث يصبح الفنان مادة للضحك الجماعي. البعض يراه ترفيهًا بريئًا، لكن آخرين يرون فيه صورة مختلفة: ضحك يقوم على التقليل من الضيف أكثر مما يقوم على المفارقة الذكية.
الجدل لم يتوقف عند الشاشة. فقد فجّر قرار نقابة المهن التمثيلية إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق بعد هجومه اللفظي على رامز جلال تساؤلات صعبة داخل الوسط الفني. فإذا كانت النقابة تتحرك لحماية صورة الفنان المصري عندما تصدر الإساءة من خارج البرامج، فلماذا لا يُطرح السؤال نفسه عندما تُقال عبارات قاسية داخل برنامج يشاهده الملايين؟ هل هناك معيار واحد للكرامة المهنية، أم أن الأمر يخضع لحسابات مختلفة حين يتعلق ببرنامج يحقق نسب مشاهدة ضخمة؟
البعض دافع عن قرار النقابة باعتباره التزامًا باللياقة المهنية، لكن كثيرين رأوا في المشهد مفارقة واضحة: فالفنان قد يُحاسَب إذا هاجم زميلًا بكلمات حادة، بينما تمر التعليقات الساخرة التي تُقال على الشاشة تحت لافتة الكوميديا دون مساءلة حقيقية. هنا لا يعود النقاش حول شخص بعينه، بل حول فلسفة كاملة في التعامل مع الإهانة عندما تُقدَّم داخل قالب ترفيهي مربح.
السؤال الأكثر حساسية يتعلق بالجهات الإنتاجية التي تضخ ميزانيات ضخمة في هذا النوع من البرامج عامًا بعد عام. فخلال السنوات الأخيرة، أصبح واضحًا أن شركات إنتاج مدعومة برؤوس أموال كبيرة، وبعضها مرتبط بسوق إعلامي إقليمي واسع، تستثمر بسخاء في محتوى قائم على الجدل السريع والإثارة. لماذا يستمر هذا الاستثمار رغم الانتقادات المتكررة؟ هل هي مجرد حسابات إعلانية باردة، أم أن هناك توجّهًا أعمق لإعادة تشكيل ذائقة الجمهور نحو ترفيه سريع الاستهلاك يعتمد على الصدمة بدلًا من القيمة الفنية؟
وسط هذه المعادلة، بدأ سؤال آخر يطفو على السطح داخل الوسط الفني: هل أصبح الفن المصري بنجومه هدفًا سهلًا لإعادة تقديمه بصورة أقل هيبة أمام الجمهور؟ فحين يتحول فنانون صنعوا تاريخًا طويلًا في السينما والدراما إلى مادة للسخرية المتكررة في برامج تُعرض إقليميًا وتُسوَّق بوصفها قمة الترفيه، يشعر البعض أن الصورة الرمزية للفنان المصري تتعرض لإعادة تعريف قاسية، ربما دون قصد مباشر، لكنها تترك أثرًا واضحًا في وعي المشاهد.
ولا يمكن تجاهل دور الفنانين أنفسهم في هذه اللعبة المعقدة. فالمشاركة في برنامج مثير للجدل تمنح حضورًا واسعًا في موسم مزدحم، لكنها في الوقت ذاته تضع الفنان في موقف يبدو فيه أقل سيطرة على صورته أمام الجمهور. هل أصبح التعرض للسخرية جزءًا من قواعد السوق الجديدة؟ أم أن النجومية نفسها باتت مرتبطة بمدى القدرة على تحمل الإحراج أمام الكاميرا؟
المفارقة الأعمق أن المجتمع يتلقى رسالتين متناقضتين في آن واحد: دعوات رسمية لضبط الخطاب واحترام الذوق العام، مقابل برامج ضخمة الإنتاج تعتمد على اللغة الساخرة الحادة لجذب الانتباه. هذا التناقض لا يخلق فقط حالة من الارتباك لدى الجمهور، بل يعيد طرح سؤال جوهري حول مستقبل الترفيه في المنطقة: هل نبحث عن ضحك ذكي يحترم الجمهور، أم عن جدل دائم يبقي الأضواء مشتعلة بأي ثمن؟
في النهاية، لم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كان برنامج رامز جلال مضحكًا أم لا. السؤال الأهم أصبح: من يحدد حدود الكوميديا اليوم؟ وهل تحولت الإهانة إلى سلعة إعلامية تُباع تحت شعار الترفيه؟ الإجابة قد لا تكون سهلة، لكن المؤكد أن ما يحدث على الشاشة لم يعد مجرد “مقلب”… بل اختبار مفتوح لصورة الفن المصري ومكانة نجومه في زمن تغيّرت فيه قواعد اللعبة الإعلامية بالكامل.