أنشطة وقضايا
تحولات الطقوس الرمضانية في جنوب اليمن..
رمضان في جنوب اليمن.. ذاكرة المجتمع بين الفلك والمدفع والمذياع
ليالي رمضان قديماً بين صدى المدافع وأنغام المذياع
قبل ظهور وسائل الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة، كان استقبال شهر رمضان في جنوب اليمن طقساً اجتماعياً متكاملاً، تتداخل فيه المعرفة الفلكية بالتقاليد الدينية والعادات الشعبية.
ما إن تثبت الرؤية تُشعل النيران فوق القمم لتنتقل البشرى بين القرى، بينما يجوب المسحراتي الحارات بأهازيجه، ويعلن دوي المدفع عند الغروب لحظة الإفطار، ويحمل المذياع صوت الأذان إلى البيوت لتتشكل بذلك ذاكرة رمضانية غنية تعكس خصوصية المكان.
المتحرين بين القضاء والعرف
يقول الباحث معين العامري إن متحرّي الهلال ""المتحرين"، في مناطق مثل دثينة وأحور بمحافظة أبين كانوا يتمتعون بحدة بصر نادرة ومعرفة متوارثة بمنازل القمر ومواقع النجوم، وكانوا أشخاصاً مشهوداً لهم بالصدق والعدالة.
ويشير العامري إلى وثيقة مؤرخة في 29 شعبان 1376هـ الموافق 31 مارس 1957م، تكشف عن آلية دقيقة لتحرّي الهلال بين أحور ودثينة، حيث توثق دور الشهود والقاضي الشرعي والقاضي العرفي".
ويتابع" وقبيل غروب التاسع والعشرين من شهر شعبان يصعدون إلى المرتفعات المطلة على الأفق الغربي لمراقبة الهلال، فإذا ثبتت رؤيته تُرفع الشهادة إلى القاضي الشرعي الذي يتولى التثبت منها والتدقيق في صحتها قبل إعلان دخول الشهر، فيما يتكفل القاضي العرفي أو شيخ القبيلة بإبلاغ القرى والبوادي بالخبر، في صورة تعكس تكاملاً واضحاً بين السلطة الدينية والبنية الاجتماعية القبلية".
وكانت إشعال النيران على قمم الجبال وسيلة لإعلان ثبوت الرؤية، فيما يُعرف محلياً بـ«التنصير»، وهو أسلوب يشبه “التلغراف البصري”، إذ تنتقل الإشارة من جبل إلى آخر عبر سلسلة المرتفعات.
وبالطريقة نفسها في حضرموت، توقد النيران في جبال السحيل بسيئون، فيراها المترقبون على جبل المعجاز في تريم، فيما اعتاد بعض الأهالي إشعال كرات من الرماد الممزوج بالزيت على حواف المنازل.
و ارتبطت ذاكرة الأهالي بمحافظة عدن باسم القاضي محمد بن داود البطّاح الأهدل، أحد أبرز القضاة في تاريخ المدينة الحديث، حيث كان يخرج برفقة أربعة من القضاة ومحتسب المدينة وعدد من الأعيان إلى مرتفعات جبل شمسان أو قلعة صيرة لتحرّي الهلال، وكان الأهالي يتجمهرون أمام منزله في كريتر انتظاراً لخروجه لإعلان ثبوت رؤية هلال رمضان أو هلال شوال، في مناسبة عُرفت شعبياً باسم «الأهلة»_بحسب العامري.
ووفقاً لما أورده المؤرخ نجيب يابلي، كان القاضي يعتمد في تثبيت رؤية الهلال أيضاً على شهادة الصيادين الذين يتوجهون قبيل الفجر إلى سواحل عدن، حيث صفاء الأفق واتساع مجال الرؤية.
وفي السياق ذاته يشير الباحث في تاريخ عدن بلال غلام إلى أن منطقة «البمبا» في صيرة عُرفت كنقطة بحرية مناسبة لرصد الهلال، ومع إعلان ثبوت الرؤية كان يُبلَّغ المسحراتي ليجوب الحارات معلناً دخول شهر رمضان بتكليف من المشايخ الموثوقين، وتبدأ الأدعية والتواشيح وتطلق المدافع وتضاء الفوانيس لتضفي أجواء روحانية احتفالية، قبل أن تتولى لاحقاً لجنة الأهلة والأعياد التابعة لبلدية عدن مهمة الإعلان الرسمي عبر الإذاعة والتلفاز.
وفي مرتفعات محافظة لحج، يشير الباحث الدكتور علي الخلاقي إلى أن تحرّي الهلال كان يتم من قمم الجبال المطلة على الأفق الغربي بواسطة رجال موثوقين، فإذا ثبتت الرؤية أُبلغت القرى المجاورة تباعاً، وتُشعل النيران فيما يُعرف محلياً بـ«الهُشَّلة» أو «الشعملة».
كما يذكر الباحث محمد عمر كرامان أنه في عهد السلطنة القعيطية في مدن ساحل حضرموت كانت تُرسل سيارة لاند روفر مزودة بجهاز لاسلكي يعمل بنظام مورس إلى منطقة النقعة في غيل باوزير، حيث تبقى السيارة في الموقع حتى وصول مبعوث اللجنة المكلفة بالرصد.
وعند التأكد من ثبوت الهلال يُبلَّغ مسؤول السيارة لإرسال برقية لاسلكية إلى العاصمة المكلا لإعلان دخول الشهر، وكان من أبرز المترقبين آنذاك علي باسعد رحمه الله، الذي عُرف بدقته وكان محل ثقة لدى السلطنة القعيطية.
مدفع رمضان في اليمن
يُعدّ مدفع رمضان من العادات الرمضانية العريقة في جنوب اليمن، حيث استخدم تقليدياً للإعلان عن موعدي الإفطار والإمساك خلال شهر رمضان المبارك.
ويشير غلام إلى أن استخدام مدفع رمضان في عدن يعود إلى ما قبل فترة الاحتلال البريطاني، وكان يُوضع في مناطق مرتفعة مثل خورمكسر والمنصورة والشيخ عثمان، إضافة إلى جبل حديد وجبل معاشيق، ومنطقة البنجسار في التواهي، وجبل القلوعة.
وكان المدفع يُطلق عند الإفطار، والإمساك، وبعد الاستقلال عام 1967 استمرت هذه العادة لفترة، لكنها بدأت تتراجع تدريجياً مع انتشار وسائل الإعلام الحديثة ومكبرات الصوت في المساجد.
وخلال خمسينيات القرن الماضي، وفي زمن السلطنة العبدلية في لحج، كان مدفع رمضان يُطلق من قصر الروضة إعلاناً لموعد الإفطار، كما عُرفت منطقة «القارة» في يافع بمدفعها الذي أُهدي للسلطان عيدروس من قبل البريطانيين في مطلع خمسينيات القرن الماضي.
وفي حضرموت، يوضح الباحث خالد مدرك أنها كانت من أوائل المناطق العربية التي عرفت استخدام مدفع رمضان، وذلك منذ عهد السلطنة القعيطية (1839–1967م).
ولم يقتصر استخدام المدفع على شهر رمضان فقط، بل كان يؤدي أدواراً أخرى في المناسبات المختلفة، حيث كانت مهمة تشغيله تتولاها القوة العسكرية، ممثلة بجيش المكلا النظامي التابع للدولةالقعيطية.
ويذكر الباحث محمد عمر كرامان أن المدفع في المكلا كان في البداية بمنطقة خلف، ثم نُقل إلى حصن باحوش على الربوة، قبل أن يستقر بالقرب من مدرسة الجماهير في العيقة باتجاه البحر، ومع بداية سبعينيات القرن الماضي بدأ صوت المدفع يختفي تدريجياً، لتطوى بذلك صفحة من أقدم العادات الرمضانية في المدينة.
وفي الضالع، يوضح علي سنان، مدير الثقافة بالمحافظة، أن هذه العادة تعود إلى أيام الأمير حيدرة بن نصر، أمير إمارة الضالع، الذي طلب من الإمام توفير مدفع وتكليف شخص يُدعى الطبشي بمهمة تشغيله.
وكان المدفع إيطالي الصنع، يُعبّأ بالبارود ويُطلق عبر شد حبل من الخلف، واستمر هذا التقليد سنوات طويلة قبل أن يتراجع مع ظهور وسائل الإعلام الحديثة.
أما في مدينة شبام بحضرموت، فيُعد مدفعها من أقدم المدافع ويذكر الباحث علوي بن سميط أن المدفع صُنع في بريطانيا عام 1832، وأُدخل إلى شبام عام 1857 كسلاح ثقيل استخدم في المعارك، حيث شارك في ضرب كوت الركز وكوت السعيدية، قبل أن يتحول لاحقاً إلى رمز من رموز العادات الرمضانية.
ومنذ أربعينيات القرن الماضي أصبح المدفع يُستخدم للتنبيه إلى وقتي الإفطار والسحور.
وتولت أسرة آل مبارك سعيد مهمة صيانة المدفع وإطلاقه، واستمر هذا التقليد حتى بدايات السبعينيات، وفي عام 2013 أُعيد تشغيل المدفع باهتمام من جمعية حماية العمارة الطينية في شبام، حيث وُضع بداية في الجهة الغربية لنهاية جسر شبام، ثم نُقل لاحقاً إلى منطقة البطحاء.
غير أن إطلاقه توقف مجدداً منذ نحو عشر سنوات بسبب صعوبة الحصول على البارود، وتأثير الاهتزازات الناتجة عنه على المباني الطينية، إضافة إلى صعوبة نقله إلى موقع مناسب.
وبحسب الشيخ طيب علي التوي، كان المدفع يُطلق عند دخول رمضان وفي الأعياد، كما تُطلق اثنتا عشرة طلقة عند رؤية هلال شهر ربيع الأول، وذلك بإذن من السلطان أو من ينوب عنه في عاصمة لواء شبام.
المسحراتي
تُعدّ عادة المسحراتي من التقاليد الرمضانية إذ حافظت على حضورها عبر عقود طويلة، وما زالت في بعض المحافظات، بوصفها إرثاً اجتماعياً وثقافياً تتوارثه العائلات، بما يحمله من طقوس خاصة وأهازيج ذات دلالات دينية واجتماعية.
ويشير بلال غلام إلى أن المسحراتي كان جزءاً أصيلاً من النسيج الثقافي لمدينة عدن، حيث اعتاد التجول في الحواري القديمة حاملاً الطبل أو الدف، ويرافقه أحياناً منشد يردد الأدعية والموشحات الدينية، وينادي بأسماء بعض سكان الحي، ما يضفي طابعاً شخصياً وألفةً على هذا التقليد الرمضاني.
وهو ما كان يُشاهد أيضاً في محافظة لحج، وسمي «الشاحذ»في يافع ، وكان يظهر في مواسم توزيع زكاة الفطر حاملاً المرواس أو الطاسة، منشداً المواويل الشعبية طلباً لنصيبه من الزكاة.
وفي محافظة أبين، يستعيد الكاتب عمر الموقري من مدينة جعار ذاكرة المدينة بالحديث عن عدد من أقدم المسحراتية الذين عرفهم الأهالي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ومنهم نصر التريح وعلي جرباح رحمهما الله، وغيرهم الكثير.
كما يشير الصحفي محمد العولقي إلى أن جعار تميزت بوجود مسحراتية امرأة تُدعى نور بنت محسن، في ظاهرة لافتة ضمن هذا التقليد الشعبي، وفي الوقت الحاضر يواصل صالح حسين، المعروف بـ"صالح خولة"، ونايف صالح سيف إحياء هذه العادة خلال ليالي رمضان.
ورغم حضور هذا التقليد في الذاكرة الشعبية، يشكو بعض المسحراتية من غياب الاهتمام الرسمي بأوضاعهم وبالحفاظ على هذا التراث وقد عبّر الراحل نصر التريح عن ذلك في أحد المقاطع المصورة التي تحدث فيها عن معاناة المسحراتية وقلة الدعم المقدم لهم.
وفي محافظة الضالع، يقول مدير مكتب الثقافة علي سنان إن تقليد المسحراتي اندثر بعد وفاة الحاج العذراني، غير أن بعض الشباب حاولوا إحياءه قبل ثلاث سنوات، في مسعى لاستعادة أجواء هذا الإرث الرمضاني.
أما في مدينة شبام بحضرموت، فيوضح علوي بن سميط أن المسحراتي، المعروف هناك باسم "المفلّح"، يمارس هذا التقليد منذ مئات السنين، وقد توارثته العائلات جيلاً بعد جيل، ويحمل المسحراتي آلة إيقاعية تُعرف باسم "الهاجر"، ويردد أبياتاً شعرية تتغير كل عشرة أيام من رمضان.
وتمتد إلى مناطق أخرى مثل المهرة وسقطرى، حيث كان المسحراتي ينادي للسحور بعبارات مثل "فولح" أو "فلاح" بحسب اللهجة المحلية.
وفي محافظة شبوة، يذكر الباحث عيظة عبدالعزيز أن المسحراتي يُعرف هناك باسم "با شعفل"، ويقوم بقرع الطبول طوال ليالي الشهر لإيقاظ الناس للسحور.
وفي نهار السابع والعشرين من رمضان، يجوب القرى برفقة مجموعة من الأطفال مرددين:
"با شعفل عيّد عيدهم، با شعفل من السالمين،
يا الله بعيدك سالمين، بجاه رب العالمين"،
في وداع رمزي لشهر رمضان، حيث يقدم الأهالي الهدايا من الحبوب أو النقود، ويكون للمسحراتي النصيب الأكبر منها، إلا أن هذه العادة اختفت.
وقد ورد في كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم لمحمد المقدسي البشاري، وصف الطقوس بعدن في سنة 970هـ، مشيراً إلى أن الأهالي كانوا قبل حلول رمضان بيومين يزينون السطوح ويضربون عليها الدبادب، وفي أول أيام الشهر يجتمع الناس عند السحر لقراءة القصائد حتى ساعات متأخرة من الليل، ومع اقتراب عيد الفطر كانوا يقيمون احتفالات يجوبون فيها الأزقة مصحوبة بالطبول، ويجمعون التبرعات في أجواء احتفالية تعكس روح المشاركة الاجتماعية في تلك الفترة".
أثير المذياع وشاشة السينما..
امتد بث إذاعة عدن إلى المناطق الريفية في جنوب اليمن، مثل لحج وشبوة وأبين، حيث شكلت مصدراً أساسياً يعتمد عليه الأهالي لمعرفة موعد أذان المغرب، إلى جانب متابعة برامجها ومسلسلاتها التي نقلت أجواء رمضان إلى البيوت، في ظل محدودية عدد المساجد آنذاك وغياب مكبرات الصوت.
يقول الإعلامي عامر علي سلام، نائب مدير عام البرامج لشؤون الإعداد البرامجي في تلفزيون عدن، إن أهالي عدن ولحج وأبين اعتادوا خلال رمضان على فتح المذياع "إذاعة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" قبيل أذان المغرب، حيث تُبث تلاوة قرآنية قصيرة تسبق لحظة الإفطار، قبل أن يعلن المذيع: "حان الآن رفع أذان المغرب من مسجد آبان في عدن"، لتتجه الأسماع إلى أصوات مؤذنين مميزين، من بينهم الشيخ الأميني وباحميش والنانو، الذين ارتبطت أصواتهم بذاكرة المدينة.
ويضيف أن الإذاعة كانت تعود بعد الأذان إلى برامجها الرمضانية، مرفقة بالدعاء "صوماً مقبولاً وإفطاراً هنيئاً"، وتبث الترحاب بشهر رمضان من مسجد العسقلاني في كريتر، والمسلسلات الكوميدية ذات الطابع النقدي مثل "شروه" و"عجيب ومدهش"، والتي عكست بلهجاتها المحلية العدنية واللحجية والأبينية تفاصيل الحياة الاجتماعية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
بالإضافة إلى مسلسل الأطفال الرمضاني الشهير "بشبوش وأبو الريش"، الذي عُرض في تلفزيون عدن بين عامي 1986 و1990، من بطولة أبوبكر القيسي وعبدالله شرف الخامري، ويُعد من أبرز الأعمال التي ارتبطت بذاكرة رمضان لدى جيل تلك المرحلة.
وفي حضرموت، يوضح الباحث خالد مدرك أن الإذاعة لعبت دوراً مهماً في نقل أجواء رمضان، حيث كانت إذاعة المكلا تبث موعد الإفطار عبر المذياع، وهي من أقدم الإذاعات المحلية، إذ تأسست في 28 سبتمبر 1967م، تلتها إذاعة سيئون عام 1973م.
وفي جانب آخر، يذكر الباحث بلال غلام أن دور السينما في عدن استمرت في نشاطها خلال رمضان، حيث عرضت سينما هريكن أفلاماً هندية إلى جانب أعمال كلاسيكية مثل "عنتر وعبلة" و"أمير الانتقام"، بينما قدمت سينما أروى أفلاماً متنوعة عربية وأجنبية وهندية، واشتهرت السينما الأهلية بعروض فريد الأطرش، في حين كانت سينما بلقيس تغلق أبوابها طوال الشهر.
ويستعيد الباحث محسن كرد، أحد أبناء الحوطة، ملامح تلك المرحلة حيث دور السينما "الأهلية" و"الجنوب" حاضرة في المشهد الرمضاني وتعرض أفلامها خلال الشهر الفضيل، لتشكل متنفساً ترفيهياً للأهالي.
بين الحكايات والألعاب
يستعيد الباحث بلال غلام ملامح الطفولة الرمضانية، حين كانت الحارات في المدن تتحول إلى مجالس مفتوحة؛ يجلس الكبار على "القعايد أبو حبال" محاطين بالأطفال، يستمعون لحكايات الأمهات والجدات، في مشهد يعزز الروابط العائلية ويضفي على الشهر روحانيته.
وفي السياق ذاته، يوضح الباحث العولقي أن الأهازيج والحكايات الشعبية شكّلت جزءًا أصيلاً من ليالي رمضان في محافظة أبين، حيث كانت القصص تُروى للأطفال على شكل حلقات متسلسلة كل ليلة أو ليلتين، ما يخلق حالة من الترقب والتشويق.
ورغم استمرار هذه العادة في بعض القرى، إلا أنها تراجعت في المدن بفعل تغير أنماط الترفيه وظهور وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي حضرموت، برزت شخصية "الحكواتي" كجزء من هذه الأجواء، حيث كان الراوي الشعبي يجوب المقاهي والطرقات، يروي قصصاً تراثية مثل عنتر بن شداد والزير سالم وأبو زيد الهلالي وألف ليلة وليلة، بأسلوب تمثيلي مشوّق، ومن أبرز من عُرفوا بهذا الفن: ربيع بن عقيل، ومنصور حاج ياقوت، وعوض بحول، وأحمد باطحان، الذين أضفوا على المجالس سحراً خاصاً.
لا تزال "الختايم" تُقام منذ مئات السنين، كتقليد يجمع بين القيم الدينية وصلة الأرحام، ومع اقتراب نهاية الشهر، تنبض مدينة الشحر في ليلة السابع والعشرين بفرق "باع التيس" التي تجوب الأزقة مرددة أهازيجها الشعبية، فيما تشهد شبام حضرموت في ليلة الخامس والعشرين طقس "العِيطولي"، حيث يحمل الشبان برجاً خشبياً ثلاثي الأضلاع، ويطوفون به في الأسواق وسط الأناشيد، متلقين من الأهالي النقود والمأكولات، وتُختتم الليلة بجمع ما حصدوه في أجواء مفعمة بالفرح، قبل أن تتوقف هذه العادة منذ عام 1990م.
في مدينة شبام، يحيي "المفلح" (المسحراتي) طقوساً خاصة في منتصف رمضان تُعرف بـ"الوريقة" أو "الشامية"، فيما تستمر في بقية مناطق حضرموت وشبوة عادة "توزيع الطعيمة" حتى اليوم، وكانت "الطعيمة" – أو "الدجر المحمّس" – تُوزع غالباً في السادس والعشرين من الشهر، في تقليدٍ تعود جذوره إلى اعتماد الأهالي على محاصيل الأرض، ورغم استبدالها لاحقاً بالنقود والحلويات، ظل اسمها حاضرًا بدلالته الرمزية في الذاكرة الاجتماعية.
وتحمل هذه العادة مسميات مختلفة؛ ففي شبوة تُعرف بـ"حبة الدجدج"، وفي لحج بـ"حبة الكشري"، في دلالة على تنوع الموروث ووحدته في آنٍ واحد.
وفي مشهد رمضاني آخر، يروي الرحالة ابن بطوطة: "فشددت الرحال في رمضان إلى يافع، إلى بلد يحيى عمر"، حيث شاهد الأطفال يصنعون "الكورس"، وهو بناء صغير من حجارة وعيدان حطب، يجلسون عليه قبيل الإفطار وقد أعدّت لهم أمهاتهم أقراص الخبز، فلا يلمسونها حتى يصدح الأذان، وكأنهم يصومون.
وبعد المغرب، يخرجون في حلقاتٍ صغيرة يطوفون بين البيوت، مرددين "تماسي رمضان"، وهي أناشيد طفولية تعبّر عن فرحهم بالشهر الفضيل.
ورغم تغير الزمان ووسائل الاحتفال، تظل هذه الصور حية في الذاكرة، شاهدةً على شهر جمع الناس حول طقوس بسيطة صنعت حياة كاملة.