تقارير

السودان تعرّض للخذلان والضغط على أطراف النزاع ضرورة..

بين تعهدات برلين وواقع الميدان.. هل تنهي أموال المساعدات حرب الثلاث سنوات؟

مؤتمر برلين

الخرطوم

تجاوز مؤتمر برلين للسودان الهدف الذي انعقد من أجله، بعدما نجح في حشد تعهدات مالية تجاوزت 1.4 مليار دولار، في خطوة تعكس إدراكاً دولياً متزايداً لحجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن معضلة أعمق: وفرة التمويل مقابل غياب الحل السياسي.

المؤتمر، الذي استضافته العاصمة الألمانية، جاء في ظل حرب مستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، خلّفت واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في القارة الأفريقية. ورغم أن الهدف المعلن كان جمع مليار دولار لدعم العمليات الإنسانية، فإن التعهدات تجاوزت هذا الرقم، حيث أعلن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول أن إجمالي الالتزامات بلغ أكثر من 1.3 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 1.5 مليار دولار.

هذا التجاوب المالي يعكس، من جهة، حجم القلق الدولي من تفاقم الأزمة، لكنه من جهة أخرى يطرح تساؤلاً أساسياً: هل يمكن للمساعدات الإنسانية أن تعوض غياب المسار السياسي؟

الواقع أن المؤتمر لم يكن مجرد منصة لجمع الأموال، بل محاولة لإعادة وضع السودان على جدول أولويات المجتمع الدولي، في وقت تهيمن فيه أزمات أخرى مثل أوكرانيا وإيران على المشهد العالمي. فاديفول نفسه أقر بهذه الإشكالية، مشدداً على أن الكارثة الإنسانية في السودان لا ينبغي أن تُنسى.

لكن هذا الاعتراف، رغم أهميته، لا يغير من حقيقة أن الاهتمام الدولي لا يزال متذبذباً، وأن الزخم السياسي اللازم لإنهاء الحرب لم يتبلور بعد.

في هذا السياق، جاءت الدعوات من مسؤولين دوليين لتعزيز الضغط على أطراف النزاع. وزيرة الداخلية البريطانية إيفيت كوبر تحدثت بوضوح عن "خذلان" المجتمع الدولي للسودان، مطالبة بممارسة ضغوط حقيقية لفرض وقف إطلاق نار عاجل، في إشارة إلى فجوة واضحة بين الإدانات السياسية والإجراءات الفعلية.

وشدد محمد علي يوسف على ضرورة تسليط الضوء إعلامياً على الأزمة، في محاولة لمعالجة جانب آخر من المشكلة، وهو تراجع حضور الملف السوداني في النقاش العالمي.

وركزت الولايات المتحدة على البعد الإنساني والدبلوماسي، حيث أعلن مسعد بولس أن واشنطن قدمت مئات الملايين من الدولارات كمساعدات، مع العمل على آلية أممية لإنهاء الصراع. لكن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا تزال في إطار المساعي غير الحاسمة.

أما الأمم المتحدة، فحاولت الدفع باتجاه هدنة إنسانية، حيث اعتبر المبعوث الأممي بيكا هافيستو أن المؤتمر يمثل فرصة لإيصال المساعدات ووقف استخدام أسلحة متطورة مثل الطائرات المسيّرة، وهو ما يعكس تصاعد مستوى العنف في النزاع.

غير أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب المبادرات، بل في غياب الإرادة السياسية لدى الأطراف المتحاربة. فكل الدعوات الدولية، من الهدنة إلى التفاوض، تصطدم بواقع ميداني لا يزال بعيداً عن أي تسوية.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح: كلما زادت الأموال… بقي الحل بعيداً.

فالمساعدات، رغم أهميتها، تعمل على تخفيف آثار الأزمة، لا إنهائها. وهي، في كثير من الأحيان، تتحول إلى إدارة للأزمة بدلاً من حلها، ما يطيل أمد المعاناة دون معالجة جذورها.

كما أن الاعتماد المتزايد على التمويل الدولي يطرح إشكالية أخرى تتعلق بالاستدامة. فالأزمات الممتدة، مثل الحالة السودانية، تتطلب حلولاً سياسية واقتصادية طويلة الأمد، وليس فقط استجابات إنسانية طارئة.

في المحصلة، يمكن القول إن مؤتمر برلين نجح في تحقيق هدفه المالي، وربما تجاوزه، لكنه لم ينجح في تغيير معادلة الصراع. فبينما تتدفق الأموال، تظل الحرب مستمرة، ويظل المدنيون يدفعون الثمن.

من القراءة إلى الأداء.. "مشاتل الأبجدية" ترسم ملامح القصيدة المغربية القادمة


محمد محدثين: سقوط النظام الإيراني يبدأ من الداخل والتدخل العسكري "سيناريو نظري"


قوات باكستانية في السعودية… تحالف دفاعي أم رسالة سياسية إلى الجيران؟


تقرير: الرئيس الأميركي يعلن اقتراب نهاية حرب إيران ويصعّد اقتصادياً