تقارير

رهان الداخل لا الخارج..

محمد محدثين: سقوط النظام الإيراني يبدأ من الداخل والتدخل العسكري سيناريو نظري

محمد محدثين مسؤول لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

طهران

في مقابلة حملت مزيجاً من التحليل السياسي والخبرة الشخصية، قدّم محمد محدثين رؤية متكاملة لمستقبل الصراع في إيران، مؤكداً أن الرهانات الدولية على الحسم العسكري الخارجي تفتقر إلى الواقعية، وأن التحولات الحقيقية في بنية النظام لا يمكن أن تأتي إلا من الداخل.

الطرح الذي يقدمه محدثين لا ينفصل عن سياق إقليمي متوتر، حيث تتداخل الحرب مع الضغوط الاقتصادية والعقوبات، في محاولة لإجبار طهران على تغيير سلوكها. غير أن هذه الأدوات، بحسب قراءته، تظل محدودة التأثير عندما يتعلق الأمر بإسقاط النظام نفسه، إذ يمكنها إضعافه، لكنها لا تمتلك القدرة على تفكيكه.

هذا التمييز بين "الإضعاف" و"الإسقاط" يشكل جوهر الخطاب الذي يقدمه. فالتجارب السابقة في المنطقة، خصوصاً في العراق عام 2003، تُستخدم هنا كمرجع مضاد، ليس فقط بسبب كلفتها العالية، بل أيضاً بسبب نتائجها التي لا تزال محل جدل حتى اليوم. ومن هذا المنطلق، يرى أن تكرار هذا النموذج في إيران ليس فقط غير ممكن عملياً، بل مرفوض شعبياً.

ويستند هذا التقدير إلى معطيات جغرافية وديموغرافية واضحة. فإيران، بحجمها الكبير وعدد سكانها المرتفع، تمثل بيئة معقدة لأي تدخل عسكري بري، ما يجعل فكرة "الاحتلال" أقرب إلى السيناريو النظري منها إلى الخيار القابل للتنفيذ. يضاف إلى ذلك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو الحساسية الوطنية لدى الإيرانيين، التي تجعل أي وجود عسكري أجنبي موضع رفض واسع، حتى من قبل معارضي النظام.

في مقابل هذا الرفض، يطرح محدثين ما يصفه بالبديل الواقعي، والمتمثل في الانتفاضة الشعبية المدعومة بتنظيم داخلي. هنا ينتقل الخطاب من نقد الخيارات الخارجية إلى تقديم تصور بديل يقوم على الداخل، حيث يشير إلى وجود "وحدات مقاومة" تعمل داخل البلاد، تسعى إلى تحويل حالة الغضب الشعبي إلى فعل سياسي منظم.

هذا الطرح يستند إلى قراءة للوضع الاجتماعي والاقتصادي داخل إيران، حيث تتزايد الضغوط على المجتمع نتيجة التضخم المرتفع والبطالة، ما يخلق بيئة قابلة للانفجار. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تكفي هذه العوامل لإنتاج تغيير سياسي حاسم؟

التجربة الإيرانية خلال السنوات الماضية تشير إلى أن الاحتجاجات، رغم تكرارها واتساعها أحياناً، لم تصل إلى مرحلة تهديد وجودي للنظام. ومع ذلك، يرى محدثين أن ما يميز المرحلة الحالية هو تراكم الأزمات وتآكل قدرة النظام على احتوائها، وهو ما قد يفتح الباب أمام تحولات أعمق.

في تحليله لموقف النظام، يقدم قراءة لافتة تقوم على فكرة أن طهران تخشى السلام أكثر من الحرب. هذه المفارقة، في ظاهرها، تبدو غير منطقية، لكنها تعكس منطق الأنظمة التي تبني جزءاً من شرعيتها على حالة الصراع. فقبول شروط دولية، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي، قد يفتح باب التساؤلات الداخلية حول كلفة هذه السياسات على مدى عقود.

بعبارة أخرى، الحرب تمنح النظام مبرراً للاستمرار، بينما السلام قد يجرّده من هذا الغطاء.

هذا التحليل يضع الصراع في إطار يتجاوز المواجهة العسكرية، ليصل إلى بنية النظام نفسه، حيث تصبح القرارات الخارجية مرتبطة مباشرة بتوازناته الداخلية. ومن هنا، يمكن فهم التردد في الذهاب إلى تسويات نهائية، حتى عندما تبدو كلفتها أقل من استمرار المواجهة.

في هذا السياق، يوجّه محدثين رسالة واضحة إلى أوروبا، داعياً إلى تبني موقف مزدوج يجمع بين الدفع نحو السلام ودعم حق الشعب الإيراني في تغيير نظامه. هذا الطرح يعكس محاولة لإعادة تعريف دور المجتمع الدولي، ليس كطرف يفرض حلولاً، بل كجهة تدعم مساراً داخلياً.

لكن هذه الدعوة تظل محكومة بتعقيدات السياسة الدولية، حيث تتداخل المصالح مع القيم، وتبقى الأولويات متغيرة وفقاً للسياق.

وفي ختام حديثه، يستحضر محدثين تجربته الشخصية كسجين سياسي في عهد الشاه، في محاولة لربط الماضي بالحاضر، والتأكيد على أن طبيعة القمع لم تتغير رغم تغير الأنظمة. هذه المقارنة تحمل بعداً رمزياً، لكنها أيضاً تعكس رؤية أوسع ترى أن المشكلة ليست في شكل النظام، بل في بنيته.

من ناحية أخرى، اعتبر مهدي عقبائي، عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، أن تصعيد الإعدامات في إيران يأتي في لحظة يحاول فيها نظام ولاية الفقيه تثبيت بقائه عبر القمع، مشدداً على أن 47 عاماً من التجربة، إلى جانب حربين خارجيتين، أسقطت عملياً أوهام "الإصلاح" و"التغيير من داخل النظام" و"الرهان على الحرب الخارجية". وأضاف أن البديل الحقيقي الذي تتجه الأنظار إليه اليوم هو "المقاومة المنظمة" للشعب الإيراني، القادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى مسار منظم يفتح الطريق أمام "إيران حرة" و"جمهورية ديمقراطية" تفصل الدين عن الدولة وتحترم حقوق الإنسان.

وقال إن نظام ولاية الفقيه أعدم فجر 30 مارس/آذار 2026 سجينين سياسيين من مجاهدي خلق هما "محمد تقوي" و"أكبر دانشوركار"، ثم واصل جريمة الإعدام فجر 31 مارس/آذار 2026 بإعدام سجينين سياسيين آخرين هما "بابك علي بور" و"بويا قبادي"، في تصعيد دموي يستهدف بثّ الرعب في المجتمع الإيراني وإسكات أي صوت معارض.

وأضاف عقبائي أن هؤلاء المجاهدين، كما كتبوا هم أنفسهم، وفّوا بعهدهم مع الله ومع الشعب الإيراني، مؤكداً أن ذكراهم ستبقى حية وأن طريقهم سيظل رمزاً لكل من يطلب الحرية والكرامة في إيران.

وأوضح أن البيانات القضائية الصادرة عن سلطة النظام تكشف جوهر القضية، إذ إن "التهمة" الأساسية لم تكن سوى الانتماء إلى "مجاهد خلق". وتابع أن النظام لم يُقدم على الإعدام بسبب "جريمة" حقيقية، بل لأنه واجه ثباتاً على الموقف ورفضاً للانكسار، ولأن المحكومين أصرّوا على التمسك بخيارهم حتى النهاية.

وأكد أن رسالة هذه الإعدامات الأربع لا تُفهم إلا في سياق المرحلة الراهنة، حيث يخوض النظام معركة "البقاء" مع شعبه، ويتمسك بحبلٍ بالٍ من القمع الداخلي، ويحاول توظيف أجواء التوتر والحروب الخارجية كغطاء لتأجيل ساعة الانتفاضة والسقوط، ولإرجاء استحقاق التغيير الذي يفرضه الشارع الإيراني.

وشدد على أن تهديد السقوط لا يتجسد في "السماء" ولا في ضربات عابرة، بل في الداخل، حيث يتصاعد رفض الشعب ويتزايد حضور وحدات المقاومة. واعتبر أن دلالة تصريحات رموز النظام—ومنهم محمد باقر قاليباف حين خاطب قواته قائلاً "لا تتركوا الشارع"—تعكس خوفاً عميقاً من الشارع الذي يشكل ساحة الحسم.

واختتم عقبائي بدعوة الأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان والاتحاد الأوروبي وكل الحكومات المعنية إلى إدانة هذه الجرائم فوراً، والتحرك العاجل لوقف آلة الإعدام، ومحاسبة المسؤولين عنها، مطالباً وسائل الإعلام بكسر جدار الصمت، لأن إنقاذ الأرواح يبدأ بإيصال الحقيقة.

من القراءة إلى الأداء.. "مشاتل الأبجدية" ترسم ملامح القصيدة المغربية القادمة


بين تعهدات برلين وواقع الميدان.. هل تنهي "أموال المساعدات" حرب الثلاث سنوات؟


قوات باكستانية في السعودية… تحالف دفاعي أم رسالة سياسية إلى الجيران؟


تقرير: الرئيس الأميركي يعلن اقتراب نهاية حرب إيران ويصعّد اقتصادياً