تقارير

صراع الأجنحة يتصاعد داخلياً..

تقرير: إيران توازن بين التفاوض والتهديد وسط انقسامات داخلية متفاقمة ومتسارعة

تعكس النقاشات المتصاعدة داخل الصحافة الإيرانية تحولات لافتة في طبيعة الخطاب السياسي والأمني داخل النظام، حيث لم تعد العلاقة مع الولايات المتحدة محصورة في الملف النووي أو العقوبات الاقتصادية، بل باتت مرتبطة بصورة مباشرة بمعادلات الردع الإقليمي وأمن الممرات البحرية والصراع على النفوذ داخل بنية السلطة نفسها.

فالحديث المتكرر عن مضيق هرمز، وباب المندب، والكابلات البحرية، يكشف أن طهران تحاول إعادة تعريف أدوات الضغط التي تمتلكها في مواجهة واشنطن وحلفائها، عبر توسيع مفهوم “الردع” ليشمل البنية التحتية الإقليمية ومسارات الطاقة والاتصالات الدولية، في وقت تواجه فيه البلاد أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة.

وفي هذا السياق، تناولت صحيفة “إيران” الرسمية ما وصفته بـ”الترتيبات الجديدة لمضيق هرمز” بعد الحرب الأخيرة، في خطاب يعكس محاولة إيرانية لترسيخ معادلة مفادها أن أمن الملاحة في الخليج لم يعد قابلاً للفصل عن المصالح الأمنية الإيرانية. وتقوم هذه الرؤية على فكرة أن أي ترتيبات مستقبلية تخص الخليج والممرات البحرية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الدور الإيراني وموقعه الجيوسياسي، وإلا فإن المنطقة ستظل عرضة للاهتزازات الأمنية والتوترات المتكررة.

لكن هذا الطرح لا ينفصل عن إدراك إيراني متزايد بأن أوراق الضغط التقليدية لم تعد كافية وحدها لفرض توازن جديد، خصوصاً مع تصاعد الحضور العسكري الأميركي في المنطقة وتطور قدرات الردع لدى دول الخليج. لذلك، تبدو طهران وكأنها تحاول توسيع مفهوم التهديد ليشمل مجالات غير تقليدية، مثل الكابلات البحرية وشبكات الاتصالات والبنية التحتية للطاقة، باعتبارها نقاط ضغط حساسة في أي مواجهة مستقبلية.

هذا التوجه ظهر بصورة أكثر وضوحاً في الخطاب الذي تبنته صحيفة “جوان” المقربة من التيار الأمني والحرس الثوري، حيث لم يقتصر الحديث على الرد العسكري التقليدي، بل امتد إلى التلميح بإمكانية استهداف البنية التحتية البحرية والإقليمية كجزء من “الرد على المعتدي”. واللافت هنا أن الحديث عن الكابلات البحرية للألياف الضوئية يعكس انتقال التفكير الأمني الإيراني نحو أدوات تعطيل ذات طابع اقتصادي وتقني عالمي، بما يعني أن أي تصعيد مستقبلي قد يتجاوز حدود الاشتباك العسكري المباشر.

ويشير هذا الخطاب إلى أن النظام الإيراني يسعى إلى “إقليمية الصراع”، أي جعل أي مواجهة مع إيران ذات كلفة جماعية على المنطقة والعالم، وليس على طهران وحدها. فالمعادلة التي تحاول إيران تثبيتها تقوم على ربط أمن الطاقة والملاحة الدولية واستقرار الممرات البحرية بمصالحها الاستراتيجية، بما يمنحها أوراق ضغط إضافية في مواجهة العقوبات أو التهديدات العسكرية.

في المقابل، تطرح بعض الصحف المقربة من التيار البراغماتي قراءة مختلفة وأكثر حذراً. فقد رأت صحيفة “آرمان ملي” أن التفاهم مع واشنطن لا يزال ممكناً، وأن استمرار الوساطات والرسائل المتبادلة يفتح الباب أمام اتفاق يخفف التوتر في الخليج ويحمي الممرات البحرية وأسواق الطاقة. غير أن الصحيفة أوضحت في الوقت نفسه أن النظام لا يريد اتفاقاً يمكن تفسيره داخلياً باعتباره تراجعاً أو خضوعاً للضغوط الأميركية، وهو ما يعكس حساسية التوازنات السياسية داخل السلطة الإيرانية.

هذه التناقضات الخارجية تتقاطع بصورة مباشرة مع صراع داخلي متزايد بين أجنحة النظام. فالحرب الأخيرة والهدنة الهشة التي أعقبتها لم تؤدِّ إلى توحيد المواقف داخل السلطة كما حاول الخطاب الرسمي إظهار ذلك، بل كشفت بصورة أعمق حجم الانقسام حول إدارة الأزمة مع الولايات المتحدة، وطبيعة العلاقة مع الغرب، ومستقبل السياسة الإقليمية الإيرانية.

وفي هذا الإطار، ركزت صحيفة “شرق” على مفهوم “العقلانية الثورية”، في دعوة ضمنية إلى تبني مقاربة أكثر واقعية وبراغماتية في إدارة الملفات الدولية، بعيداً عن الخطاب التصعيدي والشعاراتي. وبين سطور هذا الطرح، يظهر انتقاد واضح للتيارات المتشددة التي تنظر إلى أي تفاوض أو تهدئة باعتباره تنازلاً سياسياً أو تراجعاً استراتيجياً.

أما “آرمان ملي” فذهبت إلى أبعد من ذلك، عندما تحدثت بصورة مباشرة عن محاولات “تخريب المفاوضات” والهجوم على الشخصيات المرتبطة بالحلول السياسية. الصحيفة حذرت من أن بعض القوى السياسية داخل النظام تستخدم الإعلام ومنصات النفوذ لتشويه صورة الفريق التفاوضي وتحميله مسؤولية أي تنازلات محتملة، في معركة تبدو مرتبطة بإعادة توزيع النفوذ داخل السلطة أكثر من ارتباطها بجوهر الملف النووي نفسه.

وفي هذا السياق، برزت الانتقادات المتصاعدة الموجهة إلى محمد باقر قاليباف باعتبارها جزءاً من صراع أوسع داخل مراكز القوة الإيرانية. فبعض التيارات تحاول تحميل شخصيات بعينها مسؤولية الإخفاقات الاقتصادية والسياسية، بينما تسعى أطراف أخرى إلى تثبيت مواقعها استعداداً لأي مرحلة انتقالية أو تغير محتمل في موازين القوى الداخلية.

وتكشف هذه النقاشات أن السلطة الإيرانية تبدو موحدة في ظاهرها، لكنها تواجه انقسامات عميقة في الداخل، خصوصاً كلما اقتربت لحظة اتخاذ قرار مصيري يتعلق بالحرب أو التفاوض أو الاقتصاد. فالدعوات المتكررة إلى “الوحدة” و”منع الاستقطاب” تعكس في جوهرها مخاوف حقيقية من تعمق الانقسام وتحوله إلى عامل شلل سياسي داخل مؤسسات الدولة.

وتتزامن هذه الانقسامات مع وضع اقتصادي واجتماعي بالغ التعقيد، حيث يواجه الإيرانيون معدلات تضخم مرتفعة، وتراجعاً في القدرة الشرائية، وأزمات في الطاقة والخدمات، إلى جانب استمرار القيود السياسية والرقمية. وفي ظل هذا الواقع، تبدو أي مواجهة عسكرية جديدة أكثر كلفة على الداخل الإيراني، ما يدفع بعض دوائر القرار إلى محاولة إبقاء التصعيد ضمن حدود الردع دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

لكن المفارقة أن بعض التيارات المتشددة لا تزال ترى في التوتر الخارجي وسيلة لتعزيز نفوذها الأمني والسياسي وإعادة إنتاج خطاب “الحصار والتهديد”، بينما تخشى التيارات البراغماتية من أن يؤدي التصعيد المستمر إلى انفجار اقتصادي واجتماعي يصعب احتواؤه.

وتكشف هذه النقاشات عن نظام يحاول السير في مسارين متوازيين: التفاوض لتجنب حرب مكلفة، والتلويح بأوراق الضغط الإقليمية لتعزيز شروطه التفاوضية. غير أن السؤال الأبرز يبقى مرتبطاً بقدرة النظام نفسه على الاستمرار في سياسة “حافة الهاوية”، بينما تتراكم أزماته الداخلية وتتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي قد تتحول، في لحظة ما، إلى التحدي الأخطر لاستقراره السياسي.

الإمارات تؤكد خطورة الهجمات على الأنظمة الصحية وسلاسل الإمداد العالمية


بالصور.. مهرجان صُنّاع المستقبل يرسخ الإبداع الطفولي والانفتاح الثقافي بطنجة


أنور قرقاش يحذر من اتفاق مؤقت ويطالب بإعادة فتح مضيق هرمز


تقديرات إسرائيلية تحذر من هجوم إيراني مفاجئ بالصواريخ والمسيّرات الإقليمية