بحوث ودراسات
حرب طويلة ونساء بلا حماية..
دراسة: الحرب والانهيار المؤسسي عمّقا هشاشة المرأة اليمنية وأضعفا الرعاية الصحية
شاركة النساء في سوق العمل ظلت محدودة حتى قبل اندلاع الحرب - اليوم الثامن
قالت مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات إن الحرب المستمرة في اليمن لم تُنتج فقط أزمة سياسية وأمنية ممتدة، بل أعادت تشكيل الواقع الاجتماعي والاقتصادي للبلاد بصورة جعلت النساء من أكثر الفئات تعرضًا لتداعيات الانهيار المؤسسي وتراجع الخدمات العامة.
وأوضحت المؤسسة في ورقة بحثية نشرتها مجلة "بريم" الصادرة عنها، أعدتها الباحثة البارزة الأستاذة الدكتورة سهير علي أحمد، أن سنوات الصراع أدت إلى إضعاف منظومات الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية، ووسعت الفجوة بين الحقوق التي تكفلها القوانين والتشريعات اليمنية وبين الواقع الذي تعيشه النساء في مختلف المحافظات.
وترى الدراسة أن المرأة اليمنية وجدت نفسها خلال سنوات الحرب في مواجهة أعباء مضاعفة. فإلى جانب التداعيات المباشرة للصراع وما رافقه من نزوح وفقدان مصادر الدخل وانهيار الخدمات الأساسية، تحملت النساء مسؤوليات اقتصادية واجتماعية متزايدة داخل الأسر والمجتمعات المحلية، في وقت تراجعت فيه قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من الحماية والرعاية.
وتشير الورقة إلى أن التشريعات اليمنية تتضمن نصوصًا تكفل للمرأة حقوقًا اقتصادية واجتماعية وصحية، كما تنص على مبدأ المساواة في فرص العمل والحصول على الخدمات الأساسية. غير أن هذه الضمانات القانونية واجهت اختبارات صعبة مع تفكك مؤسسات الدولة وتراجع فاعلية الأجهزة الحكومية، الأمر الذي جعل الكثير من تلك الحقوق حبيسة النصوص القانونية دون انعكاس حقيقي على الواقع.
وفي الجانب الاقتصادي، تلفت الدراسة إلى أن مشاركة النساء في سوق العمل ظلت محدودة حتى قبل اندلاع الحرب، إلا أن الصراع وما رافقه من تدهور اقتصادي عمّق الاختلالات القائمة. فالنساء يشكلن نسبة متدنية من إجمالي القوى العاملة مقارنة بالرجال، بينما تتركز نسبة كبيرة من العاملات في أنشطة غير منظمة تفتقر إلى الضمانات القانونية والاجتماعية والتأمينية.
وتوضح الدراسة أن غالبية النساء العاملات يتركزن في القطاع غير الرسمي، وهو القطاع الذي لا يوفر حماية اجتماعية أو تأمينًا صحيًا أو إجازات مدفوعة الأجر، الأمر الذي يجعل المرأة أكثر عرضة للفقر والصدمات الاقتصادية. كما أن نسبة كبيرة من النساء العاملات يشاركن في أنشطة زراعية أو أعمال أسرية غير مدفوعة الأجر، وهو ما يعكس حجم الفجوة القائمة بين مساهمة المرأة الفعلية في الاقتصاد وبين الاعتراف المؤسسي بهذه المساهمة.
وترى الباحثة أن الحرب لم تخلق هذه الاختلالات من الصفر، لكنها سرعت من تفاقمها. فالاقتصاد اليمني دخل سنوات الصراع وهو يعاني أصلًا من معدلات مرتفعة للفقر وضعف فرص العمل وتراجع الإنفاق الحكومي على القطاعات الاجتماعية، لتأتي الحرب وتدفع هذه الأوضاع نحو مستويات أكثر تعقيدًا.
وفي ما يتعلق بالفقر، تشير الدراسة إلى أن النساء والأطفال يمثلون الفئات الأكثر تأثرًا بالأزمة الاقتصادية المتفاقمة. وتبرز المشكلة بصورة أوضح داخل الأسر التي تعيلها النساء، حيث ترتفع معدلات الفقر مقارنة بالأسر التي يعيلها الرجال، خصوصًا في المناطق الريفية التي تعاني أصلًا من ضعف الخدمات الأساسية وفرص العمل.
وتذهب الورقة إلى أن العلاقة بين الفقر والهشاشة الاجتماعية أصبحت أكثر وضوحًا خلال سنوات الحرب. فكلما تراجعت فرص التعليم والعمل والرعاية الصحية، ازدادت قدرة الأزمات الاقتصادية على إنتاج دوائر جديدة من التهميش، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على أوضاع النساء وقدرتهن على الوصول إلى الخدمات والموارد.
وفي القطاع الصحي، ترصد الدراسة حجم التراجع الذي أصاب منظومة الرعاية الصحية خلال السنوات الماضية. فقبل اندلاع الحرب كان النظام الصحي اليمني يواجه تحديات مرتبطة بضعف التمويل وقلة الكوادر والتفاوت الجغرافي في توزيع الخدمات، إلا أن الصراع المسلح أدى إلى تعميق هذه المشكلات بصورة غير مسبوقة.
وأشارت الدراسة إلى أن تراجع الإنفاق العام على الصحة وإغلاق أو تعثر عدد كبير من المنشآت الصحية أسهما في تقليص فرص الحصول على الرعاية الطبية، خاصة بالنسبة للنساء والأطفال. كما أن ارتفاع تكاليف العلاج والنقل وضعف القدرة الشرائية للأسر جعل الحصول على الخدمات الصحية عبئًا إضافيًا على ملايين اليمنيين.
وتحذر الورقة من أن تدهور النظام الصحي لا ينعكس فقط على المؤشرات الطبية المباشرة، بل يمتد إلى مجمل منظومة الحماية الاجتماعية. فضعف خدمات الصحة الإنجابية ورعاية الأمومة والطفولة والرعاية الوقائية يزيد من المخاطر التي تواجهها النساء في مختلف مراحل حياتهن، ويؤثر على الاستقرار الاجتماعي والصحي للأسر بأكملها.
كما تشير الدراسة إلى أن غياب الدولة عن كثير من أدوارها الخدمية دفع المنظمات الدولية والجهات المانحة إلى لعب دور متزايد في تمويل وتنفيذ البرامج الصحية والإغاثية. ورغم أهمية هذا الدور في الحد من آثار الأزمة الإنسانية، إلا أنه لا يمكن أن يشكل بديلًا دائمًا عن المؤسسات الوطنية القادرة على توفير خدمات مستقرة ومستدامة.
وترى الباحثة أن استمرار الحرب يهدد بإنتاج أجيال جديدة من النساء اللواتي يواجهن مستويات أعلى من الفقر والأمية والحرمان من الخدمات الأساسية، وهو ما يجعل قضية تمكين المرأة مرتبطة بصورة مباشرة بملف استعادة مؤسسات الدولة وإعادة بناء القطاعات الاجتماعية والخدمية.
وتخلص الدراسة إلى أن تحسين أوضاع المرأة اليمنية يتطلب معالجة جذور الأزمة وليس نتائجها فقط. فالحماية الاجتماعية والرعاية الصحية وفرص العمل والتعليم ترتبط جميعها بوجود مؤسسات قادرة على أداء وظائفها، وبوجود بيئة مستقرة تسمح بإعادة توجيه الموارد نحو التنمية بدلًا من استنزافها في الصراعات.
وأكدت الورقة أن إنهاء الحرب يمثل الخطوة الأكثر إلحاحًا لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، مشددة على ضرورة إعادة تأهيل القطاع الصحي، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وتحديث قوائم المستفيدين من شبكات الرعاية، وتطوير السياسات التي تضمن وصول النساء إلى الخدمات الأساسية وفرص المشاركة الاقتصادية بصورة أكثر عدالة واستدامة.
وبحسب الدراسة، فإن مستقبل المرأة اليمنية سيظل مرتبطًا بمستقبل الدولة نفسها، إذ يصعب الحديث عن حماية اجتماعية فعالة أو نظام صحي قادر على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في ظل استمرار الصراع وتآكل المؤسسات. ولذلك فإن إعادة بناء الدولة والخدمات العامة لا تمثل قضية إدارية فحسب، بل شرطًا أساسيًا لاستعادة الحقوق الأساسية لملايين النساء اليمنيات اللواتي تحملن النصيب الأكبر من كلفة الحرب خلال السنوات الماضية.
الدراسة من هنا