أنشطة وقضايا
الإعدامات سلاح النظام الأخير..
تصاعد المشانق في إيران يعمّق عزلة النظام ويعزز حضور المعارضة
3000 شخصية من خمس قارات تدعم الحكومة المؤقتة للجمهورية الديمقراطية في إيران
يكشف التصعيد المتسارع في وتيرة الإعدامات داخل إيران عن حجم القلق الذي يسيطر على مؤسسات النظام الحاكم في طهران، في مرحلة تبدو فيها السلطة أكثر حساسية تجاه أي مؤشرات على عودة الاحتجاجات أو اتساع النشاط المعارض. فخلال أربعة أيام فقط، نُفذت عشرات أحكام الإعدام في سجون متفرقة، في مشهد أعاد إلى الواجهة الانتقادات الحقوقية الدولية الموجهة إلى الجمهورية الإسلامية، وأثار تساؤلات واسعة حول الأسباب السياسية الكامنة خلف هذا التصعيد.
لا تنظر المعارضة الإيرانية إلى هذه الإعدامات باعتبارها مجرد إجراءات قضائية مرتبطة بملفات جنائية، بل ترى فيها جزءاً من سياسة أمنية تهدف إلى ترهيب المجتمع وإرسال رسائل ردع إلى مختلف شرائح الشعب الإيراني، خصوصاً بعد سنوات من الاحتجاجات المتكررة التي هزت أركان النظام وأظهرت حجم السخط الشعبي تجاه الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وتأتي هذه التطورات في لحظة دقيقة يعيشها النظام الإيراني. فبعد الحرب الأخيرة وما رافقها من ضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية، باتت القيادة الإيرانية تواجه تحديات متراكمة في الداخل والخارج. وعلى الرغم من محاولات السلطة إظهار التماسك والسيطرة، فإن مؤشرات عديدة توحي بأن المخاوف من انفجار داخلي جديد ما تزال حاضرة بقوة داخل دوائر الحكم.
ويعتقد كثير من المراقبين أن الإعدامات المكثفة تعكس خشية النظام من تكرار سيناريو الانتفاضات السابقة التي شهدتها مدن إيرانية عديدة خلال السنوات الماضية. فقد أثبتت تلك الاحتجاجات أن الأزمة داخل إيران لم تعد مرتبطة بملف اقتصادي أو سياسي محدد، بل أصبحت تعبيراً عن حالة رفض أوسع لبنية الحكم القائمة وآليات إدارتها للدولة.
في المقابل، تحاول المعارضة الإيرانية استثمار هذه التطورات لتوسيع حضورها السياسي والإعلامي على المستوى الدولي. وتبرز في هذا السياق مواقف المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بقيادة مريم رجوي، الذي كثف خلال الفترة الأخيرة حملاته الدبلوماسية والحقوقية لتسليط الضوء على ملف الإعدامات والانتهاكات داخل إيران.
وتكتسب هذه الجهود زخماً إضافياً مع إعلان آلاف الشخصيات الدولية دعمها للمبادرة السياسية التي تطرحها المعارضة الإيرانية بشأن مرحلة ما بعد النظام الحالي. ويعد هذا الحشد الدولي من أكبر مظاهر الدعم السياسي الذي تحصل عليه المعارضة الإيرانية منذ سنوات، خصوصاً أنه يضم رؤساء دول وحكومات سابقين وبرلمانيين وشخصيات أكاديمية وحقوقية من عشرات الدول.
وترى المعارضة أن هذا الدعم لا يعكس فقط رفضاً للممارسات القمعية داخل إيران، بل يمثل أيضاً اعترافاً متزايداً بوجود بديل سياسي قادر على إدارة مرحلة انتقالية في حال حدوث تغيير في بنية السلطة. ولهذا السبب تركز مريم رجوي وأنصارها على إبراز مشروعهم السياسي بوصفه رؤية متكاملة لدولة ديمقراطية تقوم على التعددية السياسية، والفصل بين الدين والدولة، وإلغاء عقوبة الإعدام، وضمان حقوق المرأة والأقليات.
وفي الوقت الذي تسعى فيه طهران إلى تصوير المعارضة باعتبارها قوة محدودة التأثير، تشير التحركات الدولية الأخيرة إلى أن حضورها بات يتجاوز الحدود التقليدية للعمل المعارض. فالمؤتمرات والبيانات الدولية المتتالية، إضافة إلى النشاط السياسي المتنامي للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، تعكس رغبة متزايدة لدى قطاعات دولية في البحث عن خيارات مختلفة للتعامل مع الملف الإيراني.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تراجع الصورة التي حاول النظام الإيراني ترسيخها لسنوات باعتباره قوة مستقرة وقادرة على إدارة التحديات الداخلية. فالأزمات الاقتصادية المتفاقمة، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع معدلات التضخم، واستمرار العقوبات، كلها عوامل ساهمت في توسيع الفجوة بين السلطة والمجتمع.
كما أن استمرار تنفيذ الإعدامات بهذا الحجم يضعف محاولات طهران تحسين علاقاتها الدولية أو تقديم نفسها كشريك طبيعي في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية. فملف حقوق الإنسان ما يزال أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين إيران والعديد من الدول الغربية والمنظمات الدولية.
ومن هنا تبدو المعركة الحالية أبعد من كونها سجالاً سياسياً بين السلطة والمعارضة. إنها صراع حول صورة إيران ومستقبلها واتجاهها السياسي خلال السنوات المقبلة. فبينما يواصل النظام الاعتماد على أدواته الأمنية والقضائية لفرض السيطرة، تراهن المعارضة على تصاعد الضغوط الداخلية والدولية لإحداث تحول سياسي تدريجي ينهي عقوداً من حكم المؤسسة الدينية.
وفي هذا السياق، تحاول مريم رجوي تقديم مشروعها باعتباره بديلاً يجمع بين المطالب الديمقراطية والهوية الوطنية الإيرانية، مع التأكيد على رفض العودة إلى نظام الشاه السابق كما ترفض استمرار نظام ولاية الفقيه. وهذه النقطة تحديداً أصبحت أحد أبرز عناصر الخطاب السياسي للمعارضة، التي تسعى إلى استقطاب شرائح واسعة من الإيرانيين الباحثين عن خيار ثالث بعيداً عن استقطاب الماضي والحاضر.
ومع استمرار موجة الإعدامات واتساع دائرة الانتقادات الدولية، تبدو إيران أمام مرحلة تتزايد فيها الضغوط على السلطة من أكثر من اتجاه. فالقمع قد ينجح في تأجيل الانفجار الشعبي لبعض الوقت، لكنه لا يقدم حلولاً للأزمات البنيوية التي تواجه الدولة والمجتمع. وفي المقابل، فإن اتساع الدعم الدولي للمعارضة يمنحها زخماً سياسياً متزايداً، لكنه لا يختصر الطريق نحو التغيير داخل بلد معقد ومتشابك مثل إيران.
ومع ذلك، فإن ما يجري اليوم يكشف حقيقة أساسية يصعب تجاهلها: كلما ازدادت وتيرة الإعدامات واتسعت دائرة القمع، ازداد حضور ملف حقوق الإنسان في النقاش الدولي حول إيران، وارتفعت الأصوات التي ترى أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يبنى على المشانق والسجون، بل على إصلاح سياسي حقيقي يستجيب لتطلعات الإيرانيين في الحرية والمشاركة والعدالة.