الرياضة

تسعون دقيقة تتجاوز الرياضة..

ترجمة: مواجهة مصر وإيران في المونديال.. صراع الهوية والسياسة يتقدم على كرة القدم

واشنطن

لن تكون مواجهة منتخبي مصر وإيران في الجولة الأولى من كأس العالم مجرد مباراة لتحديد ملامح المنافسة في المجموعة، بل تحمل أبعاداً سياسية ورمزية تجعلها واحدة من أكثر مباريات البطولة إثارة للاهتمام خارج الإطار الرياضي. فالمواجهة تجمع بين دولتين تمثلان ثقلين إقليميين، لكل منهما حضوره السياسي والديني في الشرق الأوسط، في وقت لا تزال فيه المنطقة تعيش تداعيات صراعات وتحولات متسارعة أعادت رسم موازين القوى خلال الأشهر الماضية.

وتكتسب المباراة خصوصية إضافية لكونها تقام في الولايات المتحدة، الدولة التي شكلت لعقود محور الصراع السياسي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قبل أن تدخل خلال الفترة الأخيرة في مسار تفاهمات واتفاقات هدفت إلى احتواء التصعيد العسكري بين الطرفين. ورغم هذا المسار، لا يزال النظام الإيراني يوظف الخطاب السياسي المعادي لواشنطن في الداخل، وهو ما يمنح أي ظهور ناجح للمنتخب الإيراني على الأراضي الأميركية قيمة دعائية تتجاوز حدود المنافسة الرياضية.

ومنذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، حرص النظام الإيراني على استثمار الأحداث الرياضية الكبرى بوصفها أدوات لتعزيز الخطاب السياسي، وإظهار قدرة الدولة على الصمود في مواجهة العقوبات والضغوط الخارجية. لذلك ينظر إلى المشاركة في كأس العالم، ولا سيما إذا حققت نتائج إيجابية، باعتبارها فرصة لتعزيز الرواية الرسمية وإعادة توجيه اهتمام الرأي العام بعيداً عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة داخل البلاد.

وتأتي المباراة هذا العام في توقيت يحمل دلالات دينية بالنسبة لإيران، مع تزامنها مع ذكرى عاشوراء، وهي مناسبة تحتل مكانة مركزية في الوجدان الشيعي. وقد حاول الاتحاد الإيراني لكرة القدم الحصول على موافقة الاتحاد الدولي لارتداء شارات سوداء خلال المباراة، في خطوة فسّرها مراقبون باعتبارها محاولة لإضفاء بعد رمزي على المشاركة الرياضية وربطها بالخطاب الديني الذي يوظفه النظام بصورة مستمرة في المناسبات العامة.

وفي المقابل، يدخل المنتخب المصري المباراة ممثلاً لأكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وصاحبة ثقل تاريخي وسياسي في المنطقة، فيما تعكس المواجهة أيضاً اختلافاً في المرجعيات السياسية والدينية، رغم التحسن النسبي الذي شهدته العلاقات بين القاهرة وطهران خلال السنوات الأخيرة.

ولا تتوقف أبعاد اللقاء عند السياسة الإقليمية، بل تمتد إلى الجدل الثقافي والاجتماعي الذي رافق تنظيم البطولة. فقد تزامنت المباراة مع فعاليات مرتبطة بشهر الفخر في مدينة سياتل، الأمر الذي أثار اعتراضات من الجانبين الإيراني والمصري، اللذين طالبا بعدم ربط المباراة بأي فعاليات ذات طابع اجتماعي أو ثقافي تتعارض مع القيم المحافظة السائدة في البلدين.

وفي محاولة لتحقيق التوازن، أوضح الاتحاد الدولي لكرة القدم أن فعاليات الفخر تنظمها الجهات المحلية في المدينة وليست جزءاً من البرنامج الرسمي للمونديال، مع تأكيده في الوقت نفسه السماح للجماهير بإدخال الأعلام والرموز التي تسمح بها لوائح البطولة، وهو ما يعكس استمرار التحديات التي تواجهها الفيفا في إدارة البطولات العالمية وسط تباين الخلفيات الثقافية والسياسية للدول المشاركة.

وتبرز المباراة أيضاً انقساماً داخل الجاليات الإيرانية المقيمة في الولايات المتحدة، ولا سيما في ولاية كاليفورنيا، حيث يعيش مئات الآلاف من الإيرانيين الذين تتباين مواقفهم تجاه النظام الحاكم. ففي حين يرى بعضهم في المنتخب الوطني رمزاً للهوية الإيرانية بعيداً عن السياسة، يرفض آخرون اعتباره ممثلاً للشعب، ويرون أن النظام يوظف نجاحاته الرياضية لخدمة أهدافه السياسية والدعائية.

ومن هذا المنطلق، يتوقع أن تتجاوز أجواء المباراة حدود المنافسة التقليدية، لتتحول المدرجات إلى مساحة تعكس التنوع والانقسام داخل المجتمع الإيراني نفسه، بين مؤيدين للنظام ومعارضين له، وهو مشهد تكرر في بطولات رياضية سابقة، خصوصاً منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها إيران خلال السنوات الأخيرة.

ويرى محللون أن النظام الإيراني سيحاول استثمار أي نتيجة إيجابية يحققها المنتخب في إطار حملته الإعلامية الداخلية، عبر تصويرها بوصفها دليلاً على قدرة البلاد على مواجهة الضغوط الغربية، في وقت يواجه فيه تحديات اقتصادية وسياسية متزايدة، إضافة إلى استمرار الانتقادات الدولية المتعلقة بملف حقوق الإنسان والبرنامج النووي.

في المقابل، يبقى الجانب الرياضي حاضراً أيضاً، إذ يسعى المنتخبان إلى تحقيق نتيجة تعزز فرصهما في بلوغ الدور التالي، غير أن خصوصية المباراة تجعلها محط اهتمام يتجاوز جماهير كرة القدم، لتصبح حدثاً تلتقي فيه السياسة والهوية والدين والإعلام في مشهد واحد.

ولهذا تبدو مواجهة مصر وإيران أكثر من مجرد تسعين دقيقة داخل الملعب؛ فهي تعكس تداخل الرياضة مع الحسابات الجيوسياسية، وتؤكد أن البطولات الكبرى كثيراً ما تتحول إلى منصات لإرسال الرسائل السياسية وتوظيف الرموز الوطنية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدول تحمل تاريخاً طويلاً من التنافس والصراعات الإقليمية. وفي الحالة الإيرانية تحديداً، تظل كرة القدم إحدى الأدوات التي يحاول النظام من خلالها تصدير صورة القوة والتماسك، حتى في ظل التحديات الداخلية والضغوط الخارجية التي تواجهه.

الإمارات تعالج خللاً في نظام الإنذار المبكر وتدعو إلى الاعتماد على المصادر الرسمية


مجلس التعاون يرفض رسوم هرمز ويطالب برقابة صارمة على البرنامج النووي الإيراني


مأساة في الضالع.. أربعة أطفال قتلى بانفجار لغم من مخلفات الحوثيين


إسرائيل تتمسك بالبقاء في جنوب لبنان وتربط الانسحاب بضمانات أمنية