بحوث ودراسات
حين يتراجع القانون عن المرأة..
كيف تحوّلت المساواة الدستورية في اليمن إلى منظومة تشريعية تُكرّس التمييز ضد النساء
المشكلات البيئة المعاصرة الناتجة عن النشاطات البشرية - اليوم الثامن
وضعت دراسة صادرة عن مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات بعنوان «من المساواة الدستورية إلى التمييز التشريعي» يدها على واحدة من أكثر المفارقات قسوة في البنية القانونية اليمنية: الدولة التي وقّعت مبكراً على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وأقرت في نصوصها العامة مبادئ المساواة، هي نفسها التي أبقت منظومتها التشريعية مفتوحة على مساحات واسعة من التمييز القانوني ضد النساء. هذه المفارقة ليست تفصيلاً قانونياً معزولاً، بل مدخل لفهم كيف جرى، عبر العقود، تحويل حقوق المرأة من التزام دستوري ودولي إلى ملف مؤجل، ثم إلى مساحة يتوسع فيها التراجع تحت غطاء التشريع والتفسير المحافظ للقانون.
الدراسة التي أعدتها الدكتورة سهير علي أحمد تنطلق من سؤال واضح: إلى أي مدى التزم المشرّع اليمني باتفاقية «السيداو» بعد أن أصبحت اليمن طرفاً فيها؟ والإجابة التي تبنيها الدراسة عبر تتبع النصوص الدستورية والتشريعية لا تذهب إلى المنطقة الرمادية، بل تقول بوضوح إن الفجوة بين الالتزام الدولي والتشريع المحلي ظلت كبيرة، بل اتسعت بعد الوحدة، حين انتقلت اليمن من لحظة دستورية أقرب إلى الإقرار بالمساواة، إلى بيئة قانونية أكثر ميلاً إلى تكريس التفاوت بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات والضمانات.
أهمية الدراسة لا تكمن فقط في رصد هذا التناقض، بل في أنها تعيد ترتيب تاريخ المسألة من زاوية قانونية وسياسية في آن واحد. فهي تذكّر بأن اليمن الديمقراطية الشعبية كانت من الدول التي صادقت على اتفاقية «السيداو» في وقت مبكر، وأن تلك المصادقة لم تكن منفصلة عن سياق سياسي وقانوني مختلف كانت المرأة فيه قد حصلت على مساحة أوسع من الحضور في الحياة العامة، ووصلت إلى مواقع صنع القرار، وامتلكت هامشاً أكبر من الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية. لكن مع قيام الوحدة عام 1990، ثم التعديلات اللاحقة على البنية الدستورية والقانونية، لم يُبنَ على ذلك المسار، بل جرى عملياً تفكيك جزء مهم منه، أو على الأقل تجميده، لصالح مقاربة قانونية أكثر تحفظاً وأقل التزاماً بفكرة المساواة الكاملة.
في جوهر الدراسة، لا تبدو المشكلة في غياب النصوص العامة فقط، بل في نوعية العلاقة التي أقامها النظام القانوني اليمني مع الاتفاقيات الدولية. فالدستور اليمني، كما تشير الدراسة، تضمّن نصوصاً تؤكد الالتزام بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي المعترف بها، لكنه لم يحسم بشكل واضح مكانة الاتفاقيات الدولية داخل المنظومة التشريعية الوطنية، ولم يحول هذا الالتزام إلى قاعدة قانونية ملزمة تعلو على التشريعات الداخلية أو تفرض مواءمتها مع المعايير الدولية. النتيجة أن النصوص الدولية بقيت، في كثير من الأحيان، في مرتبة أقرب إلى الالتزام الأدبي أو السياسي، لا إلى المصدر المباشر الذي يُبنى عليه التشريع أو يحتكم إليه القضاء.
وهنا تصل الدراسة إلى نقطة حاسمة: المشكلة ليست في أن اليمن لم تصادق على «السيداو»، بل في أن هذه المصادقة لم تُستكمل بعملية مواءمة تشريعية حقيقية. فالاتفاقية، بحسب الدراسة، لا تكتفي بالدعوة العامة إلى احترام المرأة، بل تفرض على الدول الأطراف التزامات محددة: إلغاء القوانين التمييزية، تعديل الأنظمة والأعراف التي تنتج التمييز، توفير حماية قانونية فعالة للنساء، وضمان مساواتهن في الحياة العامة والخاصة. لكن هذا المسار لم يتحقق في اليمن بالصورة المطلوبة، بل بقيت تشريعات نافذة تتعارض مع جوهر الاتفاقية، سواء في مسائل الأحوال الشخصية أو بعض جوانب الجنسية أو القيود المفروضة على الأهلية والتمثيل والحقوق الأسرية.
اللافت في الدراسة أنها لا تقدم هذا التراجع باعتباره مجرد خلل فني في التشريع، بل بوصفه تعبيراً عن اختلال أعمق في تصور الدولة لحقوق النساء. فحين ينص الدستور على المساواة، ثم تُترك القوانين التفصيلية لتنتج تمييزاً فعلياً، يصبح الدستور نفسه معلقاً بين الإعلان والإنفاذ. وحين تصادق الدولة على اتفاقية دولية بحجم «السيداو» ثم تبقي قوانينها المحلية بعيدة عن روحها، فإن ذلك يعني أن الالتزام الدولي استُخدم لتحسين الصورة أكثر مما استُخدم لإعادة بناء المنظومة القانونية على أسس أكثر عدلاً.
ومن بين أكثر ما تكشفه الدراسة أهمية، أنها تربط هذا التراجع بلحظة ما بعد الوحدة، لا باعتبارها مجرد حدث سياسي، بل كنقطة تحوّل قانوني أيضاً. فالوحدة حملت معها دمجاً بين نظامين قانونيين وتجربتين مختلفتين في النظر إلى موقع المرأة داخل الدولة والمجتمع. وبينما كان يفترض أن تكون هذه اللحظة فرصة لتبني القاعدة الأكثر تقدماً في حماية الحقوق، حدث العكس في جوانب عدة؛ إذ جرى الميل إلى صيغ أكثر محافظة، وجرى إضعاف بعض المكتسبات التي كانت النساء قد حققنها في الجنوب قبل الوحدة. بهذا المعنى، لا ترى الدراسة أن التمييز ضد المرأة في اليمن نتاج ثقافة اجتماعية فقط، بل أيضاً نتاج خيارات تشريعية وسياسية اتُخذت في لحظة إعادة تشكيل الدولة.
هذا الاستنتاج يكتسب وزنه لأن الدراسة لا تنطلق من خطاب إنشائي عن المظلومية، بل من مقارنة مباشرة بين ما تفرضه الاتفاقية الدولية وما تسمح به القوانين اليمنية. وهي هنا تذهب إلى أن النصوص التي تكرس التفاوت بين النساء والرجال لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد “خصوصية محلية”، لأن الدولة، حين قبلت الانضمام إلى الاتفاقية، قبلت في الوقت نفسه التزاماً واضحاً بإزالة التمييز لا بتبريره. ولهذا تذكّر الدراسة بأن المادة الثانية من الاتفاقية، على سبيل المثال، لا تكتفي بإدانة التمييز، بل تلزم الدول بإدماج مبدأ المساواة في دساتيرها وتشريعاتها، واتخاذ تدابير تشريعية وقضائية وإدارية فعالة للقضاء عليه.
في الخلفية أيضاً، تطرح الدراسة سؤالاً عن طبيعة الدولة اليمنية نفسها: هل تريد فعلاً بناء نظام قانوني حديث يقوم على المواطنة المتساوية، أم أنها ما تزال تتعامل مع المرأة باعتبارها ملفاً تفاوضياً بين النص الديني والتوازنات الاجتماعية والضغوط السياسية؟ هذا السؤال لا يرد بصيغته المباشرة في كل صفحات الدراسة، لكنه حاضر في الاستنتاج العام الذي ينتهي إلى أن المرأة اليمنية خسرت كثيراً من مكتسباتها القانونية والسياسية بعد الوحدة، وأن التمييز اللاحق لم يكن عارضاً، بل واسع النطاق ومؤثراً في قدرتها على المشاركة على قدم المساواة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
الأهم من ذلك أن الدراسة لا تتوقف عند التشخيص، بل تلمح إلى اتجاه إصلاحي واضح يقوم على إعادة بناء الضمانة الدستورية للمساواة، وتحويلها من مبدأ عام إلى التزام تشريعي وقضائي نافذ. وفي هذا السياق تقترح نصوصاً دستورية أكثر صراحة في ضمان المساواة بين الرجل والمرأة في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، بما يجعل تمكين النساء جزءاً من التزام الدولة لا مجرد خطاب سياسي موسمي.
لكن قراءة الدراسة من زاوية المشهد اليمني الراهن تفتح معنى آخر أكثر إلحاحاً. ففي بلد تعصف به الحرب والانقسام المؤسسي والانهيار الاقتصادي، قد يبدو الحديث عن إصلاح تشريعات المرأة مسألة مؤجلة أو ثانوية. غير أن هذا المنطق نفسه هو أحد أسباب استمرار الأزمة. فالقانون ليس ملفاً منفصلاً عن الحرب، بل جزء من شكل السلطة التي تُنتجها الحرب. وكلما ضعفت فكرة الحقوق المتساوية داخل النصوص الناظمة للدولة، أصبح من السهل تهميش النساء في السياسة، وإقصاؤهن من التمثيل، وإضعاف حمايتهن الاجتماعية والقانونية، ثم تحميلهن لاحقاً كلفة الانهيار العام.
لهذا يمكن القول إن الدراسة لا تقدم فقط مراجعة قانونية لعلاقة اليمن باتفاقية «السيداو»، بل تقدم اتهاماً صريحاً للمنظومة التشريعية اليمنية بأنها لم تتعامل مع حقوق النساء بوصفها جزءاً أصيلاً من بناء الدولة الحديثة. فالمساواة التي ظهرت في بعض النصوص الدستورية لم تتحول إلى سياسة تشريعية متماسكة، والالتزامات الدولية لم تُترجم إلى إصلاح قانوني عميق، والنتيجة أن المرأة اليمنية ظلت عالقة بين خطاب رسمي عن الحقوق ومنظومة قانونية تقيد هذه الحقوق أو تفرغها من مضمونها.
في المحصلة، تنجح دراسة «من المساواة الدستورية إلى التمييز التشريعي» في كشف جوهر الأزمة بعيداً عن التعميمات الفضفاضة: التمييز ضد المرأة في اليمن ليس فقط أثراً من آثار العادات أو الحرب أو ضعف المؤسسات، بل هو أيضاً نتاج قانوني مباشر، صنعته نصوص وتشريعات وتراجعات دستورية، ورسخته دولة لم تحسم أمرها بالكامل لصالح المواطنة المتساوية. ومن هنا تأتي قيمة الدراسة؛ فهي لا تكتفي بالقول إن المرأة اليمنية مظلومة، بل تحدد أين يبدأ الظلم في النص، وكيف يُعاد إنتاجه في القانون، ولماذا لا يمكن الحديث عن دولة عادلة في اليمن ما دامت المساواة بين مواطنيها، رجالاً ونساءً، ما تزال موضع مساومة تشريعية وسياسية.
رابط الدراسة كاملة:
المشكلات البيئية المعاصرة الناتجة عن النشاطات البشرية في ساحل الجنوب المطلة على خليج عدن والبحر العربي