تقارير
فجوة أمن البحر الأحمر..
شبكات الإمداد الحوثية في البحر.. لماذا أصبحت مهمة الاعتراض أكثر تعقيداً؟
المعركة الصامتة في باب المندب - اليوم الثامن
أعادت عملية إحباط تهريب شحنة من الطائرات المسيّرة أواخر أغسطس تسليط الضوء على الدور الذي تؤديه القوات البحرية اليمنية وخفر السواحل في الساحل الغربي، بعدما تزامنت العملية مع هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، في مشهد وضع الوحدات المحلية أمام اختبار أمني وعسكري يفوق، من حيث طبيعة التهديد، الإمكانات المتاحة لها.
وبحسب المعطيات المتداولة بشأن العملية، تمكنت القوات البحرية من التعامل مع الهجمات بالتزامن مع ضبط الشحنة، وهو ما منح العملية أهمية تتجاوز حجم المضبوطات نفسها، إذ أظهرت قدرة وحدات تعمل بإمكانات محدودة على تنفيذ مهمتين في وقت واحد: مواجهة تهديد مباشر في البحر وملاحقة خطوط إمداد يُشتبه في ارتباطها بالحوثيين.
وتأتي العملية في وقت لم تعد فيه شبكات التهريب تعمل بالطريقة التي عُرفت خلال السنوات الأولى للحرب. فالمسارات المباشرة من الموانئ الإيرانية باتت أكثر عرضة للرصد، فيما أصبحت عمليات النقل تعتمد على محطات وسيطة ومسارات أطول تمتد عبر خليج عمان والبحر العربي وخليج عدن وسواحل القرن الأفريقي، قبل الاقتراب من المياه اليمنية.
هذا التحول يجعل عملية الاعتراض أكثر صعوبة، لأن الشحنة قد تنتقل بين أكثر من قارب أو سفينة، وتتغير أوراقها ومساراتها وموانئ انطلاقها المعلنة خلال الرحلة. ومع اتساع المساحة البحرية التي يمكن استخدامها، تصبح مراقبة كل هذه المسارات مهمة تتطلب قدرات استطلاع ورادارات وزوارق سريعة ومنظومات اتصال لا تتوافر بالقدر الكافي لدى القوات المحلية.
ومع ذلك، نجحت البحرية اليمنية وخفر السواحل في الساحل الغربي خلال فترات مختلفة في اعتراض مراكب وضبط حمولات قالت السلطات إنها كانت في طريقها إلى الحوثيين، وهو أداء يثير مفارقة واضحة بين حجم الإمكانات المحلية من جهة، والوجود البحري الدولي الواسع في البحر الأحمر وخليج عدن من جهة أخرى.
فالممر البحري الممتد من خليج عدن إلى باب المندب والبحر الأحمر يشهد منذ سنوات انتشاراً لوحدات وأساطيل دولية، ثم تعزز هذا الوجود مع تصاعد الهجمات الحوثية على السفن. لكن كثافة القطع البحرية الأجنبية لا تعني بالضرورة أن مهمتها تشمل مطاردة جميع شبكات تهريب السلاح أو تفتيش كل مركب يثير الشبهات.
وهنا تكمن واحدة من أبرز نقاط الالتباس في النظرة المحلية إلى المهمات الدولية. فالقوات الموجودة في المنطقة تتحرك وفق تفويضات وقواعد اشتباك محددة، وبعضها أُنشئ أساساً لمرافقة السفن التجارية أو حمايتها من الهجمات، وليس للقيام بعمليات تفتيش مفتوحة على امتداد البحر العربي وخليج عدن.
وتظهر هذه الفجوة بوضوح عند النظر إلى المهمة البحرية الأوروبية «أسبيدس». فالاتحاد الأوروبي يقدمها باعتبارها عملية دفاعية لحماية حرية الملاحة، ولذلك يتركز نشاطها على حماية السفن ومرافقتها والتعامل مع الأخطار التي تهددها، وليس خوض حملة عسكرية مفتوحة ضد الحوثيين أو التحول إلى قوة دائمة لملاحقة شبكات التهريب.
ومن منظور القوات اليمنية الموجودة على الأرض وفي المياه الإقليمية، تبدو المشكلة مختلفة. فحماية السفينة بعد وصول التهديد إليها لا تعالج بالضرورة المصدر الذي مكّن الحوثيين من امتلاك الصاروخ أو الطائرة المسيّرة أو الزورق المستخدم في الهجوم. ولهذا تركز الرؤية المحلية بدرجة أكبر على اعتراض سلسلة الإمداد قبل وصول مكوناتها إلى مناطق سيطرة الجماعة.
وخلال أغسطس، صدرت تصريحات أوروبية أعادت التأكيد على أولوية أمن الملاحة وأهمية دعم قدرات خفر السواحل والقوات البحرية اليمنية. وهي مواقف تحظى بأهمية سياسية، لكنها تصطدم بتساؤل متكرر في الساحل الغربي: متى تتحول هذه التصريحات إلى زوارق ومعدات مراقبة وتدريب وقدرات اعتراض تستطيع الوحدات المحلية استخدامها فعلياً؟
فالإشادة بأداء القوات لا تعوض نقص المعدات، كما أن البيانات التي تؤكد أهمية أمن البحر الأحمر لا تمنح خفر السواحل قدرة إضافية على ملاحقة مركب سريع أو اكتشاف شحنة أخفيت داخل حمولة مدنية.
ويزداد هذا التباين وضوحاً مع إصرار الأوروبيين، بالتوازي مع إدانتهم للهجمات على الملاحة، على الدفع نحو تسوية سياسية شاملة للحرب اليمنية. ولا ترى العواصم الأوروبية تناقضاً بين المسارين، إذ تتعامل مع حماية الملاحة باعتبارها ضرورة أمنية، ومع الحل السياسي باعتباره الطريق لإنهاء مصدر التهديد على المدى البعيد. لكن هذه المقاربة لا تجيب عن المشكلة الآنية بالنسبة للقوات اليمنية: ماذا يحدث لشبكات الإمداد خلال الفترة الفاصلة بين الحرب والتسوية؟
كما أن آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش، التي تتعامل مع السفن التجارية المتجهة إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ليست بديلاً عن قوة بحرية لمكافحة التهريب. وظيفتها وإجراءاتها تختلف عن مهمات الاعتراض العسكري والاستخباري، وهو ما يترك مساحات يمكن لشبكات التهريب محاولة استغلالها عبر وثائق الشحن أو تغيير مسارات البضائع ومصادرها المعلنة.
وقد أشارت تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن خلال سنوات الحرب إلى شبكات ومسارات تستخدم في نقل مواد ومكونات عسكرية إلى الحوثيين، بما في ذلك طرق بحرية وبرية. وتكشف هذه الشبكات أن المشكلة لا تتعلق بسفينة تنطلق مباشرة من ميناء إيراني إلى الساحل اليمني، بل بمنظومة لوجستية تتكيف باستمرار مع إجراءات الرقابة والعقوبات.
وبالنسبة إلى القوات البحرية اليمنية، فإن هذا التعقيد يعني أن المعركة في باب المندب لم تعد عسكرية فقط. فهناك حرب معلومات ومراقبة وتتبع لحركة المراكب، وقد تكون معرفة مسار قارب صغير أو هوية طاقمه ومصدر حمولته أكثر أهمية من امتلاك قطعة بحرية كبيرة لا تملك المعلومات اللازمة لاعتراضه في الوقت المناسب.
وهذا ما يفسر جانباً من نجاح الوحدات المحلية رغم الفارق الهائل بينها وبين الأساطيل الموجودة في المنطقة. فالقوة المحلية تمتلك معرفة بالساحل وبحركة الصيادين والمرافئ الصغيرة ومسارات التهريب التقليدية، وهي عناصر لا يمكن تعويضها بالكامل بالتكنولوجيا أو الوجود العسكري البحري البعيد.
لكن هذه الأفضلية المحلية لا تكفي وحدها. فكلما تطورت شبكات التهريب، ازدادت الحاجة إلى ربط المعرفة المحلية بقدرات استخباراتية وتقنية أكبر، بدءاً من الرادارات الساحلية وأنظمة المراقبة الجوية والبحرية، وصولاً إلى الزوارق ومعدات الاتصال والتدريب والقدرة على تبادل المعلومات بصورة سريعة مع القوات الدولية.
ومن هنا تتجه الأنظار إلى التحالف البحري متعدد الجنسيات الذي تقوده السعودية، وسط آمال بأن يقدم مقاربة مختلفة تقوم على بناء قدرة محلية مستدامة، بدلاً من الاكتفاء بوجود سفن دولية مهمتها الأساسية حماية حركة التجارة.
وسيكون المعيار الحقيقي لنجاح أي تحالف جديد هو ما يضيفه إلى القوات الموجودة فعلياً على الساحل. فإذا اقتصر دوره على الاجتماعات والتنسيق والبيانات، فلن يغير كثيراً من المعادلة القائمة. أما إذا وفر للقوات البحرية وخفر السواحل قدرات مراقبة واعتراض وتدريباً وتبادلاً استخباراتياً منتظماً، فقد يضيق المساحة التي تتحرك فيها شبكات التهريب.
فالمشكلة في باب المندب لم تعد غياب القطع البحرية الدولية. المنطقة تضم بالفعل حضوراً عسكرياً كبيراً. المشكلة هي الفجوة بين حماية السفن أثناء عبورها وبين منع وصول الأدوات التي تستخدم لاحقاً لتهديد تلك السفن.
وفي هذه المساحة تحديداً، تمكنت البحرية اليمنية في الساحل الغربي من تحقيق نتائج تتجاوز حجم إمكاناتها. غير أن استمرار مطالبتها بأداء هذه المهمة بأدوات محدودة يعني إبقاء واحدة من أهم جبهات أمن البحر الأحمر معلقة على جهود قوة محلية تحتاج إلى أكثر من الإشادة.
وبعد سنوات من الوعود الغربية، سيكون الاختبار أمام أي ترتيبات بحرية جديدة بسيطاً وعملياً: هل تصل المساعدة إلى الوحدات التي تطارد المهربين في البحر، أم يبقى المشهد كما هو، أساطيل دولية تحرس طرق التجارة، وقوات يمنية محدودة الإمكانات تحاول وحدها اعتراض ما يتحرك بينها باتجاه الساحل؟