تقارير
إيران بين فكّي الأزمة والمفاوضات..
ورقة هرمز الارتدادية: كيف تحول التهديد البحري إلى اختناق اقتصادي وسياسي داخل إيران؟
ارتداد ورقة هرمز على طهران
تحولت ورقة مضيق هرمز، التي أرادت إيران استخدامها لفرض كلفة اقتصادية على العالم وخصومها الإقليميين، إلى مصدر ضغط يقترب من الداخل الإيراني، في ظل استمرار صادرات دول الجوار، وتشديد الحماية الأميركية للممرات البحرية، وتراجع قدرة طهران على تسويق نفطها وتأمين مواردها من العملات الأجنبية.
وقال مدير المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية، حسن راضي، إن طهران تحاول خلط الأوراق عبر التلويح باستعدادها للحوار، بعدما أدركت أن إطالة أمد المواجهة تزيد الضغوط الاقتصادية وتوسع احتمالات انتقال الغضب إلى الشارع الإيراني.
وأضاف راضي، خلال حديثه إلى برنامج «رادار» على قناة سكاي نيوز عربية، أن القيادة الإيرانية أخطأت في تقدير قدرتها على التحكم بمضيق هرمز وفي حساب التداعيات الاقتصادية المترتبة على تعطيل الملاحة، كما بالغت في الرهان على وكلائها الإقليميين لتوسيع نطاق المواجهة وتخفيف الضغط عنها.
وراهنت طهران على أن منع صادراتها النفطية سيقابله تعطيل صادرات دول الخليج، بما يؤدي إلى نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار وإجبار القوى الكبرى على تقديم تنازلات. لكن النتيجة جاءت مختلفة، إذ واصلت دول المنطقة تصدير النفط عبر مسارات محمية أو بديلة، بينما تقلصت قدرة إيران نفسها على الوصول إلى الأسواق.
وقال راضي إن صادرات النفط الإيرانية كانت تبلغ نحو مليوني برميل يومياً قبل اندلاع الحرب، لكنها تراجعت إلى بضع مئات الآلاف، وربما توقفت كلياً في بعض الفترات، مقدراً خسائر طهران بنحو 300 مليون دولار يومياً.
ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من هذه الأرقام في ظل القيود المفروضة على المعلومات المرتبطة بالصادرات الإيرانية، غير أن الاتجاه العام يشير إلى تضرر قدرة طهران على تصدير النفط وتحصيل عائداته، في وقت تعتمد فيه الموازنة الإيرانية بصورة أساسية على الإيرادات النفطية والعملات الأجنبية.
وتتجاوز الضغوط قطاع الطاقة، إذ قال راضي إن انقطاع الإنترنت وتعطل مسارات التجارة البرية مع دول في آسيا الوسطى أوقفا جزءاً من حركة البضائع الصينية والروسية المنقولة عبر السكك الحديدية إلى إيران، الأمر الذي ضاعف أثر العزلة البحرية والتجارية.
ويعني تراجع عائدات النفط والتجارة انخفاض تدفق الدولار إلى السوق الإيرانية، وهو ما ينعكس على سعر العملة والتضخم وأسعار السلع المستوردة والمواد الأولية. كما يحد من قدرة الحكومة على تمويل المشاريع العامة ودفع الرواتب وتوفير الدعم، في وقت يعاني فيه الاقتصاد أصلاً من العقوبات وضعف الاستثمار وتراجع الإنتاج الصناعي.
وتكشف بيانات وتقارير إيرانية حديثة حجم الضغط الذي يتعرض له سوق العمل. فقد أفادت وكالة أنباء العمال الإيرانية «إيلنا»، نقلاً عن بيانات مركز الإحصاء، بأن نحو 630 ألف وظيفة صناعية فُقدت خلال ربيع عام 2026، فيما خرج قرابة مليون شخص من سوق العمل الرسمي.
ولا يعني الانخفاض الظاهري في معدل البطالة، في هذه الحالة، توفير وظائف جديدة، بل قد يعكس توقف أعداد كبيرة من العاطلين عن البحث عن عمل بسبب اليأس، وهو ما يؤدي إلى إخراجهم من قوة العمل التي تُحتسب على أساسها المؤشرات الرسمية.
كما تحدثت تقارير محلية عن فقدان نحو 20 ألف عامل وظائفهم في محافظة هرمزكان، ومعاناة عمال مفصولين في مصانع النسيج بمدينة بروجرد وشركة للبتروكيماويات في ماهشهر. وتظهر هذه الحالات أن آثار الأزمة تمتد من القطاعات التقليدية إلى المحافظات المرتبطة بالطاقة والموانئ والصناعات الثقيلة.
ويرى راضي أن استمرار نقص العملات الأجنبية وتراجع النشاط التجاري سيؤديان إلى زيادة التضخم وشح بعض السلع، وقد يعرقلان قدرة الحكومة على دفع رواتب العاملين في المؤسسات العامة. وحذر من أن وصول الأزمة إلى موظفي الدولة يمكن أن يوسع نطاق الاحتجاجات ويحولها من تحركات مطلبية متفرقة إلى أزمة سياسية أكبر.
ووصف إيران بأنها أصبحت محصورةً في زاوية ضيقة، وتلجأ إلى الهروب إلى الأمام رغم عدم امتلاكها القدرات الكافية لخوض مواجهة طويلة مع الولايات المتحدة، خصوصاً مع انضمام عدد متزايد من الدول إلى الجهود الرامية لإبقاء طرق الطاقة مفتوحة والحد من قدرة طهران على تعطيل التجارة.
وحدد راضي ثلاثة مؤشرات تحكم طريقة تفكير القيادة الإيرانية. يرتبط الأول بتدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية، بينما يتمثل الثاني في موقف التيار المتشدد داخل الحرس الثوري، الذي يراهن على أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط وكلفة العمليات العسكرية إلى إنهاك الاقتصاد الأميركي وإثارة احتجاجات داخل الولايات المتحدة.
أما المؤشر الثالث فيتصل بتنامي خطاب يدعو إلى وقف المواجهة والعودة إلى التفاوض، ويعبّر عنه مسؤولون أقل تشدداً، بينهم الرئيس مسعود بزشكيان، الذي يتحدث عن ضرورة إنهاء الحرب والإقرار بحجم الخسائر، والرئيس الأسبق حسن روحاني، الذي دعا إلى الرجوع للشعب قبل اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالحرب.
ويعكس هذا التباين خلافاً داخل مؤسسات الحكم بشأن الكلفة المقبولة للمواجهة. فبينما ينظر الحرس الثوري إلى التصعيد باعتباره وسيلةً لحماية النظام وردع خصومه، يخشى سياسيون ومسؤولون سابقون أن يؤدي استمرار الحرب إلى انهيار اقتصادي ومؤسسي يصعب احتواؤه.
ولا يعني ظهور أصوات داعية إلى الحوار أن ميزان القوة داخل النظام تغير لمصلحة التيار الأقل تشدداً، إذ يحتفظ الحرس الثوري بنفوذ واسع في القرارين الأمني والعسكري والاقتصاد. لكن اتساع الخسائر يمكن أن يزيد الضغط على قياداته ويضعها أمام مساءلة داخلية بشأن جدوى استراتيجية التصعيد.
من جهته، قال كبير الباحثين في المجلس الأطلسي بواشنطن، سمير التقي، إن موازين القوى الدولية تبدلت، وإن هناك توافقاً واسعاً بين الولايات المتحدة والصين ودول أوروبية وآسيوية على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً ورفض خضوع الملاحة فيه للقرار الإيراني.
وأضاف التقي أن طهران لا تستطيع التعويل على وجود قوة دولية مؤثرة تقبل استمرار برنامجها النووي في مساره الحالي أو تدعم توجهها نحو رفع مستويات تخصيب اليورانيوم، ما يجعل هامش المناورة السياسي أضيق من المراحل السابقة.
واعتبر أن المشكلة الأساسية لإيران تتمثل في محدودية الخيارات؛ فالتصعيد يرفع الكلفة الاقتصادية والعسكرية في الداخل، بينما فقدت قنوات التفاوض غير المباشرة، التي اعتمدت عليها طهران مع بعض الدول الأوروبية وسلطنة عُمان، جانباً كبيراً من فاعليتها.
وقال التقي إن القوات العسكرية الإيرانية التقليدية تعرضت لخسائر كبيرة أضعفت قدرتها على حماية العاصمة والسواحل، وهو ما يدفع طهران إلى زيادة اعتمادها على الحرب غير المتكافئة، بما يشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والهجمات عبر الحلفاء الإقليميين.
غير أن شبكة الوكلاء التي استخدمتها إيران لسنوات في لبنان والعراق وسوريا واليمن لم تعد، وفق التقي، قادرةً على توفير مستوى الإسناد السابق. فكل ساحة تواجه ضغوطها المحلية، كما أن انخراط هذه الجماعات في مواجهة مفتوحة قد يعرض بنيتها العسكرية والسياسية لخسائر لا يمكن تعويضها بسهولة.
ويظل الحوثيون في اليمن أحد أبرز الأطراف القادرة على الضغط على طرق الملاحة، سواء في البحر الأحمر أو قرب باب المندب. لكن استخدامهم هذه الورقة يهدد بتوسيع الحرب داخل اليمن واستدعاء ردود عسكرية دولية، بدلاً من توفير مخرج استراتيجي لطهران.
كما أن تحويل البحر الأحمر إلى جبهة موازية لهرمز لا يعالج عجز إيران عن تصدير نفطها أو الوصول إلى عائداتها. وقد يؤدي إلى توسيع التحالف الدولي لحماية الممرات البحرية وإضعاف القوى المرتبطة بطهران، في وقت تحتاج فيه القيادة الإيرانية إلى خفض عدد الجبهات المفتوحة.
ويرى التقي أن اعتماد الولايات المتحدة سياسة تقوم على الرد بالمثل على أي استهداف للسفن يجعل التصعيد خياراً شديد الكلفة بالنسبة إلى إيران. فاستهداف ناقلات أو تعطيل الملاحة يمكن أن يوفر لواشنطن مبرراً لتوسيع الضربات ضد المنشآت البحرية والنفطية الإيرانية، ما يسرع الاختناق الاقتصادي بدلاً من تخفيفه.
وبذلك تجد طهران نفسها أمام خيارين كلاهما مكلف. الأول هو استمرار التصعيد، بما يحمله من خسائر اقتصادية وعسكرية واحتمال انتقال الغضب إلى الداخل. والثاني هو القبول بمفاوضات تجري في ظل تراجع قدرتها على فرض الشروط، بعدما تقلصت فاعلية أوراقها البحرية والإقليمية.
ولا يعني استمرار صادرات دول الخليج أن الخطر على هرمز انتهى. فالمضيق يظل ممراً بالغ الحساسية، وأي هجوم واسع قد يرفع أسعار النفط والتأمين والنقل ويصيب الاقتصاد العالمي باضطراب كبير. لكن قدرة إيران على تحويل الإغلاق إلى مكسب سياسي تعتمد على تحملها الكلفة لمدة أطول من خصومها، وهو ما تبدو عاجزةً عنه في ظل هشاشة اقتصادها.
فالولايات المتحدة وشركاؤها يستطيعون توزيع جزء من الخسائر على اقتصادات متعددة واستخدام احتياطيات الطاقة ومسارات التصدير البديلة، بينما تتحمل إيران العبء داخل اقتصاد واحد يعاني العقوبات والتضخم والبطالة وتراجع العملة.
ومن هذه الزاوية، ينقلب مضيق هرمز من أداة ردع إلى اختبار لقدرة النظام الإيراني على الصمود. فكلما طال الاضطراب، تراجعت الإيرادات وازدادت صعوبة تمويل مؤسسات الدولة، فيما تستمر دول الجوار في البحث عن طرق بديلة وتعزيز الحماية العسكرية لمنشآتها وصادراتها.
وتكشف تصريحات راضي والتقي تقاطعاً في النتيجة رغم اختلاف زاوية التحليل: إيران فقدت جزءاً مهماً من قدرتها على ضبط التصعيد، وأصبح استمرار الأزمة يهدد الداخل أكثر مما يضغط على خصومها. كما أن الأدوات التي بنتها طهران خلال العقود الماضية، من السيطرة على المضيق إلى توظيف الوكلاء، لم تعد كافيةً لفرض تسوية بشروطها.
وتبقى إمكانية التفاوض قائمةً، لكنها ستعتمد على قدرة القيادة الإيرانية على تقديم التراجع باعتباره تسويةً تحفظ السيادة، لا هزيمةً أمام الضغط الأميركي. غير أن الصراع داخل النظام بين دعاة المواجهة وأنصار التسوية قد يؤخر هذا القرار ويزيد كلفته.
وبينما يراهن المتشددون على إنهاك الولايات المتحدة عبر ارتفاع أسعار الطاقة، تشير التطورات إلى أن الاقتصاد الإيراني هو الذي يتعرض للاختناق بصورة أسرع. وإذا استمر تراجع الصادرات ونقص العملات الأجنبية وتعطل التجارة، فقد تنتقل المعركة من مياه هرمز إلى المصانع والأسواق والشوارع الإيرانية، حيث يصعب على القوة العسكرية وحدها احتواء آثارها.