تقارير
المنامة تعطل مسار مسقط..
البحرين تقاطع حوار هرمز وتضع شروطاً قانونية في مواجهة إيران
مضيق باب المندب
أعلنت البحرين، السبت، مقاطعة اجتماع وزاري مقترح تستضيفه سلطنة عُمان لبحث الأوضاع في مضيق هرمز، مؤكدة أنها لن تشارك في أي لقاء جماعي يضم إيران قبل استعادة العلاقات الدبلوماسية بين المنامة وطهران، في موقف يضعف فرص خروج الاجتماع بغطاء خليجي موحد.
وقالت وزارة الخارجية البحرينية إن المملكة أبلغت سلطنة عُمان بموقفها عبر القنوات الرسمية، مشددة على أن رفض المشاركة لا ينتقص من تقديرها للمساعي العُمانية أو من التزامها بالحوار وسيلة لتسوية الخلافات.
لكن البيان البحريني وضع شروطاً سياسية وقانونية تسبق أي تفاوض جماعي مع إيران، تبدأ بوقف الهجمات وتحميل المسؤولين عنها تبعاتها وجبر الأضرار، وتمر باحترام سيادة الدول، وتنتهي بمنع استخدام أراضي أي دولة منطلقاً للاعتداء على جيرانها.
ويمثل الموقف رفضاً للطريقة التي تسعى بها إيران إلى نقل أزمة مضيق هرمز من ساحة المواجهة العسكرية إلى تفاوض إقليمي بشأن إدارة حركة العبور. فالبحرين ترى أن الدخول في ترتيبات جماعية قبل معالجة آثار الهجمات يمنح طهران اعترافاً بدور تنظيمي في المضيق من دون تحمل مسؤولية تعطيل الملاحة واستهداف دول الخليج.
وقالت الخارجية البحرينية إن الحوار لا يمكن أن يقوم على «تجاوز الوقائع»، مشيرة إلى أن منشآت مدنية وبنية تحتية داخل المملكة تعرضت لهجمات، وإن إحدى الضربات استهدفت خزاناً للأمونيا وكادت تتسبب في كارثة واسعة.
كما ربط البيان بين الهجمات التي تعرضت لها البحرين وبين استهداف خط أنابيب الشرق–الغرب السعودي بطائرات مسيّرة انطلقت من العراق، معتبراً أن الخطر على المنشآت المدنية والاقتصادية لا يزال قائماً.
وأكدت السلطات العراقية أن المسيّرات التي ضربت الأنبوب السعودي أُطلقت من محافظة ميسان، وبدأت تحقيقاً في الحادث وأقالت مسؤولين أمنيين. ولم تعلن جهة مسؤوليتها عن الهجوم، فيما ترجح السعودية والولايات المتحدة تورط فصائل عراقية مدعومة من إيران.
ويكشف إدراج الهجوم على السعودية في البيان أن موقف المنامة لا يتعلق بعلاقاتها الثنائية مع طهران وحدها، بل يأتي ضمن اصطفاف أمني خليجي يربط الاعتداءات على البحرين بالضغط الإيراني على السعودية والملاحة الدولية.
وتنظر البحرين إلى استهداف خط الشرق–الغرب باعتباره دليلاً على أن الجماعات المرتبطة بإيران تستطيع تجاوز حدود ساحة الحرب الأصلية وضرب البنية التحتية الحيوية من أراضي دول أخرى. وكان الخط يمثل أهم بديل سعودي لمضيق هرمز، قبل أن يؤدي الهجوم إلى إغلاقه مؤقتاً.
وفي الوقت نفسه، سيطر الحوثيون المتحالفون مع إيران على المخا وذُباب وجزيرة ميون عند باب المندب، ما ضاعف القلق الخليجي من امتلاك طهران وحلفائها نفوذاً متزامناً عند مدخلي الخليج والبحر الأحمر.
ويأتي الاجتماع المقترح، المقرر عقده الاثنين في عُمان، ضمن جهود تقودها مسقط منذ أشهر للتوصل إلى تفاهم يسمح بإعادة تنظيم حركة السفن عبر هرمز وخفض احتمالات الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة.
وقالت إيران إن الاجتماع سيضم ممثلين عنها وعن العراق ودول خليجية، لكن مسؤولاً إيرانياً أقر بأنه لن ينتهي إلى توقيع اتفاق، وأنه سيقتصر على مناقشة قضايا إقليمية ومستقبل إدارة المضيق.
وتسعى طهران إلى الحصول على حق تحصيل رسوم من السفن المارة، بينما تعارض سلطنة عُمان هذا المطلب. وكانت مصادر إيرانية قد طرحت رسوماً تتراوح بين خمسة وسبعة في المئة من قيمة الشحنات، وهي نسبة يمكن أن ترفع كلفة عبور ناقلات النفط بملايين الدولارات.
وترى البحرين أن قبول رسوم أو تصاريح إيرانية سيحول حق المرور الدولي إلى امتياز تمنحه طهران وتسحبه، ويكرس سيطرة أحادية على ممر بحري لا يخضع لسيادة دولة واحدة.
وقالت الخارجية البحرينية إن أي ترتيب للملاحة يجب أن يستند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ويحصل على اعتماد المنظمة البحرية الدولية، ويصون حق المرور العابر لجميع السفن من دون تمييز أو رسوم أو تصاريح.
وتنص قواعد المرور العابر في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية على حرية مرور السفن والطائرات وعدم عرقلة العبور. كما لا تمنح الدول المطلة على المضيق حق فرض رسوم لمجرد المرور، وإن كان يمكنها تنظيم جوانب تتصل بالسلامة ومنع التلوث ضمن حدود القانون الدولي.
ويمثل هذا الطرح نقيضاً مباشراً للموقف الإيراني الذي يحاول ربط إعادة فتح المضيق بشروط سياسية وأمنية، بينها خفض الوجود العسكري الأمريكي والاعتراف بدور طهران في إدارة مسارات السفن.
وقالت وكالة تسنيم الإيرانية إن التفاهمات الأولية مع عُمان لا تنص على إعادة فتح مضيق هرمز فوراً، وإنما تمهد لإمكان ذلك مستقبلاً بعد استجابة واشنطن لشروط إيران. ويعني ذلك أن الاجتماع لا يناقش إجراءات فنية للملاحة فحسب، بل يدخل ضمن المساومة بشأن الحرب الأمريكية–الإيرانية.
وتريد طهران تحويل قدرتها على تعطيل المضيق إلى مكسب سياسي وقانوني دائم، بينما تسعى عُمان إلى ترتيب مؤقت يمنع الهجمات ويعيد جزءاً من تدفقات الطاقة. وبين الموقفين، تخشى البحرين أن تتحول التسوية المؤقتة إلى إقرار بحق إيران في فرض الرسوم أو التحكم بهوية السفن المسموح لها بالعبور.
وأكدت المنامة ضرورة مشاركة جميع دول مجلس التعاون الخليجي في أي ترتيبات تخص المضيق، بالنظر إلى ارتباط أمنه بإمدادات الطاقة والصادرات والواردات الخليجية. ويهدف هذا الشرط إلى منع تفاوض منفرد بين عُمان وإيران ينتج قواعد تلزم بقية الدول من دون مشاركتها.
كما يعكس الموقف تمسك البحرين بالعمل الجماعي الخليجي في مواجهة نهج إيراني يفضل التفاوض الثنائي أو الترتيبات الجزئية. فالتعامل مع كل دولة خليجية على حدة يمنح طهران قدرة أكبر على استغلال اختلاف المصالح ومستويات التوتر بينها.
غير أن غياب البحرين عن الاجتماع سيكشف بدوره صعوبة الوصول إلى موقف خليجي موحد. فعُمان ترى أن الحوار مع إيران ضروري لمنع المزيد من الهجمات، في حين تعتبر المنامة أن الحوار قبل استعادة العلاقات ووقف الاعتداءات يعيد إنتاج سياسة الاسترضاء.
ولا تعارض البحرين السلام من حيث المبدأ، لكنها تريد أن يسبقه اعتراف بالمسؤولية وضمانات بعدم تكرار الهجمات. وقالت الخارجية إن أمن المنطقة لا يُبنى على التغاضي عن الاعتداءات أو السكوت عن آثارها، وإن حسن الجوار التزام قانوني وليس مجاملة سياسية.
وتمنح عضوية البحرين في مجلس الأمن موقفها بعداً دولياً، إذ قالت إنها ستواصل العمل من خلال القنوات القانونية والدبلوماسية لحماية حرية الملاحة، وإنها مستعدة لدعم أي ترتيب يحظى بالتوافق ويقوم على القانون.
وقد تسعى المنامة إلى نقل النقاش من تفاوض إقليمي تقوده عُمان إلى المؤسسات الدولية، ولا سيما المنظمة البحرية الدولية ومجلس الأمن. ويحد هذا المسار من قدرة إيران على فرض شروط ثنائية، لكنه يواجه الانقسام بين القوى الكبرى واحتمال استخدام روسيا أو الصين نفوذهما لحماية طهران من قرارات ملزمة.
وتكتسب الأزمة أهمية إضافية بعدما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز، وإن الحرب مع إيران ستنتهي قريباً. لكن استمرار انخفاض حركة السفن وفرض مواعيد محددة للعبور تحت الحماية الأمريكية يكشف أن السيطرة العسكرية لا تعني عودة الملاحة إلى وضعها الطبيعي.
وقلصت الولايات المتحدة فترات توفير الغطاء الجوي للناقلات إلى مواعيد محددة خلال اليوم، بعدما تصاعدت الهجمات الليلية وارتفعت كلفة تشغيل الطائرات بصورة متواصلة. ويظهر ذلك أن حماية المضيق تحولت إلى عملية طويلة ومكلفة يصعب استمرارها من دون تفاهم سياسي.
وكان نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً يمر عبر هرمز قبل اندلاع الحرب في فبراير/شباط. وأدى تعطل الممر إلى ارتفاع أسعار النفط واضطراب الإمدادات، فيما لم تعد الطرق البديلة قادرة على تخفيف الضغط بعد استهداف خط الأنابيب السعودي وتقدم الحوثيين عند باب المندب.
وتواجه مسقط الآن مهمة أكثر صعوبة في إقناع بقية دول الخليج بالمشاركة. فنجاح الوساطة يتطلب تحقيق توازن بين المطالب الإيرانية وحق الملاحة الدولي، من دون أن يبدو الاتفاق مكافأة لطهران على استخدام القوة.
كما يتعين على عُمان تحديد طبيعة الاجتماع: هل هو لقاء سياسي بين دول متساوية لخفض التصعيد، أم تفاوض على شروط إيرانية لإعادة فتح ممر دولي؟ عدم حسم هذا السؤال كان أحد أسباب التحفظ البحريني.
ومن المرجح أن تستمر الاجتماعات حتى في غياب المنامة، لكن قدرتها على إنتاج اتفاق خليجي شامل ستتراجع. ويمكن أن تخرج بتفاهم أولي بين عُمان وإيران وبعض الدول المشاركة بشأن مسار آمن للسفن، إلا أن أي صيغة تفرض رسوماً أو تصاريح ستواجه رفضاً بحرينياً وربما اعتراضات دولية أوسع.
ويضع الموقف البحريني السعودية أمام خيار حساس. فالرياض تحتاج بصورة عاجلة إلى تخفيف الضغط على هرمز بعد تعطل خط الشرق–الغرب وتهديد باب المندب، لكنها لا تستطيع القبول بسهولة بترتيب يمنح إيران حق التحكم بمسار صادراتها.
ولم تعلن السعودية حتى الآن مقاطعة الاجتماع، ما قد يعكس رغبتها في إبقاء باب التفاوض مفتوحاً. لكن إشادة البحرين بموقفها وتضامنها معها يشيران إلى أن المنامة نسقت، أو على الأقل راعت، الحسابات الأمنية السعودية قبل إعلان قرارها.
كما يبعث البيان برسالة إلى بغداد، من خلال التشديد على عدم استخدام أراضي أي دولة منطلقاً للاعتداء على جيرانها. فالهجوم على خط الأنابيب السعودي أثبت أن أمن هرمز لا يمكن فصله عن نشاط الفصائل داخل العراق أو عن قدرة الحكومة العراقية على ضبط حدودها.
ويضع شرط جبر الضرر إيران أمام مطالب تتجاوز وقف إطلاق النار. فالبحرين لا تريد العودة إلى العلاقات الدبلوماسية وكأن الهجمات لم تقع، بل تطالب بإقرار للمسؤولية وتعويضات وتسوية قانونية للملفات العالقة.
لكن تحقيق هذه الشروط يبدو بعيداً في المدى القريب. فإيران تنفي مسؤوليتها عن كثير من الهجمات التي تنسبها دول الخليج إلى جماعات متحالفة معها، وتصر على أن تحركات الحوثيين والفصائل العراقية تصدر عن قرارات مستقلة.
ويتيح هذا الفصل لطهران الاستفادة من عمليات حلفائها مع تجنب تحمل المسؤولية القانونية المباشرة عنها. لذلك تركز البحرين على مبدأ مسؤولية الدولة عن منع استخدام أراضيها أو الجماعات المرتبطة بها للاعتداء على الدول الأخرى.
وفي المقابل، قد ترى إيران أن البحرين تستخدم غياب العلاقات الدبلوماسية لتعطيل حوار أمني عاجل، وأن معالجة القضايا الثنائية يمكن أن تأتي بعد تثبيت الملاحة. غير أن هذا الطرح لا يجيب عن المخاوف المتعلقة بالرسوم والتصاريح أو عن الضمانات المطلوبة لمنع الهجمات.
وتكشف المقاطعة أن الأزمة تجاوزت الخلاف حول مرور السفن إلى صراع على الجهة التي تملك وضع قواعد الملاحة. فإيران تريد الاعتراف بسلطتها عند هرمز، بينما تصر البحرين على أن الممر تحكمه قواعد القانون الدولي وتوافق الدول الخليجية والمنظمة البحرية الدولية.
وبذلك يصبح الاجتماع العُماني اختباراً لحدود الوساطة أكثر منه محطة جاهزة لإنتاج اتفاق. فمسقط نجحت في جمع أطراف متخاصمة حول فكرة الحوار، لكنها لم تستطع حتى الآن إزالة الخلاف بشأن طبيعة المضيق: هل هو ورقة تفاوض إيرانية أم ممر دولي لا يجوز إخضاعه لشروط الحرب؟
أما البحرين، فقد اختارت الغياب لتجنب منح الاجتماع شرعية جماعية، وربطت مشاركتها بإعادة العلاقات ووقف الاعتداءات وتحمل المسؤولية عنها. وهذا الموقف قد يرفع كلفة التسوية، لكنه يمنع تمرير اتفاق سريع يتجاهل مصالح الدول المتضررة.
وفي المحصلة، لا تغلق المنامة باب الحوار بقدر ما تعيد تعريف شروطه. فهي تقبل بتسوية تستند إلى القانون والتوافق الخليجي، وترفض تفاوضاً يبدأ من الاعتراف بالأمر الواقع الذي فرضته إيران بالقوة.
ويبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بقدرة البحرين وشركائها على تقديم بديل عملي يعيد الملاحة ويحمي السفن. فالقانون يوفر أساساً للموقف، لكنه يحتاج إلى قوة سياسية وعسكرية تضمن تطبيقه. وبين الوساطة العُمانية والتشدد البحريني، يظل مضيق هرمز رهينة معادلة لم تنجح الحرب ولا الدبلوماسية حتى الآن في حسمها.