ترجمة

بعد انهيار جبهاتها في اليمن..

السعودية تستعين بإسرائيل والحوثيون يسقطون «إف-15» ويأسرون طياريها

عادت السعودية تبحث عن تعويض خارجي لدى إسرائيل - أرشيف

بعدما أمضت السعودية سنوات في تفكيك الجبهة المحلية التي قاتلت الحوثيين وحمت الساحل الغربي وباب المندب، عادت تبحث عن تعويض خارجي لدى إسرائيل، من خلال قناة أمريكية توفر للرياض المعلومات الاستخباراتية وتجنبها في الوقت نفسه كلفة الإعلان عن تعاون مباشر مع تل أبيب.

وقالت وسائل إعلام إسرائيلية إن محادثات بدأت بين السعودية وإسرائيل، بوساطة القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، لتزويد الرياض بمعلومات استخباراتية عن الحوثيين، الذين وسعوا خلال الأسابيع الماضية نطاق عملياتهم من جبهات اليمن إلى المدن والقواعد العسكرية والمنشآت النفطية السعودية.

ويتزامن الكشف عن هذه الاتصالات مع تطور عسكري شديد الحساسية، بعدما أسقط الحوثيون مقاتلة سعودية من طراز «إف-15» في أجواء محافظة مأرب، وأسروا طياريها قبل نقلهما إلى صنعاء، وفق معلومات حصلت عليها «اليوم الثامن» من مصادر يمنية مطلعة.

وأكدت المصادر أن الطيارين نجوا من سقوط الطائرة ووقعا في قبضة الحوثيين، الذين فرضوا طوقاً أمنياً حول منطقة الحطام، ثم نقلوهما تحت حراسة مشددة إلى العاصمة اليمنية.

وبحسب المصادر، حلقت مقاتلات سعودية من طرازي «إف-15» و«تايفون» فوق المنطقة في محاولة للبحث عن الطائرة وطاقمها، لكن الحوثيين كانوا قد نجحوا في نقل الطيارين إلى منطقة آمنة قبل وصول التشكيلات الجوية السعودية.

ولم تكشف المصادر عن هوية الطيارين أو رتبتيهما، كما لم تتوفر معلومات دقيقة عن وضعهما الصحي أو مكان احتجازهما داخل صنعاء. والتزمت وزارة الدفاع السعودية الصمت، فلم تعلن فقدان المقاتلة أو أسر طاقمها، كما لم تصدر نفياً للرواية الحوثية حتى وقت إعداد هذا التقرير.

وكان المتحدث العسكري للحوثيين يحيى سريع قد أعلن إسقاط المقاتلة بصاروخ أرض–جو محلي الصنع أثناء تنفيذها عمليات في أجواء مأرب. وقال إن دفاعات الجماعة تصدت بعد ذلك لتشكيلين من المقاتلات السعودية وأجبرتهما على مغادرة المنطقة.

وذكرت صحيفة «إنديان إكسبرس» الهندية أن إعلان إسقاط المقاتلة جاء بعد ساعات من إعلان السعودية اعتراض طائرة مسيّرة قالت إنها كانت متجهة إلى مكة. ونقلت الصحيفة عن الحوثيين نفيهم استهداف المواقع الدينية، وتأكيدهم أن عملياتهم تركز على المنشآت النفطية والقواعد العسكرية السعودية.

ويمثل إسقاط «إف-15» وأسر طياريها تحولاً نوعياً في الحرب، ليس بسبب القيمة العسكرية والمالية للمقاتلة فقط، وإنما لأن الحادث يضرب إحدى الركائز التي بنت عليها السعودية تدخلها في اليمن منذ مارس/آذار 2015، وهي التفوق الجوي شبه الكامل وعدم امتلاك خصومها منظومات دفاعية قادرة على تهديد المقاتلات المأهولة.

وطوال سنوات الحرب، تمكن الحوثيون من إسقاط طائرات استطلاع ومسيّرات أمريكية وسعودية، لكن إسقاط مقاتلة مأهولة وأسر طاقمها يضع الحملة الجوية أمام واقع جديد. فإذا امتلكت الجماعة منظومات قادرة على تكرار العملية، فإن الطيران السعودي سيضطر إلى تغيير ارتفاعاته ومساراته وطبيعة الأهداف التي يقترب منها، ما يقلص فاعلية الغارات ويرفع كلفتها.

وتمنح عملية الأسر الحوثيين ورقة تفاوضية ثقيلة يمكن استخدامها في ملفات متعددة، من تبادل الأسرى ووقف الغارات إلى رفع القيود الاقتصادية وترتيبات التهدئة في البحر الأحمر. ويبدو أن الجماعة تتعامل مع الطيارين باعتبارهما رصيداً تفاوضياً، وهو ما قد يفسر عدم نشر صورهما أو الكشف عن هويتيهما حتى الآن.

وقد يكون الصمت السعودي محاولة لمنع الحوثيين من استثمار الحادث إعلامياً، أو لإتاحة المجال أمام اتصالات خلفية بشأن مصير الطيارين. غير أن استمرار الصمت لن يلغي أثر الواقعة، خصوصاً إذا قررت الجماعة لاحقاً نشر تسجيلات أو صور تثبت وجودهما في صنعاء.

ويأتي إسقاط المقاتلة وسط حملة جوية سعودية واسعة قالت الجماعة إنها بلغت أكثر من 450 غارة خلال أسبوع، نفذتها مقاتلات «إف-15» و«تايفون» انطلاقاً من قاعدتي خميس مشيط والطائف، واستهدفت تعز ولحج والجوف وحجة ومأرب وصعدة والبيضاء.

ولم تنشر السعودية إحصاءً بعدد طلعاتها أو الأهداف التي ضربتها، لكن اتساع الغارات وتعدد المحافظات المستهدفة يشيران إلى أن الرياض عادت إلى الحرب الجوية المكثفة، بعدما حاولت خلال الأعوام الماضية إدارة المواجهة من الخلف والاعتماد على القوات اليمنية المحلية الموالية لها.

وجاءت هذه العودة متأخرة، بعد أن تمكن الحوثيون من تحقيق مكاسب واسعة في الساحل الغربي، والوصول إلى المخا وذباب وجزيرة ميون والجزر والمواقع المشرفة على باب المندب. وتحولت الغارات السعودية إلى محاولة لاحتواء نتائج الانهيار، من دون وجود قوة برية متماسكة تستطيع استعادة الأرض والاحتفاظ بها.

وهنا تظهر النتيجة المباشرة للسياسة السعودية في اليمن. فالرياض لم تخسر باب المندب لأنها تفتقر إلى الطائرات أو الأسلحة أو الأموال، بل لأنها أمضت سنوات في إعادة هندسة خصوم الحوثيين وفق أولويات لا علاقة لها ببناء جبهة قادرة على حسم الحرب.

استهدفت السعودية القوات الجنوبية التي امتلكت حضوراً فعلياً على الأرض، ودخلت في صدام مع التشكيلات التي قاتلت الحوثيين والتنظيمات المتطرفة، وفككت بنية عسكرية تراكمت خبرتها منذ تحرير عدن والمخا والساحل الغربي. ثم استبدلت بها تشكيلات متفرقة تدين لها بالولاء، لكنها لم تثبت قدرتها على الصمود حين بدأ الهجوم الحوثي الواسع.

وبعد إضعاف الشريك المحلي الأكثر فاعلية، وجدت الرياض نفسها أمام فراغ لا يمكن للطيران ملؤه. فالمقاتلات تستطيع ضرب موقع أو مستودع أو منصة، لكنها لا تستطيع حراسة مدينة أو جزيرة أو مرتفع جبلي، ولا يمكنها تأمين باب المندب من الجو وحده.

وفي لحظة انكشاف هذا الفشل، بدأت إسرائيل تظهر بوصفها مصدراً بديلاً للمعلومات الاستخباراتية التي تحتاج إليها السعودية.

ونقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» أن السعودية وإسرائيل تجريان محادثات بوساطة «سنتكوم» لتقديم دعم استخباراتي إلى الرياض في مواجهة الحوثيين. وقالت الصحيفة إن الطرفين باتا يواجهان مصلحة مشتركة تتمثل في منع جماعة موالية لإيران من تثبيت نفوذها على باب المندب وتهديد المنشآت النفطية والملاحة في البحر الأحمر.

وتسمح قناة «سنتكوم» بتمرير المعلومات الإسرائيلية إلى السعودية من دون اتصال معلن بين الطرفين. فالرياض تحصل على صور الأقمار الاصطناعية وبيانات الرصد ومعلومات عن منصات الصواريخ وتحركات القيادات، بينما تتجنب الاعتراف رسمياً بالتعاون مع إسرائيل.

وبالنسبة إلى تل أبيب، يوفر التعاون فرصة للدخول على خط الحرب من موقع خلفي، من دون الانخراط فوراً في حملة عسكرية علنية قد تدفع الحوثيين إلى استئناف هجماتهم المكثفة على إسرائيل وميناء إيلات.

ولا تتعامل إسرائيل مع تقدم الحوثيين باعتباره مشكلة سعودية فقط. فالسيطرة على باب المندب تمنح الجماعة قدرة أكبر على تعطيل السفن المتجهة إلى إيلات، ومراقبة الطرق البحرية التي تربط إسرائيل بالمحيط الهندي وآسيا وشرق إفريقيا.

وقد تعرض ميناء إيلات خلال السنوات الماضية لخسائر كبيرة بسبب الهجمات الحوثية وتحول شركات الشحن إلى مسارات أخرى. ولذلك ترى تل أبيب أن منع الحوثيين من التحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ضرورة اقتصادية وأمنية، وليس خدمة مجانية تقدمها للسعودية.

لكن الإعلام الإسرائيلي يحاول أيضاً استثمار الأزمة لدفع الرياض نحو التطبيع. فقد نشرت «جيروزاليم بوست» افتتاحية دعت فيها إسرائيل إلى اغتنام الفرصة التي صنعتها الهجمات الحوثية، وقالت إن السعودية وإسرائيل لا تحتاجان إلى الاتفاق على كل قضايا المنطقة كي تدركا أن سيطرة ذراع إيرانية على ممر بحري وتهديد البنية النفطية يضران بمصالحهما معاً.

بهذا المعنى، لا تقدم إسرائيل نفسها بوصفها شريكاً أمنياً فقط، بل تحاول تحويل عجز السعودية أمام الحوثيين إلى مدخل سياسي لإعادة مسار التطبيع إلى الواجهة. فالرسالة الإسرائيلية واضحة: ما لم تستطع التحالفات العربية والإسلامية توفيره للرياض، تستطيع تل أبيب تقديمه عبر الاستخبارات والتقنيات العسكرية.

أما السعودية فتجد نفسها أمام مفارقة يصعب إخفاؤها. فقد أعلنت خلال الأشهر الماضية تأسيس تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات، يضم دولاً عربية وإسلامية من بينها مصر وتركيا وباكستان وجيبوتي، وقالت إن مهمته حماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

لكن هذا التحالف غاب عن أول اختبار حقيقي له. فلم يعلن تنفيذ عملية بحرية قرب باب المندب، ولم تنشر الدول الأعضاء قوات أو قطعاً عسكرية لمواجهة الحوثيين، ولم تظهر قيادة عمليات مشتركة تتعامل مع السيطرة على المخا وميون أو مع الهجمات التي طالت المصالح السعودية.

بل إن جيبوتي، وهي الدولة الواقعة على الضفة الغربية لباب المندب والعضو في التحالف السعودي، اختارت الابتعاد عن خطاب الرياض. وقال قائد قواتها البحرية العقيد أحمد جامع ضاهر لقناة «الجزيرة» إنه لا يوجد حتى الآن تهديد مباشر للملاحة الدولية في المضيق.

ولا يعني التصريح انسحاب جيبوتي رسمياً من التحالف، لكنه يكشف أن الدولة الأقرب إلى باب المندب لا تتبنى التوصيف السعودي للخطر، ولا تبدو مستعدة للانتقال من التنسيق السياسي إلى مواجهة عسكرية مع الحوثيين.

وتحاول جيبوتي حماية مصالحها الخاصة. فهي تعتمد على الموانئ والخدمات اللوجستية واستمرار حركة السفن، وتستضيف قواعد أمريكية وفرنسية وصينية ويابانية. وإعلان المضيق منطقة حرب سيضر باقتصادها ويرفع كلفة التأمين على السفن المتجهة إلى موانئها.

لكن هذا الحساب الجيبوتي يكشف أيضاً حدود التحالف الذي أنشأته الرياض. فالدول المنضمة وافقت على عنوان عام يتعلق بحماية الملاحة، لكنها لم تمنح السعودية تفويضاً باستخدام قواتها في حرب جديدة داخل اليمن.

مصر أيضاً أعلنت دعمها لأمن السعودية وحرية الملاحة بعد زيارة ولي العهد محمد بن سلمان إلى القاهرة ولقائه الرئيس عبدالفتاح السيسي، لكنها لم تتعهد بإرسال قوات أو الانضمام إلى حملة عسكرية.

وقالت وكالة «أسوشيتد برس» إن الدعم المصري سيبقى، على الأرجح، سياسياً ودبلوماسياً، وإن القاهرة تستطيع مساعدة الرياض في حشد التأييد العربي، لكنها لا تبدو راغبة في العودة إلى حرب اليمن.

أما تركيا وباكستان، فرغم التفاهمات الدفاعية التي تربطهما بالسعودية، لم تعلنا الاستعداد لضرب الحوثيين. وتدرك الدولتان أن المشاركة ستضعهما في مواجهة مع إيران وستجرهما إلى حرب لم تستطع السعودية حسمها طوال أكثر من عقد.

ومع غياب حلفائها المعلنين، اتجهت الرياض إلى إسرائيل عبر الغطاء الأمريكي. وهذه ليست علامة قوة، بل دليل على الفجوة التي تركها انهيار التحالفات المحلية والإقليمية التي بنتها المملكة ثم أضعفتها بخلافاتها وسوء إدارتها للحرب.

حتى الولايات المتحدة، الحليف العسكري الأهم للسعودية، لا تبدو راغبة في خوض حملة مباشرة لإخراج الحوثيين من باب المندب. فهي تقدم المعلومات والدعم الدفاعي، لكنها تحتفظ بتفاهم سابق مع الجماعة يمنع استهداف السفن الأمريكية، ولا تريد العودة إلى حرب جوية مرتفعة الكلفة قبل انتخابات التجديد النصفي.

وهكذا تحصل واشنطن على حماية مصالحها المباشرة، بينما تترك الرياض تواجه نتائج خياراتها في اليمن. أما إسرائيل فتملأ جزءاً من الفراغ الاستخباراتي، من دون تحمل مسؤولية استعادة الأرض أو حماية المدن الساحلية.

وفي الجانب الاقتصادي، بدأت آثار الهجمات تتجاوز البيانات العسكرية. وقالت وكالة «رويترز» إن السعودية عرضت شحنات نفط إضافية على مشترين آسيويين عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قبالة ميناء صحار العُماني، بعد تضرر خط أنابيب «شرق–غرب» وتوقف عمليات التحميل من ينبع.

وأضافت الوكالة أن «أرامكو» أبلغت بعض العملاء الآسيويين بتأخير شحنات، كما أخطرت عملاء أوروبيين بإلغاء تحميلات مقررة خلال سبتمبر، بالتزامن مع رفع معدلات التصدير من رأس تنورة والجعيمة داخل الخليج.

ويكشف اللجوء إلى المسار العُماني أن السعودية بدأت فعلياً إعادة ترتيب صادراتها، وأن الضربات الحوثية لم تعد حوادث أمنية يمكن احتواؤها ببيانات أو غارات انتقامية. لقد وصلت المواجهة إلى قلب النموذج الاقتصادي السعودي القائم على استمرار إنتاج النفط ونقله عبر طرق آمنة إلى الأسواق.

وكان خط «شرق–غرب» يمثل البديل الاستراتيجي لمضيق هرمز، لأنه ينقل النفط من الحقول الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر. لكن تضرره، بالتزامن مع وصول الحوثيين إلى باب المندب، جعل البديل نفسه تحت الضغط.

وتجد الرياض منافذها النفطية محاصرة بين خطرين مترابطين: إيران وحلفاؤها في مضيق هرمز، والحوثيون في البحر الأحمر. ولذلك لم تعد المسألة متعلقة بهجمات على مدن حدودية يمكن للدفاعات الجوية التعامل معها، بل بأمن الطاقة السعودي كله.

وفي محاولة لاستعادة الردع، توعد التحالف بقيادة السعودية بالرد بقوة على الهجمات الحوثية التي طالت عدداً من المدن والمنشآت. وقال المتحدث باسم التحالف تركي المالكي إن الدفاعات الجوية اعترضت طائرة مسيّرة جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور، مؤكداً أن أمن المشاعر المقدسة «خط أحمر».

ونفى الحوثيون استهداف مكة، واتهموا السعودية بمحاولة توظيف المقدسات في الحرب الإعلامية. وقالوا إن عملياتهم تستهدف القواعد العسكرية والمنشآت النفطية، وإن السعودية استخدمت ادعاء استهداف مكة لتوفير غطاء لتوسيع غاراتها على اليمن.

وتحولت الروايتان إلى جزء من المعركة. فالرياض تسعى إلى نقل الهجمات من إطار المواجهة العسكرية إلى إطار تهديد المقدسات والملاحة الدولية، بينما يحاول الحوثيون تقديم عملياتهم باعتبارها حصاراً انتقائياً يستهدف السعودية وسفنها ومنشآتها.

لكن التمييز الحوثي بين السفن السعودية وغيرها لا يمنح الملاحة ضمانات حقيقية. فوجود الصواريخ والقوارب المفخخة والطائرات المسيّرة والألغام في ممر ضيق يجعل جميع السفن عرضة للخطر، سواء كانت مستهدفة بصورة مباشرة أم لا.

وقد نقلت وسائل إعلام عن مصدر عسكري يمني أن الحوثيين بدأوا حفر خنادق ونشر ألغام في مناطق محيطة بباب المندب. ولم تُنشر أدلة مستقلة تثبت عملية التلغيم، لكن مجرد وجود هذه المخاوف يكفي لرفع تكاليف التأمين ودفع بعض الشركات إلى الابتعاد عن البحر الأحمر.

وأظهرت بيانات نقلتها «رويترز» استمرار عبور السفن في باب المندب، مع مرور 22 سفينة مقابل 24 في اليوم السابق. وهذا يؤكد أن المضيق لم يُغلق بالكامل، لكنه لا يعني أن الملاحة عادت إلى وضعها الطبيعي.

فالخطر بالنسبة إلى السعودية لا يتطلب إغلاقاً شاملاً للممر. يكفي أن يمتلك الحوثيون قدرة انتقائية على استهداف الناقلات المرتبطة بها، أو أن تتردد شركات النقل في تحميل النفط السعودي، حتى يتحول باب المندب إلى أداة ضغط مستمرة على اقتصاد المملكة.

ولذلك يمثل أسر الطيارين تطوراً بالغ الحساسية في هذه المرحلة. فالحوثيون لم يكتفوا بالضغط على المنشآت والموانئ والممرات البحرية، بل أظهروا قدرة على تهديد الطيران الذي تستخدمه السعودية لفرض تفوقها داخل اليمن.

وقد تدفع عملية الإسقاط الرياض إلى توسيع الغارات لاستعادة الردع أو البحث عن الطيارين، لكن نقلهما إلى صنعاء يجعل خيار الإنقاذ العسكري شديد الصعوبة. كما أن تكثيف الطلعات سيضع مزيداً من المقاتلات ضمن نطاق الدفاعات الحوثية، إذا كانت الجماعة قد حصلت بالفعل على منظومات أكثر تطوراً.

أما إسرائيل فستحاول استثمار الحادث وتصاعد التهديد لإقناع الرياض بأن تعاونها الاستخباراتي والأمني بات ضرورة. لكنها لن تقدم للسعودية حلاً للمشكلة الأساسية: غياب القوة المحلية القادرة على استعادة الأرض وتأمينها.

المعلومات الإسرائيلية تستطيع تحديد منصة صواريخ أو رصد مخزن أو متابعة تحركات قيادي، لكنها لا تستطيع استعادة المخا أو ميون أو تأمين جبال كهبوب والممرات المحيطة بباب المندب.

وهذه هي النقطة التي تحاول الرياض تجاوزها عبر المزيد من الغارات والمزيد من التحالفات الورقية. فالحرب في اليمن لم تكن في يوم من الأيام مشكلة نقص في الطائرات أو الذخائر أو المعلومات، بل مشكلة مشروع سياسي وعسكري أخفق في بناء حلفاء حقيقيين وحافظ على القوى الموالية له بقدر حاجته إليها ثم انقلب عليها حين تغيرت أولوياته.

لقد قاتلت القوات الجنوبية والساحلية الحوثيين وأبعدتهم عن باب المندب، قبل أن تدخل السعودية في مواجهة مع شركائها وتعيد تفكيك الخريطة العسكرية. وعندما انهارت الجبهات، اكتشفت الرياض أن البدائل التي صنعتها لا تستطيع الصمود، وأن التحالف البحري الذي أعلنت عنه لا يملك إرادة القتال.

وبدلاً من مراجعة هذه السياسة وإعادة بناء الجبهة المحلية، اتجهت السعودية إلى طلب المعلومات من إسرائيل عبر الولايات المتحدة. وهو خيار قد يمنحها قدرة أفضل على الرصد، لكنه لن يعالج الأسباب التي أوصلت الحوثيين إلى المضيق.

إسرائيل لديها مصلحة في حماية إيلات، والولايات المتحدة لديها مصلحة في حماية سفنها، ومصر لديها مصلحة في استمرار إيرادات قناة السويس، وجيبوتي لديها مصلحة في حماية موانئها. لكن أياً من هذه المصالح لا يتطابق تماماً مع هدف السعودية في حماية منشآتها النفطية واستعادة نفوذها في اليمن.

لهذا تقف الرياض اليوم في مواجهة أكثر عزلة مما توحي به بيانات تحالفاتها. تركيا وباكستان تفضلان الوساطة، ومصر تكتفي بالدعم السياسي، وجيبوتي تنفي وجود تهديد مباشر، والولايات المتحدة لا تريد حرباً جديدة، بينما تدخل إسرائيل من باب المعلومات بحثاً عن مكاسب أمنية وسياسية تتجاوز مساعدة السعودية.

أما الحوثيون فقد نقلوا المواجهة إلى مساحة أوسع. يسيطرون على مواقع مطلة على باب المندب، ويضغطون على صادرات النفط، ويضربون مدناً وقواعد سعودية، ويحتجزون طيارين سقطت مقاتلتهما في مأرب.

هذه الصورة لا تعني أن الجماعة أصبحت قادرة على حسم الحرب أو إدارة الممر البحري من دون تحديات، لكنها تؤكد أن كلفة إزاحتها ارتفعت، وأن السعودية تواجه خصماً أكثر تسليحاً وتنظيماً مما كان عليه عند بداية التدخل.

لقد دخلت السعودية اليمن عام 2015 وهي تعتقد أن التفوق الجوي والتحالف الإقليمي الواسع قادران على حسم الحرب خلال أسابيع. وبعد أكثر من أحد عشر عاماً، تبحث عن استخبارات إسرائيلية، وتعيد تصدير النفط عبر عُمان، وتلتزم الصمت على أسر طيارين، وتطالب مجلس الأمن بحماية ممر بحري كانت قوات محلية حليفة لها تؤمنه من البر.

وهذه ليست أزمة عسكرية طارئة، بل حصيلة سياسة فككت القوة التي كانت تستطيع مواجهة الحوثيين، ثم استبدلت بها تحالفات لا تقاتل واتفاقات لا تعمل عند الاختبار.

قد تساعد إسرائيل الرياض في تحديد الأهداف، وقد توفر «سنتكوم» قناة آمنة للتعاون، وقد تنجح الغارات في تدمير مواقع ومنصات. لكن كل ذلك سيبقى إدارة للخطر، لا استراتيجية لإنهائه.

فمن دون قوة برية محلية متماسكة، ومشروع سياسي يعيد بناء الثقة مع القوى التي أضعفتها السعودية، ستظل الطائرات تقصف من الجو بينما تتغير خريطة الأرض لمصلحة الحوثيين.

وستبقى «إف-15» التي سقطت في مأرب، وطياراها المحتجزان في صنعاء، والتعاون الاستخباراتي الجاري خلف الغطاء الأمريكي، علامات على مرحلة تحولت فيها السعودية من دولة تقود تحالفاً واسعاً في اليمن إلى دولة تبحث عن من يساعدها على احتواء النتائج التي صنعتها سياساتها.

تقارير عبرية: مواجهة الحوثيين تفتح باباً جديداً أمام مسار التطبيع السعودي–الإسرائيلي


جيبوتي تربك تحالف الرياض والحوثيون يعلنون إسقاط مقاتلة سعودية


العدد 180 من «اليوم الثامن» يفتح ملف انهيار التحالف السعودي في اليمن


الكابتن عفراء محبوب تعود إلى مجال الطيران بعد سنوات من الانتظار