تقارير
المضيق يشعل الجبهة..
إيران ترسل خبراء إلى باب المندب والحوثيون ينقلون الحرب إلى الرياض
رفض الرئيس دونالد ترامب طلباً سعودياً بالتدخل العسكري المباشر تاركاً المواجهة أمام احتمالات تصعيد مفتوح - وكالات
دخلت المواجهة بين السعودية وجماعة الحوثيين مرحلة أكثر خطورة، بعدما نقلت الجماعة هجماتها إلى العاصمة الرياض ووسعت دائرة الاستهداف لتشمل منشآت النفط ومدناً ومواقع عسكرية في مناطق متفرقة من المملكة، بالتزامن مع تقارير تحدثت عن وصول خبراء من الحرس الثوري الإيراني إلى المواقع التي سيطر عليها الحوثيون قرب باب المندب.
وأكدت السعودية أن الحوثيين أطلقوا صاروخاً باليستياً باتجاه الرياض في 19 سبتمبر/أيلول، وقال التحالف الذي تقوده المملكة إن الدفاعات الجوية اعترضت الصاروخ في وقت مبكر من صباح السبت. وسمع سكان العاصمة انفجارات، فيما شوهدت سحب دخان وألسنة لهب قرب مطار الملك خالد الدولي، من دون إعلان سعودي رسمي عن سقوط ضحايا أو وقوع أضرار مادية.
وقالت وكالة «رويترز»، نقلاً عن شاهد عيان، إن نيراناً ودخاناً أسود شوهدَا قرب المطار بعد دوي الانفجارات، بينما تحدثت صحيفة «الغارديان» البريطانية عن حريق كبير واضطراب رافق الهجوم. وذهبت صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى القول إن مستودعاً لوقود الطائرات تعرض للإصابة، غير أن السلطات السعودية لم تؤكد هذه الرواية، كما لم تتوافر صور موثقة أو معلومات مستقلة تحسم طبيعة الموقع الذي اشتعلت فيه النيران.
وأعلنت جماعة الحوثيين مسؤوليتها عن الهجوم، وقالت إنها استخدمت صواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيّرة لضرب ما وصفته بمواقع حساسة في الرياض. كما زعمت تنفيذ هجمات على أهداف في ينبع والطائف وبيش وجزيرة فرسان، بينها منشآت نفطية في ينبع قالت إن حرائق اندلعت داخلها.
وشككت وكالة «أسوشيتد برس» في إمكان التحقق من حصيلة الهجمات التي أعلنتها الجماعة، موضحة أن الرواية السعودية أكدت اعتراض الصاروخ المتجه إلى الرياض، لكنها لم تقدم تفاصيل كافية عن مصدر الحريق قرب المطار أو نتائج الهجمات المعلنة على بقية المدن. ولم تنشر شركة أرامكو أو وزارة الطاقة السعودية بيانات تثبت إصابة منشآت ينبع بالصورة التي تحدث عنها الحوثيون.
ويكتسب استهداف ينبع دلالة تتجاوز الأثر العسكري المباشر، إذ تمثل المدينة المنفذ الغربي لخط أنابيب «شرق–غرب»، الذي ينقل النفط من الحقول والمصافي في المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر. وقد ارتفعت أهمية الخط بالنسبة إلى الرياض بعدما تضررت حركة الطاقة في مضيق هرمز، ما جعل منشآت ينبع جزءاً أساسياً من قدرة السعودية على المحافظة على صادراتها بعيداً عن الخليج.
وأوضحت صحيفة «فايننشال تايمز» أن الهجوم على الرياض هو الأول منذ تجدد المواجهات، ورأت أن توسيع بنك الأهداف يعكس محاولة حوثية لرفع كلفة الحرب على المملكة ودفعها إلى تقديم تنازلات سياسية واقتصادية. كما ربطت الصحيفة بين الهجمات داخل السعودية والمكاسب التي حققها الحوثيون على الساحل الغربي لليمن، حيث باتت الجماعة أكثر قرباً من خطوط الملاحة في باب المندب.
وفي تطور متصل، نقلت وسائل إعلام عربية عن مصادر عسكرية حوثية أن خبراء من الحرس الثوري الإيراني وصلوا إلى منطقة باب المندب، وزاروا ميناء المخا ومطارها وجبل النار وجزيرة زقر، بهدف تقييم مواقع الرادارات والإشراف على تحصينات وأنفاق عسكرية.
وقالت صحيفة «القدس العربي» إن الخبراء الإيرانيين قدموا من مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين في الحديدة، وإن الزيارة تركزت على المواقع التي يمكن استخدامها لمراقبة السفن أو نشر معدات إنذار واستهداف قرب المضيق. غير أن الصحيفة نسبت معلوماتها إلى مصادر لم تكشف هوياتها، ولم تقدم السلطات الإيرانية أو الحوثية إعلاناً رسمياً يؤكد وجود خبراء من الحرس الثوري في المنطقة.
ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل الزيارة، لكن توقيتها ينسجم مع المخاوف السعودية والغربية من محاولة تحويل التقدم الحوثي على اليابسة إلى قدرة دائمة على مراقبة الملاحة واستهداف السفن. فالمشكلة بالنسبة إلى الرياض لا تقتصر على وجود مقاتلين في المخا أو الجزر القريبة، بل تمتد إلى احتمال نشر رادارات وصواريخ ساحلية وطائرات مسيّرة تمنح الجماعة قدرة أكبر على التحكم في الممر البحري.
وعلى الرغم من اتساع المخاطر، لا توجد أدلة على أن الحوثيين أغلقوا باب المندب أمام الملاحة الدولية. وقال وزير خارجية جيبوتي، في مقابلة مع قناة «الجزيرة»، إن السفن لا تزال تعبر المضيق في الاتجاهين، وإن بلاده لم ترصد توقفاً عاماً في حركة الملاحة أو فرض رسوم على السفن العابرة.
لكن استمرار الحركة لا ينفي تغير ميزان التهديد. فوجود قوة مسلحة تمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة قرب أحد أهم الممرات البحرية يسمح لها بانتقاء السفن المستهدفة ورفع كلفة التأمين وإجبار الشركات على تغيير مساراتها، حتى من دون إعلان إغلاق المضيق. ويكفي وقوع هجمات محدودة أو نشر منصات صاروخية مكشوفة لدفع بعض شركات الشحن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.
وفي صنعاء، اتهم الحوثيون السعودية بشن غارات واسعة على العاصمة ومناطق أخرى خاضعة لسيطرتهم، وقالت وسائل إعلام تابعة للجماعة إن القصف استهدف مواقع عسكرية ومدنية. ولم تنشر الرياض حصيلة تفصيلية لعملياتها، كما تعذر التحقق من أعداد الغارات والخسائر التي أعلنتها وسائل الإعلام الحوثية، في ظل القيود المفروضة على التغطية المستقلة داخل مناطق سيطرة الجماعة.
وامتد القلق إلى خليج عدن، حيث تخشى شركات الملاحة اتساع نطاق الهجمات من البحر الأحمر إلى الطرق المؤدية إلى المضيق. وفي عدن، أعلنت الشرطة إحباط مخطط لاستهداف قوات أمنية وعسكرية ومنشآت حيوية، والقبض على مشتبه به بحوزته عبوة ناسفة، لكن الجهات الأمنية لم تقدم دليلاً يربط المخطط مباشرة بالحوثيين.
وتحاول السعودية احتواء التصعيد عبر تحركات دبلوماسية وأمنية متزامنة. وقالت وكالة «أسوشيتد برس» إن الرياض طلبت دعماً في مجال الدفاع الجوي من بريطانيا وفرنسا وباكستان ومصر، في ظل ارتفاع معدل استخدام الصواريخ الاعتراضية واتساع رقعة المدن والمنشآت التي تحتاج إلى الحماية.
كما قالت وكالة «رويترز» إن تركيا أبدت استعدادها لتلبية احتياجات عسكرية وتقنية سعودية في إطار اتفاق الدفاع المشترك الذي يضمها مع المملكة وباكستان. وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان التزام بلاده بمساندة السعودية، لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام الحل الدبلوماسي ولم يعلن مشاركة تركية في عمليات عسكرية داخل اليمن.
أما باكستان فأكدت التزامها بالدفاع عن المملكة إذا تعرض أمنها لخطر مباشر، من دون إعلان تفعيل آلية الدفاع الجماعي أو إرسال قوات للمشاركة في الحرب. ويعكس هذا الموقف حرص إسلام آباد على طمأنة الرياض، مع تجنب التورط في مواجهة مفتوحة مع الحوثيين وإيران.
وفي المقابل، قالت «رويترز» إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض طلباً سعودياً للتدخل العسكري المباشر ضد الحوثيين، رغم استمرار التعاون الاستخباراتي والأمني بين واشنطن والرياض. ويشير الموقف الأمريكي إلى أن إدارة ترامب تريد حماية السفن والمصالح الأمريكية ومنع انهيار أمن الملاحة، لكنها لا تبدو مستعدة لخوض حملة جديدة هدفها استعادة المخا والجزر والمواقع الساحلية لمصلحة القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية.
وتسعى الرياض، بالتوازي، إلى استخدام النفوذ الصيني لدى إيران. وكشفت «رويترز»، نقلاً عن ثلاثة مصادر إيرانية مطلعة، أن السعودية ناشدت بكين التدخل، وأن الصين طلبت سراً من طهران استخدام نفوذها لكبح الحوثيين بعد الهجوم العسكري الذي نفذته الجماعة على الساحل الغربي.
وأوضحت الوكالة أن بكين تخشى اضطراب باب المندب في وقت تواجه فيه إمدادات الطاقة والتجارة الآسيوية ضغوطاً متزايدة في مضيق هرمز. وتمثل الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني وشريكاً اقتصادياً رئيسياً لطهران، ما يمنحها أدوات ضغط لا تمتلكها كثير من الدول التي تواصلت معها السعودية.
لكن التحرك الصيني بقي بعيداً عن العلن. فلم تنشر وزارة الخارجية الصينية تفاصيل عن الطلب السعودي، كما لم تعلن إيران قبولها الضغط على الحوثيين. ويعكس الصمت رغبة بكين في حماية طرق الطاقة من دون الظهور طرفاً في الحرب، فيما تحاول طهران المحافظة على علاقتها بالصين من غير التخلي عن الورقة الحوثية التي تمنحها نفوذاً على البحر الأحمر والسعودية.
وقدمت وسائل الإعلام الإيرانية الهجمات الحوثية باعتبارها رداً على الغارات والحصار السعودي. ونشرت وكالة «تسنيم» تصريحات للقيادي الحوثي محمد الفرح قال فيها إن استعانة السعودية بالولايات المتحدة وإسرائيل لن تنقذها، وإن الجماعة ستواجه «الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد». وهذه التصريحات تعكس الخطاب السياسي للحركة ولا تقدم دليلاً على نتائج الضربات أو حجم الأضرار داخل المملكة.
وانعكس الهجوم على الرياض سريعاً على الأسواق. وقالت «رويترز» إن المؤشر السعودي تراجع بنسبة 0.5 في المئة، وهبط سهم أرامكو 0.6 في المئة، بينما فقد مؤشر قطر 0.9 في المئة. وتظهر هذه التحركات أن الأثر الاقتصادي للهجمات لا يتوقف على الخسائر المادية، إذ يكفي وصول الإنذارات إلى العاصمة أو ظهور دخان قرب المطار لرفع مستوى القلق في أسواق الطاقة والطيران والتأمين.
ويكشف التصعيد الأخير مفارقة واضحة في وضع السعودية: فالمملكة التي قادت منذ عام 2015 تحالفاً عسكرياً واسعاً في اليمن، باتت اليوم تبحث عن دعم أمريكي وأوروبي وتركي وباكستاني وصيني، إلى جانب قنوات اتصال غير مباشرة مع إسرائيل، لمواجهة جماعة توسعت بعد تفكك المعسكر المحلي المناهض لها.
وكانت القوات الجنوبية والساحلية تشكل الحاجز البري الأبرز أمام الحوثيين في محيط باب المندب. لكن إضعاف هذه القوات خلال الحرب السعودية على الجنوب مطلع العام، والخلافات بين الرياض وأبوظبي، وانسحاب تشكيلات من جبهات الساحل، تركت فراغاً استغلته الجماعة للوصول إلى المخا والجزر والمواقع المشرفة على المضيق.
ولا تستطيع منظومات الدفاع الجوي أو المعلومات الاستخباراتية وحدها تغيير هذه المعادلة. فقد تنجح في اعتراض صاروخ متجه إلى الرياض أو كشف منصة قرب الساحل، لكنها لا توفر قوة برية قادرة على استعادة الموانئ والجزر وتأمين المرتفعات المطلة على خطوط الملاحة.
وبذلك تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد. الحوثيون يحاولون تحويل سيطرتهم الساحلية إلى نفوذ سياسي واقتصادي، وإيران تستفيد من الضغط على السعودية والتجارة الدولية، بينما تواجه الرياض نتائج انهيار التحالفات المحلية التي بنت عليها حربها طوال عقد. أما القوى الدولية، فتتحرك لحماية مصالحها ومنع إغلاق الممرات البحرية، من دون أن تبدي استعداداً واضحاً لتحمل كلفة حرب جديدة تعيد رسم خريطة السيطرة على الأرض.
المصادر: وكالة «رويترز»، وكالة «أسوشيتد برس»، صحيفة «فايننشال تايمز»، صحيفة «الغارديان»، صحيفة «وول ستريت جورنال»، صحيفة «القدس العربي»، قناة «الجزيرة»، ووكالة «تسنيم» الإيرانية.