تقارير

حرب المطارات تفتح أبواب التصعيد..

الحوثيون يعطّلون أهم مطارات السعودية والرياض تدفع نحو تصنيف الجماعة إرهابياً

مطار الرياض الدولي - ارشيف

الرياض

دخلت المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر خطورة، بعدما نجحت الجماعة اليمنية في تعطيل مطار الملك خالد الدولي في الرياض، ودفعت شركات طيران إقليمية ودولية إلى إلغاء رحلاتها أو تعليقها، بالتزامن مع تهديد صريح باعتبار المطارات السعودية أهدافاً عسكرية ما دامت الغارات على مناطق سيطرتها مستمرة.

ولم يعد التصعيد محصوراً في تبادل الصواريخ والغارات على منشآت عسكرية بعيدة عن التجمعات السكانية، بل انتقل مباشرة إلى المطارات المدنية وحركة الطيران والطاقة، في تطور يضع السعودية أمام معركة استنزاف مختلفة عن الحرب التي قادتها منذ مارس/آذار 2015.

وخلال أقل من أسبوع، تعرض مطار الملك خالد الدولي لثلاث موجات من الهجمات. وأكدت السلطات السعودية مقتل ثلاثة مواطنين في ضربات الخميس، قبل أن تسفر ضربة السبت عن مقتل 12 شخصاً وإصابة 309 آخرين، وفق الحصيلة الرسمية الأولية.

وأفادت وكالة «أسوشيتد برس» لاحقاً بوفاة مواطن هندي متأثراً بجراحه، ما يرفع الحصيلة إلى 13 قتيلاً. وضمت قائمة الضحايا سعوديين ومواطنين من الولايات المتحدة وبنغلاديش والأردن وفلسطين وسوريا والسودان ومصر والهند.

وفي أحدث تطور، أعلن التحالف الذي تقوده السعودية، الأحد، أن مقذوفاً مجهولاً أصاب صالة المسافرين رقم أربعة في مطار الملك خالد وأدى إلى اندلاع حريق، بالتزامن مع اعتراض صاروخ كروز في محيط المطار. ولم تعلن السلطات فوراً حجم الأضرار أو وقوع إصابات جديدة. 

وأدت الهجمات إلى إغلاق المطار وتمديد تعليق الرحلات، بينما ألغت شركات طيران إماراتية وخليجية ودولية مئات الرحلات المتجهة إلى الرياض والقادمة منها. وأظهرت بيانات تتبع الرحلات إلغاء أكثر من 600 رحلة، شملت 313 رحلة وصول و293 رحلة مغادرة، فيما أعلنت شركات استمرار تعليق بعض الرحلات حتى 13 أكتوبر/تشرين الأول. 

كما قررت السلطات السعودية تحويل الدراسة في الرياض إلى نظام التعليم عن بُعد لمدة أسبوع، في إجراء يعكس مستوى القلق من استمرار الضربات، بينما أصدرت سفارات أجنبية تحذيرات لرعاياها ودعتهم إلى تجنب محيط المطارات والمنشآت الحيوية.

وأعلن الحوثيون أن المجال الجوي السعودي بات ضمن نطاق عملياتهم، ووجهوا تحذيراً إلى شركات الطيران والعاملين والمسافرين من استخدام مطارات المملكة، مع استثناء مطاري مكة والمدينة. كما حملوا السلطات السعودية مسؤولية الضحايا، وقالوا إن عمليات الاعتراض الفاشلة تسببت في سقوط قتلى وجرحى، وهي رواية لم تؤكدها جهة مستقلة.

لكن استمرار وصول الصواريخ والمقذوفات إلى محيط مطار العاصمة، بعد إعلان السعودية تنفيذ مئات الغارات على منصات إطلاق الحوثيين ومخازنهم، وضع كفاءة الدفاعات الجوية السعودية أمام اختبار قاسٍ، وأظهر أن الحملة العسكرية لم تنجح حتى الآن في تعطيل قدرات الجماعة الصاروخية.

وقالت صحيفة «وول ستريت جورنال» إن الضربة التي استهدفت المطار تسببت في أضرار كبيرة في الصالتين الثالثة والرابعة، وأربكت الاتصالات وحركة التشغيل. ولفتت إلى أن الهجمات دفعت دولاً غربية إلى تشديد تحذيرات السفر، في وقت تستعد فيه الرياض لاستضافة فعاليات دولية مرتبطة بالطاقة والاستثمار. 

وبحسب صحيفة «واشنطن بوست»، لم يصدر نظام الإنذار في المطار تحذيراً قبل الضربة الأكثر دموية، فيما وصف المتحدث باسم التحالف تركي المالكي الهجوم بأنه «جريمة حرب مكتملة الأركان»، متوعداً برد عسكري واسع

وفي موازاة التهديد بالرد، دفعت الرياض دبلوماسياً نحو التعامل الدولي مع الحوثيين باعتبارهم تنظيماً إرهابياً عابراً للحدود، وليس طرفاً محلياً في الحرب اليمنية. وتسعى السعودية إلى تحويل الإدانات التي صدرت بعد استهداف المطار إلى إجراءات عقابية أوسع تشمل تشديد القيود المالية والسياسية على الجماعة وشبكات تسليحها وتمويلها.

غير أن التحرك السعودي يواجه مفارقة سياسية واضحة؛ فالرياض تفاوضت طوال السنوات الماضية مع الحوثيين بصورة مباشرة، وتعاملت معهم باعتبارهم طرفاً قادراً على تقديم ضمانات أمنية للحدود السعودية، قبل أن تعود اليوم إلى المطالبة بعزلهم وتصنيفهم دولياً بعد انهيار التهدئة وانتقال الصواريخ إلى قلب العاصمة.

وقالت مصادر يمنية مقربة من الجماعة في صنعاء لـ«اليوم الثامن» إن نحو 400 جندي وضابط سعودي، بينهم ستة طيارين، وقعوا في أسر الحوثيين منذ بداية الحرب في مارس/آذار 2015.

وبحسب المصادر، لا يوجد جميع هؤلاء الأسرى في موقع واحد، كما أن بعضهم أُسر خلال عمليات حدودية ومعارك برية أو بعد إسقاط طائرات ومروحيات شاركت في الحرب. وأكدت المصادر أن ملفهم ظل بعيداً عن التداول الإعلامي نتيجة اتصالات ومفاوضات غير معلنة جرت خلال مراحل مختلفة من الصراع.

وقالت المصادر إن الأزمة الحالية لم تبدأ من التطورات الميدانية في باب المندب وحدها، بل جاءت نتيجة تنصل السعودية من التزامات مرتبطة بخارطة الطريق والملف الإنساني، بما في ذلك المرتبات وفتح المنافذ وتبادل الأسرى والإفراج عن المحتجزين.

وأكدت أن الحوثيين أبلغوا الوسطاء، خلال جولات التفاوض السابقة، أن استمرار تعطيل التفاهمات سيعيد الحرب إلى داخل السعودية، وأن الجماعة لن تقبل ببقاء التهدئة من طرف واحد بينما يستمر الحصار وتتوقف الإجراءات المتفق عليها.

وتمنح معلومات الأسرى التصعيد بعداً إضافياً، إذ تمتلك الجماعة ورقة تفاوضية شديدة الحساسية بالنسبة إلى الرياض، خصوصاً مع وجود ضباط وطيارين ضمن المحتجزين، وفق مصادر «اليوم الثامن». ويمكن أن يصبح هذا الملف جزءاً من أي مفاوضات طارئة لوقف الهجمات، أو أداة ضغط إذا استمرت السعودية في توسيع غاراتها.

ولم يصدر عن السلطات السعودية إعلان شامل يحدد عدد جنودها المفقودين أو الأسرى في اليمن منذ عام 2015، كما لم تقدم الجماعة قائمة علنية كاملة بأسمائهم ورتبهم وظروف أسرهم. لكن تبادل الأسرى ظل أحد الملفات التي ناقشتها الوساطات العُمانية والأممية بالتوازي مع خارطة الطريق.

وتقول مصادر «اليوم الثامن» إن الرياض كانت تراهن على فصل أمنها الداخلي عن بقية ملفات التسوية اليمنية؛ أي الحصول على ضمانات بوقف الصواريخ والهجمات الحدودية، من دون تنفيذ جميع الالتزامات الاقتصادية والإنسانية والسياسية التي طالب بها الحوثيون.

لكن الجماعة قلبت هذه المعادلة بعد تجدد الحرب، وربطت أمن المطارات والمنشآت النفطية السعودية بوقف الغارات وتنفيذ التفاهمات السابقة، ما وضع الرياض أمام خيارين مكلفين: العودة إلى المفاوضات وتقديم تنازلات، أو الاستمرار في حملة عسكرية لا توجد ضمانات بأنها ستقضي على الترسانة الحوثية.

واختارت السعودية، حتى مساء الأحد، التصعيد. وتوعد مسؤولون في التحالف بإشعال النيران في مناطق سيطرة الحوثيين واستهداف منصات الصواريخ ومراكز القيادة والمخازن والبنية العسكرية للجماعة.

وتعرضت صنعاء وصعدة والحديدة والجوف ومأرب وحجة وعمران وتعز لموجات من الغارات. وقال الحوثيون إن عدد الضربات بلغ في بعض الأيام أكثر من 150 غارة، بينما أعلنت القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية استهداف نحو ألفي هدف ثابت ومتحرك منذ بدء عملية «فجر اليمن».

ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه الأرقام أو من حصيلة الخسائر التي أعلنتها القوات المهاجمة. واستمرار الهجمات على الرياض يشير إلى أن الغارات لم تتمكن من تدمير منظومة الصواريخ والمسيّرات أو قطع سلسلة القيادة والسيطرة الحوثية.

وامتد القصف، الأحد، إلى مطار صنعاء الدولي. وقالت قناة «المسيرة» إن السعودية استهدفت المطار بغارة جوية، فيما نقلت «رويترز» الخبر من دون أن تتمكن من تحديد حجم الأضرار، ولم يصدر تعليق سعودي فوري.

ويفتح إدخال مطاري الرياض وصنعاء في دائرة الاستهداف المتبادل باباً شديد الخطورة أمام حرب المطارات، خصوصاً أن استمرارها سيقيد حركة المدنيين ويرفع كلفة التأمين ويجبر شركات الطيران على الابتعاد عن الأجواء السعودية واليمنية.

وعلى الأرض، لم تؤدِّ كثافة الغارات إلى وقف الهجوم الحوثي في محافظة تعز. وقالت مصادر ميدانية إن الجماعة كثفت عملياتها جنوب المدينة وغربها، وتقدمت في محاور جبل حبشي ونجد قسيم والمناطق المطلة على خط وادي الضباب، أحد المداخل الرئيسية لمركز تعز.

وأفادت المصادر بأن الحوثيين اقتربوا من مركز المدينة بعد توسيع سيطرتهم في محيط الضباب، بينما قالت القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية إنها أحبطت هجوماً حوثياً على الطريق وأجبرت المهاجمين على التراجع.

ولا تزال الروايات متضاربة بشأن حدود السيطرة في وادي الضباب. فوسائل إعلام موالية للسعودية تحدثت عن صد الهجوم، في حين تشير مصادر ميدانية ودراسات متابعة إلى أن الحوثيين يواصلون مهاجمة المواقع الواقعة جنوب تعز وغربها ضمن محاولة لإكمال تطويق المدينة وقطع منافذها نحو لحج وعدن. 

وتأتي معركة الضباب بعد سيطرة الحوثيين على التربة ومناطق واسعة في الحجرية، وهي مكاسب منحتهم قدرة أكبر على الضغط على خطوط الإمداد، وقرّبتهم من المداخل الجنوبية والغربية للمدينة.

وإذا تمكنت الجماعة من السيطرة الكاملة على خط الضباب، فإن تعز ستواجه حصاراً أكثر قسوة، وستفقد القوات المتمركزة داخلها واحداً من أهم منافذها باتجاه الجنوب. كما سيمنح ذلك الحوثيين فرصة لإعادة توجيه قواتهم نحو لحج أو تثبيت طوق عسكري حول المدينة تمهيداً لمفاوضات بشروط أفضل.

أما في باب المندب، فتقول القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية إنها استعادت مناطق في ذوباب والوازعية وصدت محاولات تسلل قرب مطار ذوباب. وأعلنت استهداف أكثر من 1900 موقع وقتل أكثر من 1100 مقاتل حوثي وإعطاب 130 آلية، وهي حصيلة صادرة عن المتحدث العسكري ولم تخضع للتحقق المستقل.

وفي المقابل، ما تزال تقارير غربية تشير إلى احتفاظ الحوثيين بمواقع استراتيجية في الساحل الغربي وبالقرب من المضيق، رغم التقدم الذي أعلنته القوات المدعومة سعودياً. وقالت صحيفة «الغارديان» إن الجماعة ما تزال تسيطر على مواقع مهمة قرب باب المندب، بما يبقي قدرتها على تهديد حركة الملاحة قائمة.

ويكشف مسار الحرب خلال أسبوع أن السعودية لم تنجح في فرض معادلة عسكرية جديدة. فقد بدأت العملية بإعلان استعادة صنعاء وإنهاء سيطرة الحوثيين، لكنها وجدت نفسها تدافع عن مطار العاصمة وتطلب من الحلفاء تعزيز دفاعاتها الجوية، بينما واصلت الجماعة التقدم في تعز وتهديد الملاحة والمنشآت النفطية.

كما لم تتحول الإدانات الدولية للهجمات إلى مشاركة عسكرية مباشرة. وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن واشنطن تدرس الانضمام إلى العمليات ضد الحوثيين، لكن الإدارة الأمريكية لم تعلن حتى الآن قراراً بذلك، واكتفت بتبادل المعلومات والمساعدة في التخطيط والدفاع الجوي.

وتخشى واشنطن أن يؤدي تدخلها المباشر إلى رد حوثي يستهدف السفن الأمريكية أو يغلق باب المندب، بالتزامن مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. وهذا السيناريو سيضع طريقين رئيسيين للطاقة والتجارة العالمية تحت ضغط متزامن.

ولا يقل الخطر الداخلي عن البعد الإقليمي. فقد تجاوز عدد النازحين منذ تجدد المعارك 200 ألف شخص، وفق المنظمة الدولية للهجرة، بينما فر آلاف اليمنيين بحراً نحو جيبوتي والصومال. كما تسببت المواجهات في تعطيل الطرق ورفع أسعار الغذاء والوقود واتساع المناطق غير الآمنة.

وتقف السعودية الآن أمام نتائج سياسة متناقضة: تفاوض الحوثيين عندما تريد تأمين حدودها، ثم تصنفهم خطراً إرهابياً عندما تضرب صواريخهم الرياض؛ تعلن حرباً لاستعادة صنعاء، لكنها تخوض المعركة بقوات يمنية منقسمة؛ وتتوعد بتدمير قدرات الجماعة، بينما تفشل دفاعاتها في منع تكرار الهجمات على أهم مطاراتها.

أما الحوثيون، فقد نجحوا في نقل الحرب من الجبال والحدود إلى قطاع الطيران والاقتصاد السعودي، لكن استهداف المطارات المدنية وسقوط الضحايا يضع الجماعة أمام مسؤولية قانونية وإنسانية، ويوفر للرياض مادة سياسية لحشد تأييد دولي لعزلها وتصعيد العمليات ضدها.

وبين تهديد السعودية بإشعال مناطق الحوثيين وتحذير الجماعة من استخدام مطارات المملكة، تتجه الحرب نحو مستوى مفتوح يصعب التحكم في حدوده. فالضربات الجوية قد تتسع، والهجمات على السعودية قد تصبح أكثر كثافة، ومعركة تعز قد تنتقل من محيط المدينة إلى داخلها.

وتظل خارطة الطريق، وفق مصادر «اليوم الثامن»، خلفية أساسية لهذه المواجهة. فالتصعيد العسكري ليس منفصلاً عن المفاوضات المتوقفة، وملف الأسرى ليس بعيداً عن حسابات الردع، والهجمات على المطارات ليست مجرد عمليات انتقامية، بل وسيلة لإجبار الرياض على العودة إلى التفاهمات وتنفيذ التزامات تقول الجماعة إن السعودية تراجعت عنها.

وهكذا انتهى الأسبوع الأول من عملية «فجر اليمن» من دون حسم عسكري: الحوثيون لم يفقدوا قدرتهم الصاروخية، والسعودية لم تستعد السيطرة المؤكدة على كامل باب المندب، وتعز أصبحت أكثر عرضة للحصار، ومطار الرياض تحول من بوابة دولية آمنة إلى هدف متكرر في حرب كانت المملكة تعتقد أنها تستطيع إبقاءها داخل الحدود اليمنية.

الاقتصاد السعودي في مرمى نيران يمنية.. خسائر متصاعدة واستنزاف عسكري


ملف الإعدامات على طاولة غوتيريش.. رجوي تطالب بمبادرة أممية عاجلة وملاحقة مسؤولي طهران


باكستان تتجاوز «خطوط الدعم».. مقاتلات إسلام آباد تدخل الحرب الجوية ضد الحوثيين


رحيل وزير النفط الإيراني يعيد شبكات الوسطاء ومليارات العائدات إلى الواجهة