الأدب والفن
قصة قصيرة..
الحب وطبيبي الجراح
الممثل الأمريكي باتريك ديمبيسي الذي مثل دور طبيب المخ والأعصاب (ديريك شيبرد)
كنتُ ساذجة جدًا إلى الحدّ الذي دَفعَني لحبِ أول رجل قابلته في حياتي , كان طبيبًا في منتصف ثلاثينياته يعملُ في مستشفى المدينة وكنتُ أنا المراهقة الهزيلة البائسة مريضته لأشهر طويلة , بعد ثمانية أشهر من العلاج المكثف يائس الرجل من شفائي , وعرض عليّ الزواج , ضحكتُ في وجهه, قصصت له قصة أحد شيوخ القرآن كان ضليعًا في إخراج الجن وفي إحدى المرات أعجبته فتاة قدم بها أهلها إلى المدينة للعلاج إثر جني تلبس بها وهي ترعى الأغنام في إحدى القرى البعيدة من ريف لحج , فأقنع الرجل والدها أن الجني لن يخرج أبدًا إلا إذا تزوجها فتزوجها وخرج الجني حسب قوله وشفيت الفتاة تمامًا .
أضحكته قصتي هذه وأخذ قائلاً ممازحًا لي أنني أيضًا لن اُشفى إلا إذا تزوجته لكنّي قابلتُ طلبه بسخرية مفرطة من مشاعره لا أدري من أين ورثتها , تعذرتُ بأنه عليّ أن أبدأ دراستي الجامعية و لسه ( صغيرة على الحب ) أو الزواج على طريقة سعاد حسني .
في الحقيقة كانت صحتي لاتؤهلني للمداومة بشكل يومي في الجامعة وتلقي الدروس , عرّض عليّ بدوره أن يقوم بشرح كل المحاضرات التي ستفوتني وأنّ أنسق مع الجامعة فقط للجلوس للإمتحان . لم أكن متحمسة مثله لفكرة الجامعة أو الزواج أو حتى الشفاء من مرضي , قررتُ مسبقًا أن أؤجل دراستي الجامعية عام أو عامين حتى أستعيد صحتي , أما الزواج فكنتُ أقول لو كتب الله لي عمرًا لن أتزوج إلا حين ابلغ الثلاثين , كنت أخطط أن أقضي عشرينيات عمري في الاكتشاف والمغامرة , ارتكاب بعض الحماقات هنا وهناك والتردد على المستشفيات للعلاج أيضًا .
لكن هذا الرجل أثار اهتمامي بشكل غريب فأحببته لا أدري شكل هذا الحب لكنه كان جارفًا بالنسبة لي , جميلًا وعميقًا كفاية لخوض الحياة واستعادة عافيتي لكنّ بالنسبة له كانت علاقة مزعجة جدًا قابلها بالكثير من الحب والتحمل والصبر على حساسيتي المفرطة , عصبيتي , مزاجيتي المتعبة , غيرتي المجنونة , تفاهتي وضحالة ثقافتي في تلك الفترة أمام ثقافته , اتهاماتي المتواصلة له أنه كاذب ولا يحبني وانه يبادلني مجرد مجرد شفقة ومؤاساة لا أكثر لفتاة تحالفت جيناتها الوراثية ضدها واهدتها كابوس مرضي لن ينتهي , ناهيك تحمله ورغبته في تحمل تبعات مرضي المرهقة جدًا ماديًا ومعنويًا لمن يفكر أن يصبح شريك حياتي .
لكني اكتشفتُ بعدها أنه أكثر جنون وسذاجة مني حين عرض علي الزواج للمرة الأخيرة مهددًا بقطع علاقتنا وللأبد , كلمة ( للأبد) استفزتني ساعتها بطريقة ما فرفضته بشراسة وللأبد أيضًا على طريقته .
أعلم أن مرضي لاشفاء منه نوع غير مفهوم من التهاب الدم الحاد ليس ( لوكيمييا) وليس نوع من أنواع ( الأنيميا) مرض ( دون اسم ) . مرض وراثي لكنّه توقف عن الحدوث وإصابة أحدهم في جيلين قبلي حسب تتبعي شجرة العائلة وعاد بضراوة واختارني بعناية فائقة من تلك الشجرة الممتدة . مرضي هذا جعلني انبش في تلك الشجرة ونسب القبيلة لآخر جد . في أحد الأيام أحضر لي كتاب تاريخ فتح أحد صفحاته وقال لي : يعود نسبكم لآل البيت جدكم الرسول .
- يعني كفار قريش طلعوا أهلنا , و الحوثيون الذين يحاربهم النظام الآن في صعدة أهلنا أيضًا , لاتهمني هراءات النسب هذه ولست مؤمنة بها وأمقتها بشدة لكن ما يهمني تاريخ المرض , ربما كانت هناك إصابات في ذلك العصر , هل تم شفائها ؟ ماذا شربوا للشفاء ؟ لبن الإبل أم بولها ..! وغرقنا معاً في ضحك لا ينتهي .
في ليالي الألم الطويلة تشعر ُ وكأنّ مصاص دماء يتسللُ من نافذتك يشرب من جسدك حتى آخر قطرة ليتركك صباحًا نازفًا على قارعة الموت , تنهض كل مرة من هذه التجربة القاسية بمعجزة ربانية , من أخبركم أنّ معجزات الله قد توقفت عن الحدوث ! إنّها تحدث معي وباستمرار , ليست معي وحسب معجزات الله تتجسد ببراعة في اليمن .. ألسنا شعب معجزة وعايشين بمعجزة أيضًا !!
تتوالى معجزات الله في حياتي بالتوازي مع عقوباته لي حين كنتُ قاسية على ذلك الرجل الذي أحبني بصدق لكنّي رفضتُ أنّ أقاسمه وحدته وعالمه الجميل وسددتُ ضربتي القاتلة صوب قلبه .
الطريف في الأمر أنّه انتقم مني بطريقته الخاصة ترك لي شّقين قابعين تحت قفصي الصدري جهة القلب , أراد بهما أنّ أتذكر آثامي التي اقترفتها ضده , ندبتين كرهتهما كثيرًا وكنتُ أتحاشى النظر إليهما في كل مرة أواجه جسدي العاري ولسنوات طويلة , لماذا فعل هذا بي ؟ ربما أرادني أنّ أبقى امرأة لا استحق الإشتهاء من قبل رجلٍ آخر بعده , ذلك انتقام معقول لمن أحبها يومًا ما طبيب جراح وخذلته بالمقابل , حمدتُ الله كثيرًا أنه لم يكن طبيب أسنان !