قرون طويلة..
مدارس تقليدية تتحدى متغيرات العصر
أطفال موريتانيا
لقرون طويلة ظلت المدارس التقليدية الموريتانية المعروفة بـ «المحاظر» تلعب أدواراً متعددة ثقافية وتربوية واجتماعية وتعمل على نشر الإسلام وترسيخ قيّمه ومبادئه، ليس فقط في المجتمع الموريتاني الشنقيطي القديم وإنما امتد إشعاعها العلمي والمعرفي إلى المجتمعات العربية والإفريقية الأخرى.
وتمكنت من تخريج علماء ذاع صيتهم في العالم الإسلامي وتصدروا مجالس الأدب ومراكز الفتوى والقضاء في عدة أقطار عربية.
والمحظرة عموماً هي نظام تعليمي مبسط، تستخدم أدوات تقليدية مثل اللوح الخشبي والقلم السيال والحبر المصنوع من مواد محلية، ولا تحتاج لمبنى أو كراسي أو سبورة لتقديم دروسها، فقد تكون تحت خيمة أو عريش أو ما في حكمهما، ويمكن لأي طالب الالتحاق بها في أي سن وبأي مستوى، وتكفي موافقة شيخ المحظرة على ذلك ليصبح الشخص طالباً رسمياً من طلابها دون أي قيد أو تسجيل أو أوراق ثبوتية.
تعليم القرآن
وبالنسبة لمعظم الباحثين فإن لفظ «محظرة» مشتق من فعل «حضر» أي حضور الطالب لمكان المحاضرة، وتختلف المحظرة عن الكتاتيب المعروفة في بقية البلدان العربية .
حيث يقتصر الأخير على تعليم الناشئة القرآن العظيم ومبادئ القراءة والكتابة والخط، بينما تقوم المحظرة على وجود «شيخ» متبحر في علوم شتى يقدمها لطلبة من مختلف الأعمار، فبالإضافة إلى القرآن الكريم: تحتوي مناهج المحظرة على علوم الحديث والسيرة والفقه واللغة العربية والشعر..الخ، وعادة لا تكون الدراسة فيها بمقابل مادي إلا ما تبرع به الطالب أو أهله لصالح المحظرة.
واتسعت شهرة المحاظر وتراكمت معارفها حتى أطلق عليها «جامعات الصحراء المتنقلة» لأن معظمها كان تحت الخيام يتنقل مع البدو حيث انتقلوا.
وقد ساهمت في الحفاظ على الهوية الإسلامية والقيم الأصيلة للمجتمع وقارعت ثقافة المستعمر الفرنسي وتصدت بقوة للمدارس الحديثة التي أنشأتها فرنسا بعد احتلالها لموريتانيا، ولا تزال المحاظر تحافظ على طابعها الأصلي وتمارس أدوارها القديمة رغم ما تعانيه من تحديات أبرزها كما يقول الأستاذ محمد فاضل ولد محمد الأمين المدير العام للمحظرة النموذجية:
«هو انصراف الشباب عن تحصيل العلوم الشرعية وسيطرة النزعة المادية على طموحاتهم». ويضيف أنه بالرغم من ذلك فالمحاظر لا تزال منتشرة في القرى والأرياف بكثرة ولديها طلابها ومشايخها وإن لم يكن بنفس الزخم القديم، إلا أنها مازالت تحظى بمكانتها عند الموريتانيين وتحافظ على طابعها التقليدي.
قلة صبر الشباب
ويستطرد الأمين: «لقد خلصنا بعد دراسة متأنية لواقع المحاظر إلى أن المشكلة التي تواجهها هذه المؤسسات التعليمية هي قلة صبر الشباب على مواصلة دراستهم حتى الوصول إلى تلك المستويات المعرفية المتقدمة، وهذا أدى إلى انخفاض في عدد العلماء القادرين على مواصلة مشعل التعليم المحظري».
ويؤكد أنه استجابة للمتغيرات أنشأت رابطة الأئمة ما يعرف ب «المحظرة النموذجية» وهي تجربة اكثر حداثة في مناهجها وشروط الالتحاق من المحاظر التقليدية، وهدفها تخريج علماء وفقهاء شبان بثقافة عصرية تمكنهم من ولوج سوق العمل والاستفادة من تعليمهم المحظري إلى جانب سد العجز المسجل في عدد الفقهاء.



