ترجمات..
ماذا يحدث عندما تنقسم المجتمعات على نفسها؟
الوحدة والصراع
كانت "كيت" ذات الستة أعوام تلعب مع أخيها الصغير, كل منهما لديه صحن طائر يرميان به إلى أبعد مسافة ممكنة. بعد كل جولة من الرميات كانت "كيت" تُعلن أنها "ربحت" لأنها رمت الصحن الطائر لمسافة أبعد من أخيها ذي الثلاثة أعوام. لقد كانت "الرابحة"، وكان أخوها "ريتشارد" بالتبعية هو الخاسر. لقد كانا يتنافسان, وهُيئت "كيت" لأيديولوجية المنافسة, ربما من مَدْرستها وأقرانها, وربما سينضم إليها بعد وقت قصير والداها وأخوها, سواء أحب ذلك أم لا.
منذ بضع سنوات, أجرى معهد ماكس بلانك في ألمانيا تجربة مع مجموعة من الأطفال الصغار؛ كان الطفل يوضع في غرفة مع راشدين, وكان هؤلاء الراشدون يُسقطون شيئًا ويشجعون الأطفال على التقاطه لهم. لقد فعل الأطفال ذلك بسعادة, وعملوا بصورة جماعية، ثم جرى إدخال جائزة وكانت تُمنح إلى الطفل الذي يُسلم الشيء إلى الراشد. انهار العمل الجماعي على الفور, وتحطم الانسجام، وبدأ الأطفال الشجار على الشيء الذي يجب استعادته. لقد فسد سلوكهم عندما اشترط بالدافع؛ فكانت النتيجة هي الانقسام الاجتماعي والصراع.
لقد كنا جميعًا ضحايا لهذه التهيئة الاجتماعية/النفسية بمعدلات متفاوتة، تُبنى الصور المهيئة عن الشخص وعن الآخرين دون وعي, ويُرسخ ذلك التعلق بالمحتوى ولا شك أننا ننتمي إلى دولة ونتشارك قيمها، فيما يصبح تاريخها وتقاليدها ملكًا لنا, وكذلك أيضًا أعداؤها، وتتشكل صورة "أنا" على النقيض من "نحن"، كما تترسخ "نحن" ضد "هم"، دولتي ضد دولتك, حزبي السياسي ضد حزبك, آرائي ضد آرائك وهكذا..
يصبح التعلق بالصورة قويًا والدفاع عن معتقداتها ومُثلها شرسًا، فيما تظهر الأفكار من هذا المركز المهيئ الضيق وتبدأ التصرفات؛ ما يخلق حينها انقسامات متعددة وتنافرًا وحروبًا لا نهائية وصراعًا عنيفًا، يعارض اليهود العرب, والهندوس يعارضون المسلمين, والاشتراكيون يعارضون الرأسماليين.. تتنافس إيطاليا مع اليابان, والبريطانيون مع الفرنسيين, والأمريكيون مع الجميع.. إلخ. النتيجة هي عالم منقسم من البشر الخائفين المشتتين في صراع مع أنفسهم بامتياز.
هذه ليست فلسفة, إنه نسيج حياتنا, الدوافع التي تُشكّل نوع المجتمع الذي نعيش فيه؛ مجتمع عالمي منقسم أكثر من أي وقت مضى, وبالتالي في صراع كبير, لأنه أينما يوجد انقسام يوجد صراع، المجتمعات داخل الدول منقسمة, وكذلك المناطق منقسمة, والجماعات داخل المجتمعات, والأفراد داخل العائلات.
وقد وجد استطلاع للسلوكيات في 28 دولة أجرته "إبسوس موري" في العام 2018 أن 76% من الأشخاص يعتقدون أن بلدهم منقسم (80% في أمريكا), و60% تقريبًا يعتقدون أنه منقسم اليوم أكثر من أي وقت مضى. الأوروبيون هم أكثر من يعتقدون أن الانقسام زاد: 77% من الأشخاص في إسبانيا يقولون إن بلدهم منقسم الآن أكثر مما كان عليه منذ 10 سنوات, يتبعهم السويد وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا (بنسبة إجمالية 73%)
يقول كليف يونج, رئيس العلاقات العامة في إبسوس, إن إحساس الانقسام هذا "عَرَض لهذا الزمان ... لقد كان هناك تراجع في الثقة في المؤسسات التقليدية وارتفاع في الاعتقاد بأن النظام به خلل ... لم يعد المواطنون بشكل عام يؤمنون بأن الحكومات ورجال السياسة والمؤسسات الأخرى يمكنهم الوفاء بوعودهم". هذا أحد العوامل بالتأكيد؛ الأنظمة الحالية غير ملائمة بالمرة لاحتياجات وطبيعة الزمن وأصبحت مُغذية للانقسام. إنها غير عادلة بطبيعتها, ومبنية على مبادئ مسببة للانقسام، وتمر بحالة انحدار نهائي، ويدرك الكثير من الأشخاص ذلك ويدعون إلى تغيير جذري, لكنه يظل قائمًا بسبب المقاومة المتأصلة من أولئك الذين ينتفعون من النظام، غير أن هذا لن يستمر للأبد.
التسامح والوحدة
إن التعبيرات المختلفة عن الانقسام واضحة للعيان, إنها تكثر في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية، وتؤثر على الجميع. تنكفئ الأحزاب السياسية من جميع الأطياف على أيديولوجيتها الخاصة؛ الجماعات المنشقة منتشرة داخل الأحزاب, والتعاون بين الأحزاب نادر. يتوطد الانقسام الاقتصادي الصارخ المتجسد في عدم المساواة في الثروة, والدخل والنفوذ، ويُعد شكلًا من الظلم الاجتماعي غير المسبوق. ودون تغيير منهجي جذري ستشتد هذه الانقسامات الاقتصادية؛ ما يسمح لدوامة الظلم والانقسام الاجتماعي بالاستمرار, ويصاحبها الصراع ومجموعة كبيرة من الآفات الاجتماعية.
وفي ظل الانقسامات والتناقضات المتزايدة, يضعف التسامح, وتصبح المجتمعات أقل رحمة, وتزداد الأمراض النفسية، وقد وجد استطلاع إبسوس موري أن 40% من الأشخاص يعتقدون أن بلدهم بات أقل تسامحًا خلال العشر سنوات الأخيرة. وتكون الانقسامات نتيجة للمنافسة, إلى جانب الآليات المزدوجة للثواب والعقاب والتعلق بالأيديولوجيات من جميع الأنواع، كما تخلق الانقسامات بيئة من الشك والخوف, وهو ما أكده الاستطلاع؛ حيث كشف أن 18% فقط من الأشخاص ادّعوا أنهم يثقون في جماعات ذات آراء سياسية مختلفة, و16% فقط يثقون في المهاجرين والأشخاص الأثرياء؛ لا أحد يثق في السياسيين مهما كان شعارهم.
ومن أجل التغلب على الانقسامات وغرس أساليب حياة توحّد الناس وتبني علاقات سليمة, يجب علينا خلق مناخ شامل جديد وغرس قيم مختلفة، ويتطلب هذا تغيير النظام الاقتصادي الذي يكمن في قلب الكثير من مشاكلنا المترابطة. إنه بتصميمه الحالي مثير للانقسام بشدة؛ حيث يقوم على المنافسة والاستهلاك الذي لا ينتهي, الدول والمناطق والمدن والشركات والأفراد يعارضون بعضهم البعض، وهناك حاجة لإدخال نموذج عادل أكثر مبني على مبادئ المشاركة بهدف تلبية احتياجات الجميع وإنقاذ الكوكب، ولعل مجال التعليم المؤسسي هو المجال الأهم التالي الذي يجب إجراء تغييرات عليه. المنافسة, والثواب والعقاب, والامتثال يميزون سياسات التعليم الخاصة بمعظم الحكومات, وهي سياسات تُمثل لعنة على التعليم الحقيقي.
تقع مسئولية خلق عالم منسجم وموحد على عاتقنا جميعًا, ويمكننا جميعًا الآن أن نفكر ونعمل بطريقة متسامحة وشاملة, لكن الحكومات هي التي تملك السلطة لإجراء تغييرات على السياسة وإدخال إصلاحات منهجية. على الرغم من أنه من غير الممكن تشريع الوحدة والانسجام الاجتماعي, إلا أنه من الممكن مضاعفة أفكار الانفصال عن طريق تصميم أنظمة قائمة على مبادئ انقسامية.
الوحدة هي حالتنا الفطرية؛ تخلصوا من تلك العناصر التي تسبب الانقسام وتزيد من عدم التسامح, وشجعوا نماذج الحياة التي تعمل على تحقيق الفهم المتبادل وتقرّب الناس, وسوف تتحقق الوحدة بطريقة طبيعية وعفوية



