"عملية البيجر واللاسلكي"..

كيف استخدم الموساد الإبداع الاستخباراتي لقلب موازين الحرب ضد حزب الله في لبنان؟

في سبتمبر 2024، نفذ الموساد الإسرائيلي عملية غير مسبوقة بتفجير أجهزة بيجر ولاسلكي في لبنان، استهدفت مقاتلي حزب الله، وأحدثت نقطة تحول في الصراع. كشف رئيس الموساد، دافيد برنياع، تفاصيل العملية، مؤكداً أنها عكست تفوقاً استخباراتياً وتكنولوجياً، وأضعفت معنويات العدو بضربة دقيقة ومبتكرة.

موجة انفجارات ثانية بأجهزة اتصالات بلبنان (وكالات)

بيروت

كشف رئيس الموساد الإسرائيلي، دافيد برنياع، يوم الثلاثاء، عن تفاصيل جديدة حول عملية تفجير أجهزة البيجر واللاسلكي في لبنان، التي استهدفت مقاتلي حزب الله وأسفرت عن مقتل وإصابة العشرات. جاء ذلك خلال كلمته في المؤتمر السنوي لمعهد دراسات الأمن القومي، حيث استعرض الجوانب الاستراتيجية والتكتيكية للعملية، مشيراً إلى أنها تعكس تفوق إسرائيل الاستخباراتي والتكنولوجي.

وتأتي عملية البيجر واللاسلكي في سياق الصراع المستمر بين إسرائيل وحزب الله، الذي تصاعد بشكل ملحوظ منذ هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي نفذته حركة حماس على إسرائيل، وأعقبه تبادل لإطلاق النار عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية. يُعتبر حزب الله، المدعوم من إيران، تهديداً رئيسياً لإسرائيل بسبب ترسانته الصاروخية وقدراته العسكرية المتطورة.

وقال برنياع إن العملية كانت "مثالاً واضحاً" على تحقيق مهمة الموساد في حماية إسرائيل، وأشاد بـ"الحنكة والدهاء" اللذين تم استخدامهما في التخطيط. وأوضح أن فكرة تفجير البيجر نشأت بعد أن تبين أن عملية "ووكي توكي"، التي طورت قبل عقد في عهد تمير باردو واستمرت في عهد يوسي كوهين، لم تكن فعالة في كل الظروف القتالية. ونتيجة لذلك، تم تصميم خطة جديدة تركز على استهداف أجهزة البيجر التي يحملها مقاتلو حزب الله بشكل دائم.

وبدأت البنية التشغيلية لعملية البيجر في أواخر 2022، حيث وصلت أول شحنة مكونة من 500 جهاز إلى لبنان قبل أسابيع من هجوم 7 أكتوبر. في المقابل، كانت آلاف أجهزة "ووكي توكي" مخزنة في مستودعات حزب الله. وأشار برنياع إلى أن قرار تأخير تفعيل العمليتين حتى سبتمبر 2024، بدلاً من بداية الحرب، ساهم في تحقيق تأثير أكبر، حيث تزامن ذلك مع ذروة التوترات العسكرية.

ووقعت عملية البيجر في سبتمبر 2024، وأسفرت عن مقتل عدة أشخاص وإصابة أكثر من 2800 آخرين، معظمهم من مقاتلي حزب الله ومدنيين في مناطق نفوذ التنظيم. أما عملية "ووكي توكي"، التي نفذت في اليوم التالي، فقد زادت من حجم الخسائر. وأكد برنياع أن كمية المتفجرات المستخدمة في آلاف الأجهزة لم تتجاوز قوة لغم واحد، لكن التنفيذ الدقيق جعلها "قوة عظمى" بفضل استهدافها المباشر للأفراد.

ووصف برنياع يوم التفجير بأنه "نقطة تحول" في الحرب، مشيراً إلى أنه مهد لعمليات لاحقة، بما في ذلك اغتيال زعيم حزب الله حسن نصر الله والتوصل إلى اتفاق هدنة. وأضاف أن العملية حطمت معنويات حزب الله، معتبراً أن النصر الحقيقي يقاس بمدى تأثيره على "روح العدو ودوافعه"، وليس فقط بالخسائر المادية أو البشرية.

وأثارت العملية حالة من الصدمة والغضب في لبنان، حيث اتهمت الحكومة اللبنانية و حزب الله إسرائيل بارتكاب "عمل إرهابي" يستهدف المدنيين. كما أدت الانفجارات إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية في البلاد، مع تضرر المستشفيات من تدفق المصابين وسط نقص الموارد.

أثارت العملية انتقادات دولية واسعة، حيث اعتبرت الأمم المتحدة أن استخدام أجهزة مدنية كأسلحة قد يشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني. في المقابل، دافع مسؤولون إسرائيليون عن العملية، معتبرين أنها استهدفت "إرهابيين" وكانت ضرورية لأمن إسرائيل. أما إيران، الداعم الرئيسي لحزب الله، فقد وعدت بالرد، مما زاد من المخاوف من تصعيد إقليمي.

ويُعتقد أن العملية أضعفت قدرات حزب الله التنظيمية بشكل مؤقت، حيث أثرت على شبكات الاتصال الداخلية وأحدثت حالة من الارتباك بين قياداته. ومع ذلك، يرى محللون أن الحزب قد يستعيد قوته مع مرور الوقت، خاصة مع استمرار الدعم الإيراني. كما أن الخسائر البشرية والمعنوية قد تدفع الحزب إلى تبني إجراءات أمنية أكثر صرامة في المستقبل.

وتُظهر عملية البيجر واللاسلكي تفوق الموساد في الجمع بين الإبداع الاستخباراتي والتكنولوجيا المتقدمة، مما جعلها واحدة من أبرز العمليات في تاريخ الصراع مع حزب الله. ورغم نجاحها التكتيكي، فإن تداعياتها الإقليمية والدولية تثير تساؤلات حول مستقبل التوترات في المنطقة. ويبقى السؤال المطروح: هل ستكون هذه العملية بداية لتهدئة طويلة الأمد، أم محفزاً لجولة جديدة من التصعيد؟