الحكومة السورية الجديدة..
سوريا على أعتاب حكومة انتقالية: آمال الاستقرار وتحديات التنوع
تتجه الأنظار نحو دمشق لمعرفة ما إذا كانت هذه المرحلة ستكتب فصلاً جديداً من الاستقرار، أم ستظل سوريا عالقة في دوامة التحديات التي خلفها عقد من الصراع.

تستعد سوريا لدخول مرحلة جديدة من تاريخها السياسي مع إعلان اللجنة المنظمة للمؤتمر السوري عن تشكيل حكومة انتقالية مطلع الشهر المقبل، في خطوة تهدف إلى وضع الأسس لإعادة هيكلة الدولة بعد سنوات من الصراع.
وكان وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، قد أكد في تصريحات سابقة التزام الحكومة المنتظرة بأن تكون “ممثلة للشعب السوري قدر الإمكان”، مع مراعاة التنوع العرقي والديني الذي يشكل نسيج المجتمع السوري، وهو ما يراه مراقبون تحدياً كبيراً أمام السلطات الجديدة في ظل التوترات التاريخية بين المكونات.
ويأتي هذا الإعلان في وقت يترقب فيه المجتمع الدولي عن كثب الخطوات التي ستتخذها القيادة الجديدة في دمشق. ونقلت مصادر دبلوماسية عن ثلاثة دبلوماسيين أن عواصم عربية وغربية -لم تُسمَ صراحة- ستتابع المؤتمر بشكل وثيق، مشيرين إلى أن استئناف العلاقات الكاملة مع سوريا أو النظر في رفع العقوبات المفروضة عليها قد يعتمد على مدى التزام الحكومة الانتقالية بشمولية العملية السياسية وضمان تمثيل كافة الأطياف، بما في ذلك الأكراد، والدروز، والمسيحيون، إلى جانب الأغلبية العربية السنية والعلوية.
ومع ذلك، أثار قرار المنظمين عدم دعوة الدبلوماسيين المقيمين في سوريا لحضور المؤتمر، إلى جانب رفض عروض الأمم المتحدة لتقديم مساعدة تحضيرية، تساؤلات حول توجهات القيادة الجديدة ومدى انفتاحها على التعاون الدولي.
ومن المقرر أن ينتج عن المؤتمر، وفق بيان اللجنة المنظمة، توصيات ستشكل خارطة طريق لثلاثة محاور رئيسية: “الإعلان الدستوري” الذي سيعرف ملامح المرحلة الانتقالية، و”الهوية الاقتصادية” التي ستحدد سياسات إعادة الإعمار في بلد دمرته الحرب، و”خطة إصلاح المؤسسات” لإعادة بناء الهيكل الإداري والأمني للدولة.
وفي هذا السياق، كان الرئيس الانتقالي الشرع قد أعلن في 29 يناير الماضي -غداة توليه منصبه- عن خططه لإصدار “إعلان دستوري” ينظم المرحلة المقبلة، مشيراً إلى تشكيل لجنة تحضيرية لاختيار “مجلس تشريعي مصغر” سيحل محل مجلس الشعب الحالي الذي تم حله.
وأضاف أن سوريا ستحتاج فترة تتراوح بين أربع إلى خمس سنوات للوصول إلى مرحلة تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية شاملة، وهي مدة يرى فيها البعض طموحاً كبيراً في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها البلاد.
ومنذ الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد، شهدت دمشق زخماً دبلوماسياً ملحوظاً، حيث استقبلت وفوداً عربية وغربية أعربت عن دعمها المبدئي للسلطات الجديدة، وحثتها على تبني نهج شامل يضمن مشاركة جميع المكونات السورية في إدارة المرحلة الانتقالية.
وفي كلمته خلال المؤتمر، شدد الشيباني على أن السياسة الخارجية لسوريا ستعتمد مبدأ “التوازن والانفتاح”، مؤكداً حرص دمشق على “تطوير علاقات متينة مع الدول التي احترمت سيادتنا خلال السنوات الماضية”، في إشارة محتملة إلى دول مثل روسيا وإيران، دون أن يغلق الباب أمام إعادة بناء العلاقات مع دول أخرى -بما فيها الغربية- على أساس “الاحترام المتبادل”.
ورأى مراقبون أن هذا التوجه قد يعكس محاولة للتوفيق بين التحالفات التقليدية والانفتاح على شركاء جدد في مرحلة ما بعد الأسد.
وعلى الصعيد الداخلي، تواجه الحكومة الانتقالية المرتقبة تحديات جمة، أبرزها إعادة إعمار اقتصاد منهك نتيجة الحرب والعقوبات، ونزوح ملايين السوريين داخلياً وخارجياً، إلى جانب إعادة دمج الفصائل المسلحة المختلفة في إطار أمني موحد.
ويرى محللون أن نجاح هذه المرحلة سيتوقف على قدرة القيادة الجديدة على تحقيق توافق وطني يتجاوز الانقسامات التاريخية، واستعادة الثقة بين المواطنين والدولة بعد عقود من الحكم الاستبدادي.
وفي ظل هذه التطورات، تظل الأنظار متجهة نحو سوريا لمعرفة ما إذا كانت هذه الخطوة ستفتح الباب أمام استقرار طال انتظاره، أم أنها ستكون بداية مرحلة جديدة من التحديات في بلد عانى من ويلات الحرب والتشرذم لأكثر من عقد.