صراع تحت الرماد..

الضربات الإسرائيلية في سوريا: رسائل تحذير أم استراتيجية طويلة الأمد؟

تتسم العلاقة بين إسرائيل والإدارة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع بالتعقيد، حيث تتقاطع المصالح ضد حزب الله مع التوترات العسكرية والطائفية. تجمع إسرائيل بين ضرب مواقع سورية والتعاون الضمني ضد عدو مشترك، مما يكشف عن مفارقة استراتيجية تهدد الاستقرار الإقليمي.

الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع

دمشق

تشهد العلاقة بين إسرائيل والإدارة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، حالة من التناقض والتداخل الاستراتيجي، حيث تتأرجح بين التعاون غير المعلن ضد عدو مشترك، حزب الله، والعداء المباشر في مناطق أخرى. تعكس هذه العلاقة تعقيدات الوضع الإقليمي، حيث تتداخل المصالح الأمنية مع الجغرافيا السياسية والتوازنات الطائفية.

التوتر الميداني والموقف المزدوج

تواجه إسرائيل مفارقة في تعاملها مع الإدارة السورية الجديدة. فمن جهة، تقوم بشن غارات جوية موجهة على مواقع قرب الحدود السورية للقضاء على أسلحة قد تهدد أمنها، ومن جهة أخرى، تتدخل لضرب تحركات حزب الله على الحدود السورية-اللبنانية، خاصة في ظل التوتر بين بيروت ودمشق. هذا الموقف المزدوج يعتمد بشكل كبير على الجغرافيا والجماعات المستهدفة:

ضد القوات السورية: إذا تحركت القوات السورية وهددت الدروز، كما حدث في مناوشات قرب جرمانا، تتدخل إسرائيل عسكرياً لحماية هذه الطائفة، مستغلة ورقة الدروز للضغط على دمشق.

ضد حزب الله: إذا استهدف حزب الله أو حلفاؤه القوات السورية على الحدود، قد تدعم إسرائيل الإدارة السورية بشكل غير مباشر عبر ضرب مواقع الحزب.

التوافق ضد حزب الله

يبرز توافق مصالح بين إسرائيل والإدارة السورية في مواجهة حزب الله. تسعى إسرائيل لمنع الحزب من تهريب الأسلحة والمخدرات عبر الحدود السورية-اللبنانية التي يبلغ طولها نحو 300 كيلومتر، والتي كانت في عهد نظام الأسد ممراً رئيسياً لعمليات التهريب. في المقابل، تتهم إدارة الشرع الحزب بمحاولة زعزعة الاستقرار عبر دعم فلول نظام الأسد وتنظيم تمرد في الساحل السوري بدعم إيراني. هذا التوافق قد يدفع إسرائيل لضرب شحنات أو مستودعات مرتبطة بالحزب، مما يصب في مصلحة الإدارة السورية.

الدروز كورقة ضغط

تستغل إسرائيل قضية الدروز لتعزيز نفوذها في سوريا. بعد نجاحها في استقبال وفد من شيوخ الطائفة من الجولان المحتل، أصبحت تل أبيب ترى في حماية الدروز مدخلاً للضغط على دمشق. هذا التحرك يكشف أيضاً عن فقدان جزء من الدروز للثقة في الدولة السورية، مما يدفعهم نحو البحث عن حماية إسرائيلية كبديل.

استمرار الضربات الإسرائيلية

على الرغم من الرسائل السورية التي تؤكد عدم رغبتها في الحرب، تواصل إسرائيل استهداف مواقع القوات السورية الجديدة. منذ الإطاحة ببشار الأسد، نفذت إسرائيل مئات الغارات على منشآت عسكرية لمنع الإدارة الجديدة من الاستيلاء على ترسانة النظام السابق. في فبراير 2025، طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بجعل جنوب سوريا منطقة منزوعة السلاح، محذراً من أي وجود عسكري سوري قرب الحدود.

المخاوف الإسرائيلية طويلة الأمد

لا تثق إسرائيل بالمرونة التي تظهرها المجموعات المسيطرة على دمشق، وترى فيها تهديداً محتملاً على أمنها على المدى البعيد. يعزز هذا القلق صمت إسرائيل الذي قد يمنح هذه المجموعات فرصة لإعادة تنظيم صفوفها، على غرار ما حدث مع حماس قبل حرب أكتوبر 2023.

الوضع على الحدود السورية-اللبنانية

تشهد المنطقة الحدودية هدوءاً حذراً مع إعادة انتشار الجيش اللبناني، لكن المراقبين يرون أن هذا الهدوء مؤقت، وقد يعود حزب الله لاستئناف عملياته، مما يعيد الاشتباكات إلى الواجهة.

تتسم العلاقة بين إسرائيل والإدارة السورية الجديدة بمزيج من التعاون التكتيكي ضد حزب الله والعداء الاستراتيجي في بقية الملفات. في حين يبدو التوافق على ضرب شبكات الحزب نقطة تقاطع مؤقتة، فإن التوترات المرتبطة بالدروز والضربات الإسرائيلية المستمرة تكشف عن عمق التناقضات. مع استمرار الوضع الإقليمي في التأزم، يظل المشهد مفتوحاً على احتمالات التصعيد أو التفاهمات الضمنية، حسب تطور المصالح والتهديدات.