"القاهرة بين استعادة النفوذ والتحديات"..
جمهورية مصر في عهد عبدالفتاح السيسي.. استعادة الدور الإقليمي بين الإنجازات والتحديات
مصر استعادت دورها المحوري بفضل الدبلوماسية، المشروعات، والتحالفات، لكن التحديات الاقتصادية والإقليمية تتطلب إصلاحات مستمرة. استقرارها ضرورة إقليمية للسلام والأمن.

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي متحدثا إلى جنود في القوات المسلحة المصرية - الصفحة الرسمية على فيس بوك

مقدمة
يتولى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم منذ عام 2014، واضعًا في صلب أولوياته إعادة ترسيخ دور مصر المحوري في الشرق الأوسط. كانت البلاد قد شهدت تراجعًا نسبيًا في نفوذها الإقليمي عقب اضطرابات ما بعد ثورة 2011، نتيجة لتحديات داخلية معقدة. ومع وصول السيسي إلى السلطة، تبنّت الدولة نهجًا يهدف إلى استعادة الاستقرار الداخلي وتعزيز مكانتها الخارجية.
تُعد مصر الدولة العربية الأكبر من حيث عدد السكان، وتمتلك أحد أقوى الجيوش في المنطقة، فضلًا عن موقع جغرافي استراتيجي يربط بين آسيا، إفريقيا، والبحر المتوسط. لهذا، فإن الحفاظ على مصر كدولة مستقرة وفاعلة يُعتبر ضرورة إقليمية لضمان توازن القوى ومعالجة التحديات الملحّة في المنطقة.
يستعرض هذا التقرير ملامح الدور الإقليمي والدولي لمصر في عهد السيسي، من خلال أربعة محاور رئيسية: القضية الفلسطينية، الأمن القومي، الاقتصاد، والتحالفات الدولية والإقليمية، مع تسليط الضوء على أبرز التحديات والفرص.
أولًا: الدور المصري في القضية الفلسطينية
لطالما اضطلعت مصر بدور محوري في دعم القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية مركزية في العالم العربي. وقد أكد الرئيس السيسي مرارًا موقف مصر الثابت الرافض لأي حلول تنتقص من حقوق الفلسطينيين أو تسعى لتوطينهم خارج أرضهم.
في خضم التصعيدات الأخيرة في غزة، شدّد السيسي على رفض مصر القاطع لفكرة توطين الفلسطينيين في سيناء، محذرًا من أن "الملايين من المصريين سيخرجون رفضًا لتهجير أشقائهم الفلسطينيين". واعتبر أن تهجير سكان غزة إلى سيناء لن يُسمح به بأي حال، لما يحمله من مخاطر أمنية على مصر وتكريس لظلم تاريخي بحق الفلسطينيين. هذا الموقف نال تأييدًا شعبيًا واسعًا، تُرجم في تظاهرات رافضة للتهجير، دعمًا لموقف وطني يضع أمن مصر وكرامة القضية الفلسطينية في الأولوية.
إلى جانب الموقف السياسي، أدّت مصر دورًا دبلوماسيًا نشطًا في احتواء العدوان الإسرائيلي على غزة وتخفيف تداعياته. فقد وصف السيسي القصف الإسرائيلي بأنه "تجاوز لحق الدفاع عن النفس" وتحول إلى "عقاب جماعي" للمدنيين. وسعت القاهرة لوقف إطلاق النار وفتح معبر رفح لتقديم المساعدات الإنسانية واستقبال الجرحى، كما استقبل مطار العريش شحنات إغاثية من عدة دول.
توسّطت مصر في وقف إطلاق النار خلال عدد من جولات القتال، أبرزها في مايو 2021، حين أشاد الرئيس الأمريكي جو بايدن بدور السيسي، واتصل به للمرة الأولى منذ توليه الرئاسة. كما تعهدت القاهرة آنذاك بتقديم نصف مليار دولار لإعادة إعمار غزة، في خطوة عززت مكانة مصر كوسيط موثوق. وقد وصف مسؤول في حركة حماس الدور المصري خلال هذه الفترة بأنه "الأكثر نشاطًا ووضوحًا".
يمزج الدور المصري بين التزام مبدئي بدعم الحقوق الفلسطينية، وتحرك براغماتي يهدف إلى منع تصعيد الأوضاع. هذا التوازن جعل من مصر فاعلًا لا غنى عنه في أي جهد سياسي أو ميداني متعلق بالقضية الفلسطينية، وخصوصًا في غزة.
شرق المتوسط وحماية الثروات البحرية (الجبهة الشمالية)
برزت منطقة شرق البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة كساحة تنافس إقليمي محموم على ثروات الغاز وترسيم الحدود البحرية. وانخرطت مصر بفاعلية في رسم ملامح الترتيبات الإقليمية لحماية مصالحها الاقتصادية وحقوقها السيادية في تلك المنطقة الحيوية.
تدهورت العلاقات بين مصر وتركيا خلال العقد الماضي، نتيجة تضارب المواقف بشأن قضايا إقليمية ودعم أنقرة لجماعة الإخوان. غير أن التوتر البحري بلغ ذروته عقب توقيع تركيا اتفاقًا مثيرًا للجدل مع حكومة الوفاق الليبية في 2019 لترسيم حدود بحرية تتداخل مع المياه الاقتصادية لمصر واليونان.
ردًا على ذلك، تحركت القاهرة سريعًا دبلوماسيًا وقانونيًا، ووقّعت مع اليونان اتفاقية لترسيم الحدود البحرية في أغسطس 2020، حددت بموجبها المناطق الاقتصادية الخالصة لكل طرف في شرق المتوسط. وقد اعتُبر هذا الاتفاق مكسبًا إستراتيجيًا لمصر، إذ رسّخ حقوقها في التنقيب عن الغاز وكبح محاولات التوسع التركي في المنطقة.
بالتوازي، قادت مصر جهود تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF)، ومقره القاهرة، بمشاركة كل من اليونان، قبرص، إسرائيل، الأردن، إيطاليا، السلطة الفلسطينية، وفرنسا (لاحقًا). ويهدف المنتدى إلى تنسيق سياسات الغاز الإقليمي، في ظل استبعاد تركيا، ما عزز موقع مصر كمركز إقليمي لتجارة وتسييل الغاز.
كما كثّفت القاهرة تعاونها العسكري مع اليونان وقبرص، من خلال مناورات بحرية وجوية مشتركة لتعزيز القدرة على حماية المصالح البحرية. وأسفر هذا التمركز الإقليمي عن بدء مصر في استغلال حقول الغاز، أبرزها حقل "ظهر"، وتحولت لاحقًا إلى مصدّر للغاز لبعض دول الجوار وأوروبا، مستفيدة من بنيتها التحتية المتقدمة في تسييل الغاز.
بهذا المزج بين الدبلوماسية والتحالفات والتطوير الاقتصادي، استطاعت مصر أن تؤمّن مصالحها في شرق المتوسط، وتتصدى لأي محاولات تهدد أمنها البحري أو الملاحة في قناة السويس.
الأبعاد الاقتصادية لسياسات عبدالفتاح السيسي
أدركت القيادة المصرية بعد 2013 أن استعادة الدور الإقليمي الفاعل مرهون بقوة الداخل، لا سيما في الجانب الاقتصادي الذي تضرر بفعل الاضطرابات السياسية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق، تبنّى الرئيس السيسي حزمة سياسات طموحة تستهدف تنويع الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وتحفيز النمو من خلال مشروعات بنية تحتية كبرى، رغم ما صاحب ذلك من تحديات ضاغطة على المجتمع.
سعت الحكومة إلى إجراء إصلاحات هيكلية لتحسين مناخ الأعمال، وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية كقناة السويس والسياحة وتحويلات المغتربين. وكان مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي في 2015 علامة فارقة، إذ استقطب تعهدات استثمارية وقروضًا ومنحًا تجاوزت 60 مليار دولار، بينها دعم خليجي مباشر تجاوز 12 مليارًا من السعودية والإمارات والكويت.
ضمن خطوات الإصلاح، أقر السيسي قانون استثمار جديد لتبسيط الإجراءات وتفعيل نظام "الشباك الواحد"، ما لاقى ترحيبًا دوليًا. كما اتخذت الدولة قرارات صعبة ماليًا، مثل خفض دعم الطاقة، وتحرير سعر صرف الجنيه، ما مهد الطريق لتوقيع اتفاق قرض مع صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار في 2016.
ورغم الكلفة الاجتماعية لهذه الإصلاحات، فقد ساعدت على تحقيق استقرار نسبي في المؤشرات الكلية حتى أعادت جائحة كورونا، ثم الحرب في أوكرانيا، الضغوط من جديد.
في إطار تنويع القطاعات، ركّزت الدولة على الطاقة، وحققت اكتفاءً ذاتيًا من الغاز الطبيعي بعد اكتشاف حقل "ظُهر"، وبدأت تصدير الغاز المسال عبر منشآت التسييل. كما أطلقت مشروعات تنموية في مجالات الصناعة، التعدين، والزراعة الحديثة.
ومع أن الاقتصاد المصري لا يزال يواجه صعوبات في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة والسيطرة على التضخم والدين العام، إلا أن السياسات المتبعة فتحت آفاقًا جديدة، منها دعم القطاع الخاص المحلي، وتوسيع ريادة الأعمال، والاستفادة من الاستثمارات الخليجية في قطاعات حيوية كالمصارف والطاقة والعقارات، خاصة خلال 2022–2023، حيث تسعى مصر إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة، يوفر قاعدة صلبة تمكّنها من لعب دور إقليمي مستقل ومؤثر في بيئة دولية متقلبة.
عظيم جدًا، وصلت الآن إلى الجزء النهائي من التقرير، وهو مكمل ممتاز للمحاور السابقة، ويُظهر الصورة الكاملة للدور المصري من الداخل إلى الخارج.
أدناه صياغة منقحة للنص، بأسلوب متماسك لغويًا واحترافي، يحافظ على النبرة التحليلية ويربط بين المشاريع الكبرى والتحالفات الدولية ضمن رؤية سياسية متكاملة:
المشروعات القومية الكبرى: قناة السويس الجديدة والعاصمة الإدارية
اعتمد الرئيس عبد الفتاح السيسي على سياسة المشروعات القومية العملاقة بوصفها رافعة للتنمية الاقتصادية، وأداة لإعادة صياغة صورة الدولة الحديثة. ويُعد مشروع توسعة قناة السويس وإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة من أبرز هذه المبادرات.
في عام 2014، أُطلق مشروع حفر تفريعة جديدة لقناة السويس وتعميق أجزاء من مجراها، بهدف مضاعفة الطاقة الاستيعابية للقناة وتقليل زمن عبور السفن. أُنجز المشروع خلال عام واحد فقط، بتمويل مصري كامل تجاوز 8 مليارات دولار، جُمعت من المواطنين عبر شهادات استثمار. وفي أغسطس 2015، تم افتتاح "قناة السويس الجديدة"، ما أدى إلى زيادة حركة السفن تدريجيًا، وارتفاع إيرادات القناة حتى بلغت نحو 8 مليارات دولار سنويًا بعد سبع سنوات، وفق تصريحات رسمية.
وتعمل مصر حاليًا على تنفيذ مرحلة جديدة من التوسعة والتعميق، ما يعكس حرصها على الحفاظ على القناة كشريان استراتيجي يدرّ دخلًا كبيرًا، ويمثل ورقة نفوذ مؤثرة في حركة التجارة العالمية.
في موازاة ذلك، أُطلق في 2015 مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، التي تقع على بعد 45 كيلومترًا شرق القاهرة، وتُعد واحدة من أكبر المشروعات العمرانية في تاريخ مصر الحديث. تمتد العاصمة على مساحة تقارب 700 كيلومتر مربع، وتُقدر تكلفتها بنحو 45 مليار دولار، يتم تمويلها من خلال شراكات واستثمارات محلية ودولية، أبرزها استثمارات صينية وخليجية.
تستهدف العاصمة الجديدة تخفيف الضغط عن القاهرة، وإنشاء مركز إداري واقتصادي حديث يضم حيًا ماليًا، ومناطق سكنية لأكثر من 6 ملايين نسمة، وأطول برج في إفريقيا، ومدينة معارض، ومنشآت حكومية متطورة. وقد بدأت الحكومة بنقل موظفيها تدريجيًا إلى الحي الحكومي منذ عام 2023، إيذانًا بتفعيل الوظيفة الإدارية للمدينة.
رغم الإشادة بكفاءة التنفيذ والسرعة، تعرّضت هذه المشروعات لانتقادات تتعلق بالكلفة الباهظة وتوقيت الإنفاق، خاصة في ظل الضغوط المعيشية على المواطنين. إلا أن السيسي دافع عنها باعتبارها "استثمارًا في المستقبل"، مؤكدًا أن "لا تنمية بدون بنية تحتية متطورة".
فعلى سبيل المثال، ساهم تطوير قطاع الكهرباء منذ 2014 في تحقيق فائض كبير يُتيح لمصر دعم الصناعات وتصدير الطاقة لدول الجوار. ومن هذه الزاوية، غيّرت سياسة المشروعات الكبرى خريطة مصر التنموية، وخلقت ملايين فرص العمل، وإن كانت عوائدها المستدامة ما تزال تحت الاختبار على المدى الطويل.
التحالفات الدولية والإقليمية لمصر
اتبعت مصر في عهد السيسي سياسة خارجية تستند إلى تنويع الشراكات وتعظيم المصالح المتبادلة، مع الحرص على تجنّب الارتهان لأي محور دولي واحد. وانعكس ذلك في الانفتاح المتوازن على الخليج، والولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وأوروبا، ضمن رؤية واقعية تستهدف حماية الأمن القومي وتعزيز المكانة الإقليمية.
ثانياً: الشراكة الإستراتيجية مع السعودية والإمارات
تُعد العلاقات مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة من ركائز السياسة الإقليمية المصرية. فقد لعبت هاتان الدولتان دورًا حيويًا في دعم مصر سياسيًا واقتصاديًا بعد عام 2013، من خلال تقديم مساعدات مالية عاجلة، تضمنت ودائع ومنحًا نفطية لدعم البنك المركزي.
في مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي عام 2015، تعهدت السعودية والإمارات والكويت بتقديم دعم جديد بقيمة 12 مليار دولار، ما عزز ثقة المستثمرين الدوليين. كما شهدت العلاقات تنسيقًا سياسيًا وثيقًا في ملفات الأمن الإقليمي، من اليمن إلى ليبيا وسوريا، وخصوصًا في مواجهة التنظيمات المتطرفة.
انضمت مصر إلى التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن عام 2015، حيث ركز دورها على تأمين الملاحة في البحر الأحمر، والمشاركة الرمزية في العمليات الجوية. كما وجدت القاهرة وأبوظبي أرضية مشتركة في دعم "الدولة الوطنية" ومكافحة الإسلام السياسي، بما شكّل محور "اعتدال عربي" في مواجهة محاور النفوذ الإقليمي.
اقتصاديًا، استثمرت صناديق خليجية مليارات الدولارات في مصر، شملت مناطق صناعية في قناة السويس، وصفقات استحواذ في قطاعات الطاقة والمصارف والعقارات. في المقابل، دعمت مصر التحالفات الأمنية الخليجية، مثل مقترح "الناتو العربي" والتعاون البحري في البحر الأحمر، وتشكّل هذه العلاقة التبادلية بين العمق المالي الخليجي والثقل السكاني والعسكري المصري قاعدة متينة لبناء نظام إقليمي عربي مستقر ومتماسك.
رائع! هذا القسم هو ختام ممتاز للتقرير ويكمل الصورة الاستراتيجية الشاملة التي ترسمها مصر في عهد السيسي. التوازن بين الشرق والغرب، الاستقلال في القرار، واللعب على حبال السياسة الدولية بذكاء واضح.
قمت بتحرير الجزء الأخير بنفس الأسلوب الاحترافي التحليلي، مع الحفاظ على الروح الأصلية للنص، وضبط اللغة والأسلوب، وتخفيف الحشو دون فقدان العمق:
علاقات متوازنة مع روسيا والصين
سعت مصر في عهد الرئيس السيسي إلى إعادة بناء علاقاتها مع القوى الكبرى في الشرق، وخاصة روسيا والصين، ضمن سياسة تنويع الشراكات وتوسيع هامش المناورة الاستراتيجية.
استعادت القاهرة وموسكو دفء العلاقة التاريخية التي ميّزت فترة الخمسينيات والستينيات، حيث شهدت السنوات الأخيرة تقاربًا ملحوظًا تُرجم إلى تعاون عسكري واقتصادي واسع النطاق.
عسكريًا، حرصت مصر بعد 2014 على تنويع مصادر تسليحها، وأبرمت صفقات كبيرة مع روسيا شملت مقاتلات ميج-29 وسوخوي-35، ومنظومات دفاع جوي، ومروحيات هجومية. هذا التوجه قلّل الاعتماد على السلاح الأمريكي، الذي ظل مهيمنًا لعقود، في رسالة واضحة بأن لمصر بدائل استراتيجية.
ورغم التحذيرات الأمريكية من عقوبات محتملة بموجب قانون CAATSA، مضت القاهرة في تعزيز تعاونها مع موسكو، تأكيدًا على سيادتها في قرار التسليح الوطني.
اقتصاديًا، وُقّع اتفاق لإنشاء أول محطة نووية مصرية في الضبعة بقدرة 4.8 جيجاواط وبتكلفة تفوق 25 مليار دولار، يمولها قرض روسي طويل الأجل. كما مُنحت روسيا امتياز إنشاء منطقة صناعية قرب قناة السويس، لتعزيز الإنتاج والتصدير.
كما تعززت الروابط السياسية من خلال زيارات رفيعة المستوى، منها زيارة السيسي لسوتشي (2018) وزيارة بوتين للقاهرة (2017). وظهرت ملامح التفاهم في ملفات مثل سوريا وليبيا وسد النهضة، حيث دعمت موسكو الموقف المصري في مجلس الأمن.
ومع ذلك، حافظت القاهرة على توازن دقيق؛ فلم تنخرط في الاصطفاف الروسي في أوكرانيا، وامتنعت عن الاعتراف بضم أراضٍ أوكرانية، ما يُظهر تمسكها بسياسة عدم الانحياز الكامل لأي محور.
ثالثاً: الصين... شراكة اقتصادية إستراتيجية
ارتقت العلاقات المصرية–الصينية إلى مستوى "الشراكة الإستراتيجية الشاملة"، حيث ترى مصر في الصين شريكًا تنمويًا كبيرًا، وترى بكين في القاهرة بوابة محورية في مبادرة "الحزام والطريق".
شهد عهد السيسي توقيع عشرات الاتفاقيات، بينها 21 اتفاقية بقيمة 15 مليار دولار في زيارة واحدة. من أبرز المشاريع: منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية، التي تنفذها شركة صينية، ومشروعات الطاقة المتجددة، والقطار الكهربائي الخفيف.
بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 14 مليار دولار سنويًا، تميل لصالح الصين، التي أصبحت المصدر الأول للواردات إلى مصر. كما جرى تعزيز التعاون العسكري عبر مناورات وتدريبات مشتركة.
ورغم هذا التقارب، حرصت مصر على طمأنة واشنطن، مؤكدة أن تعاونها مع الصين وروسيا لا يأتي على حساب العلاقات التاريخية مع الولايات المتحدة، في إطار استراتيجية "الاستفادة دون الارتهان".
رابعا: إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا
تاريخيًا، استندت العلاقة بين مصر والولايات المتحدة إلى اتفاقية كامب ديفيد، التي ربطت الدعم العسكري والسياسي الأمريكي بالحفاظ على السلام مع إسرائيل. لكن هذه العلاقة شهدت توترًا بعد 2011، وتصاعدت بعد 2013 نتيجة تحفظات إدارة أوباما على التحول السياسي في مصر.
مع وصول السيسي إلى الحكم، سعت القاهرة لإعادة ضبط العلاقة على أساس المصالح المتبادلة، مع رفض الشروط السياسية المرتبطة بالوضع الداخلي. تم استئناف المساعدات العسكرية تدريجيًا منذ 2014، رغم بعض التقييدات المرتبطة بملف حقوق الإنسان.
عادت الدفء للعلاقة في عهد ترامب، الذي وصف السيسي بـ"الصديق القوي"، لكن مع إدارة بايدن عاد الفتور بسبب التركيز على حقوق الإنسان. ورغم الخلافات، لم يتوقف التنسيق الأمني، خصوصًا في ملفات غزة وليبيا ومكافحة الإرهاب.
خلال تصعيد غزة في 2021، اضطرت واشنطن للتواصل المكثف مع القاهرة، وأجرى بايدن اتصالين بالرئيس السيسي خلال خمسة أيام، ما أعاد تسليط الضوء على أهمية الدور المصري كوسيط لا غنى عنه.
وشاركت مصر في الحوار الإستراتيجي المصري–الأمريكي عام 2021، الذي ناقش توسيع التعاون العسكري، والاقتصادي، والتكنولوجي.
خامسا: أوروبا... شريك تنموي وتجاري رئيسي
تُعد أوروبا الشريك التجاري الأول لمصر، ومصدرًا رئيسيًا للسياحة والاستثمار، وهو ما انعكس على العلاقات المتنامية مع فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، واليونان.
فرنسا، على سبيل المثال، أصبحت موردًا أساسيًا للسلاح لمصر (صفقات "رافال"، وفرقاطات، وسفن هجومية بأكثر من 7 مليارات يورو). كما دعمت ألمانيا مشروعات الطاقة، وشاركت إيطاليا في منتدى غاز شرق المتوسط.
قدمت مصر نفسها أيضًا كركيزة للاستقرار الإقليمي في قضايا مثل أمن الطاقة، من خلال تصدير الغاز إلى أوروبا، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، حيث نجحت منذ 2016 في وقف تدفقات المهاجرين عبر سواحلها، ما نال إشادة أوروبية واسعة.
استضافت مصر قمة المناخ COP27 في 2022، بمشاركة أوروبية بارزة، مما عزز صورتها الدولية في ملفات البيئة والتنمية المستدامة.
ورغم التوترات الدورية بسبب ملفات مثل قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، فإن المصالح المتبادلة عادة ما تطغى، باعتبار مصر شريكًا لا يمكن تجاوزه في أمن المتوسط والشرق الأوسط.
من خلال بناء علاقات استراتيجية مع كل من روسيا، الصين، الولايات المتحدة، وأوروبا، نجحت مصر في تحقيق انفتاح متوازن يحافظ على استقلالية القرار الوطني ويمنحها مرونة دبلوماسية فاعلة. هذا التوازن مكّن القاهرة من لعب أدوار إقليمية ودولية بحسابات دقيقة، وتعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية دون ارتهان لأي محور.
خاتمتك قوية وغنية، تحتاج فقط إلى تشذيب لغوي وتكثيف الصياغة لتكون أكثر احترافًا ووقعًا، مع الحفاظ على نغمة التقييم الموضوعي بعيدًا عن التهويل أو التهوين. إليك النسخة المنقحة:
المحصلة
في المحصلة، يتّضح أن مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي سعت بوضوح إلى ترسيخ مكانتها كدولة ذات ثقل سياسي محوري في إقليم تتنازعه الأزمات. فعلى صعيد القضية الفلسطينية، حافظت على دورها التاريخي كوسيط رئيسي وضامن للحقوق الفلسطينية، مؤكدة رفضها القاطع لمخططات التهجير وتفريغ الأرض من سكانها.
أمنيًا، تبنّت الدولة إستراتيجية متعددة الجبهات؛ واجهت الفوضى في ليبيا بالحزم والدبلوماسية، سعت لمنع انهيار السودان انطلاقًا من حسابات الأمن القومي، وحجّمت خطر الإرهاب في سيناء عبر مواجهات باهظة الكلفة بشريًا وماديًا. وفي شرق المتوسط، حافظت على حقوقها في الثروات البحرية عبر تحالفات محسوبة ومواقف قانونية مدروسة.
اقتصاديًا، ورغم التحديات الضاغطة، شهدت البلاد تنفيذ مشروعات قومية عملاقة—من قناة السويس الجديدة إلى العاصمة الإدارية—ساهمت في تغيير الخريطة التنموية، ورافقتها إصلاحات هيكلية لتحفيز الاستثمار، رغم ما رافقها من كلفة اجتماعية أثارت الجدل.
خارجيًا، انتهجت مصر سياسة تنويع الشراكات؛ عززت علاقاتها بالأشقاء الخليجيين في ملفات الأمن والتنمية، وانفتحت على روسيا والصين لتعظيم البدائل الاستراتيجية، دون التفريط بعلاقاتها التاريخية مع الغرب، حيث استمرت الشراكة مع الولايات المتحدة وأوروبا على قاعدة المصالح المتبادلة والاحترام النسبي لخصوصية القرار المصري.
وبالرغم من استمرار تحديات داخلية وإقليمية تتطلب يقظة دائمة وإصلاحات شجاعة، فإن مصر تحتفظ بأوراق قوة لا يُستهان بها: موقع جغرافي فريد، كثافة سكانية هائلة، جيش قوي، شبكة تحالفات مرنة، وخبرة دبلوماسية راسخة. هذه المقومات تؤهلها لأن تكون عنصر توازن رئيسي في منطقة تتخبط في الصراعات.
إن استقرار مصر لا يُعد مصلحة وطنية فقط، بل هو ضرورة إقليمية ودولية لضمان الأمن الجماعي: من دعم جهود السلام الفلسطيني-الإسرائيلي، إلى حماية الملاحة في قناة السويس، وصولًا إلى مكافحة الإرهاب، وتحقيق توازن ردعي في وجه قوى إقليمية تسعى لفرض أمر واقع جديد.
بهذا، تواصل مصر لعب دور اللاعب المحوري الذي لا يمكن تجاوزه في صياغة مستقبل المنطقة، بما تمتلكه من إمكانات وما تنهض به من مسؤوليات، تؤكد مصر اليوم أنها لا تزال بحق "قلب العالم العربي" النابض، الذي ترتبط بسلامته واستقراره آمال الاستقرار والتنمية في الشرق الأوسط بأسره.