أمن الطاقة العالمي يمر من باب المندب..
تقرير: الحوثيون والبحر الأحمر.. تهديد تكتيكي أم ورقة استراتيجية إيرانية؟
لم تعد أزمة الملاحة في البحر الأحمر حدثًا عابرًا مرتبطًا بتوترات أمنية مؤقتة، بل تحوّلت إلى عامل ضغط هيكلي على سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة. ففي ممر يمر عبره جزء حاسم من تجارة العالم ونقل النفط والغاز، باتت الاستجابة لا تُقاس بالتصريحات السياسية، بل بقدرة الدول على بناء ردع فعلي على الأرض.
البحر الأحمر بين تهديد الحوثيين ومعادلات الردع الإقليمي
لم تعد حماية الملاحة في البحر الأحمر مسألة دبلوماسية أو بيانات سياسية، بل باتت اختبارًا عمليًا لقدرة الدول الفاعلة على تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى بنية ردع ميدانية. وفي هذا السياق، يبرز الدور الإماراتي بوصفه عنصرًا مؤثرًا لا يقتصر على التنسيق السياسي، بل يمتد إلى الاستثمار في الجغرافيا والبنية التحتية البحرية، بما يحد من هشاشة أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم.
تقرير صادر عن مجلة ناشيونال إنترست الأمريكية يسلّط الضوء على هذا البعد، معتبرًا أن مساهمة دولة الإمارات في تأمين خليج عدن والبحر الأحمر أسهمت في تقليص مخاطر تقلبات الأسعار العالمية، في ممر لا يحدد فقط مسارات التجارة، بل يؤثر مباشرة في تسعير الطاقة واستقرار الأسواق الدولية.
ووفق التقرير، فإن أي اضطراب—even محدود—في باب المندب أو خليج عدن أو قناة السويس ينعكس سريعًا في ارتفاع تكاليف الشحن، وزيادة أقساط التأمين، وتأخير سلاسل الإمداد، وهو ما يترجم في النهاية إلى ضغوط تضخمية تطال المستهلكين، لا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا. لهذا، لا تنظر واشنطن إلى البحر الأحمر بوصفه ممرًا تجاريًا فحسب، بل كأحد أعمدة أمن الطاقة العالمي.
في هذا الإطار، ترى المجلة أن الاستراتيجية الإماراتية تميّزت بتوافق واضح مع أولويات الأمن البحري الأمريكي، من خلال نهج إقليمي متكامل، جمع بين العمل العسكري، والتنسيق الاستخباراتي، والاستثمار طويل الأمد في البنية التحتية الساحلية. نهجٌ، بحسب التقرير، حمّل الإمارات مخاطر تشغيلية تجنبتها أطراف أخرى، لكنه في المقابل أعاد توزيع أعباء الردع البحري بشكل أكثر توازنًا بين الحلفاء.
التحدي الأبرز، كما يشير التقرير، يتمثل في التهديدات التي تقودها جماعة الحوثيين في اليمن، والتي تحولت منذ عام 2023 إلى المصدر الرئيسي للمخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال. ومع تصاعد الهجمات المرتبطة بسياقات إقليمية أوسع—من حرب غزة إلى التوتر الإيراني-الإسرائيلي—أصبحت الملاحة في البحر الأحمر ساحة اختبار لمصداقية الردع الغربي.
الأرقام تعكس حجم الاضطراب: نحو 80% من سفن الحاويات غيّرت مسارها بعيدًا عن البحر الأحمر باتجاه رأس الرجاء الصالح، ما أضاف 10 إلى 14 يومًا على زمن العبور. صحيح أن ناقلات النفط أبدت مرونة أكبر في الاستمرار، لكن ذلك جاء مقابل ارتفاع حاد في أقساط التأمين وتشديد غير مسبوق في الإجراءات الأمنية، ما زاد من كلفة الطاقة عالميًا.
وتحذّر المجلة من أن استمرار هذا الوضع يقوّض جهود واشنطن في احتواء التضخم وضبط سلاسل التوريد، في توقيت سياسي واقتصادي بالغ الحساسية. كما أن استخدام إيران للحوثيين كورقة ضغط بحرية يعمّق المخاطر، خاصة في ظل ضغوط داخلية تواجهها طهران واحتمالات عودة التصعيد العسكري.
في المقابل، يلفت التقرير إلى أن تحركات الإمارات منذ اندلاع الحرب في اليمن—من تأمين عدن، إلى طرد تنظيم القاعدة من المكلا، ومنع الحوثيين من السيطرة على نقاط انطلاق ساحلية—أسهمت في تغيير الجغرافيا المادية للتهديد، وليس فقط احتوائه. هذا التحول، وفق المجلة، خفف العبء عن القوات الأمريكية المنتشرة في مهام أمن بحري طارئة، ومنح واشنطن هامش مناورة أوسع في إدارة الأزمة.
الخلاصة التي يقدّمها التقرير واضحة: في زمن تتداخل فيه الطاقة بالأمن، والملاحة بالسياسة، لم يعد الردع يُقاس بعدد السفن أو البيانات، بل بقدرة الدول على بناء بنية تحتية تفرض الاستقرار بالقوة الناعمة والخشنة معًا. وفي البحر الأحمر، تبدو الإمارات لاعبًا يتقن هذه المعادلة بدقة محسوبة.


