"اليمن والصومال والسودان" وحدة مفروضة وصراعات مفتوحة..

هل تقوم السياسات السعودية على فرض “الوحدة” بالقوة في دول البحر الأحمر؟

جاءت الوحدة اليمنية بوصفها حدثًا تاريخيًا أنهى عقودًا من الانقسام بين شمال البلاد وجنوبها، وحملت معها آمالًا واسعة ببناء دولة حديثة تقوم على الشراكة والمواطنة المتساوية. غير أن مسارها العملي سرعان ما اصطدم باختلالات سياسية واقتصادية عميقة، أفقدتها توازنها، وحوّل الوحدة من مشروع وطني جامع إلى أزمة مفتوحة ما زالت تداعياتها تلقي بظلالها على اليمن حتى اليوم.

جنوبيون يتظاهرون في عدن ويرفعون أعلام الجنوب

د. خالد القاسمي

تثير المواقف السعودية المتكررة، التي تتهم دولة الإمارات بدعم ما تصفهم بـ«العناصر الانفصالية» في دول مطلة على البحر الأحمر، مثل اليمن والصومال والسودان، تساؤلات جوهرية حول دقة هذه الرواية، وأهدافها الحقيقية. فقراءة السياق التاريخي والسياسي لهذه الدول تُظهر أن الحديث عن “تفكيك وحدات مستقرة” لا يستقيم مع الوقائع، إذ إن هذه الوحدات نفسها قامت على أسس هشة وغير متكافئة، وانتهت جميعها إلى صراعات دامية لم تتوقف آثارها حتى اليوم.

في اليمن، دخل الشطران الشمالي والجنوبي في وحدة عام 1990، في إطار ترتيبات سياسية غير متوازنة. ولم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى اندلعت الحرب بين الطرفين في 27 أبريل 1994، لتنتهي في 7 يوليو من العام نفسه باجتياح القوات الشمالية للجنوب. ومنذ ذلك التاريخ، دخل الجنوب في مسار طويل من المقاومة السياسية والعسكرية، دفع خلاله آلاف الضحايا، ولا تزال تداعيات تلك الحرب حاضرة حتى اليوم. وتُظهر التطورات الأخيرة استعداد قوى شمالية للتفريط بأجزاء من المهرة وحضرموت، في سياق تفاهمات إقليمية، مقابل تكريس السيطرة على بقية الجنوب تحت مسميات جديدة، كالوحدة أو الأقاليم.

أما في الصومال، فقد نشأت الدولة الموحدة عام 1960 من خلال اتحاد كيانين خرجا من تجربتين استعماريتين مختلفتين. غير أن هذه الوحدة لم تصمد طويلًا أمام التناقضات الداخلية، إذ اندلعت الحرب الأهلية مطلع عام 1991 عقب سقوط نظام محمد سياد بري. حرب استمرت أكثر من ثلاثة عقود، خلّفت عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وملايين المشردين، ولا تزال الدولة الصومالية تعاني من هشاشة بنيوية عميقة، جعلتها واحدة من أطول الأزمات المفتوحة في إفريقيا.

وفي السودان، خرج الشارع في ديسمبر 2019 مطالبًا بإسقاط نظام عمر البشير، آملًا في انتقال حقيقي نحو حكم مدني. غير أن تعثر المرحلة الانتقالية، وتغوّل المؤسسة العسكرية، قادا إلى انفجار الصراع في 15 أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، بعد رفض تسليم السلطة للمدنيين. وقد تحولت المواجهات إلى حرب شاملة التهمت مقدرات البلاد، وأسفرت عن سقوط آلاف الضحايا وتشريد الملايين، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في المنطقة.

ضمن هذا السياق، يبرز سؤال مركزي لا يمكن تجاهله: ماذا تريد السعودية فعليًا من هذا الإقليم المضطرب؟ وهل تقوم مقاربتها على فرض نماذج “وحدة وطنية” بالقوة، حتى وإن كانت النتيجة مزيدًا من الدماء والانقسامات؟ أم أن هناك بدائل سياسية ودبلوماسية كان يمكن أن تفضي إلى حلول أكثر توازنًا، تراعي خصوصيات هذه الدول، وتحدّ من كلفة الصراعات على شعوبها؟

إن استحضار هذه التجارب يضع السياسات الإقليمية، وفي مقدمتها السياسة السعودية، أمام اختبار أخلاقي وسياسي حقيقي. فبدل الدفع نحو مسارات تكرّس العنف وتعيد إنتاج الأزمات، كان الأجدر دعم حلول توافقية تعالج جذور النزاعات، وتمنح الشعوب حقها في تقرير مصيرها بعيدًا عن منطق الفرض والقوة. ويبقى الحكم في النهاية للقارئ المتابع، الذي باتت ملامح هذه السياسات، وأهدافها غير المعلنة، أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.