مائة ألف إيراني يرسمون خارطة الطريق لإسقاط نظام الملالي..
قراءة في رؤية مريم رجوي لجمهورية ديمقراطية وفصل الدين عن الدولة
أظهرت تظاهرة برلين أن المعارضة الإيرانية لم تعد مجرد صوت في المنفى، بل طرف سياسي يسعى لتقديم نفسه كبديل منظم للنظام القائم. فالحشد الكبير، والخطابات السياسية المصاحبة له، عكسا انتقال الخطاب من الاحتجاج إلى طرح مشروع حكم، يقوم على إنهاء الاستبداد وبناء دولة مدنية ديمقراطية.
إجماع دولي في برلين على شرعية "وحدات المقاومة" في الداخل
لم تكن برلين، يوم السبت 7 شباط/فبراير، مجرد عاصمة أوروبية احتضنت تجمعًا اعتياديًا للمغتربين الإيرانيين، بل تحولت إلى منصة سياسية مفتوحة لإعلان مرحلة جديدة في مسار الصراع مع النظام الحاكم في طهران. تحت بوابة براندنبورغ التاريخية، وفي مشهد غير مسبوق من حيث الحجم والدلالة، احتشد نحو مائة ألف إيراني، متحدّين البرد القارس والظروف الجوية الصعبة، ليبعثوا برسالة واضحة إلى الداخل الإيراني والمجتمع الدولي مفادها أن ما يجري في إيران لم يعد احتجاجًا عابرًا، بل مشروع تغيير سياسي منظم.
هذا الحشد، الذي مثّل امتدادًا ميدانيًا لحراك شعبي واسع داخل إيران، عكس انتقال المعارضة من حالة التعبير الرمزي إلى تقديم نفسها كقوة سياسية فاعلة. فقد أكد المشاركون أن ثورة يناير 2026 لم تعد مجرّد موجة غضب، بل مسارًا متدرجًا تقوده إرادة شعبية تسعى لاستعادة السيادة الوطنية وإنهاء عقود من الحكم الاستبدادي. وبذلك، بدا المشهد وكأنه تصويت جماعي على أن المقاومة الإيرانية باتت الرقم الأصعب في معادلة التغيير، والبديل الأكثر تنظيمًا لمرحلة ما بعد سقوط نظام الملالي.
في هذا السياق، شكّل خطاب السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، المحور السياسي الأبرز للتظاهرة. فقد سعت رجوي، في كلمتها أمام الحشود، إلى تبديد المخاوف المرتبطة بمرحلة ما بعد إسقاط النظام، مؤكدة أن التغيير لا يعني الفوضى، بل يمثل “بوابة انتقال منظم نحو سيادة الشعب”. واستنادًا إلى تاريخ طويل من العمل السياسي والتنظيمي، طرحت رؤية متكاملة لما أسمته “إيران الغد”، تقوم على إقامة جمهورية ديمقراطية، تفصل الدين عن الدولة، وتضمن المساواة الكاملة بين المواطنين، وتتبنى خيار الدولة غير النووية المنفتحة على محيطها الإقليمي والدولي.
وكان تأكيدها على شعار “لا لنظام الشاه ولا لنظام الملالي” بمثابة إعلان قطيعة نهائية مع جميع أشكال الحكم الفردي، ورسالة تطمين في آن واحد بأن البديل المطروح ليس إعادة إنتاج للماضي، بل مشروع ديمقراطي واضح المعالم. وشددت رجوي على أن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يشكل الضامن الأساسي لعدم انزلاق البلاد نحو فراغ سياسي أو صراعات داخلية بعد سقوط النظام.
اللافت في تظاهرة برلين لم يكن الحضور الإيراني فقط، بل أيضًا الزخم الدولي المصاحب لها. فقد وصف شارل ميشيل نضال الشعب الإيراني بأنه “مقاومة القرن الحادي والعشرين”، معتبرًا أن ما تشهده إيران اليوم هو تصحيح لمسار تاريخي انحرف منذ الثورة التي أطاحت بالشاه، قبل أن تتم مصادرتها من قبل رجال الدين. وأكد ميشيل أن فشل النظام الحالي هو امتداد لفشل مزدوج للديكتاتورية، مشددًا على أن سياسة الاسترضاء مع طهران وصلت إلى طريق مسدود، وأن دعم الإرادة الشعبية بات الخيار الأكثر واقعية.
من جانبه، عزز مايك بومبيو هذا التوجه، معتبرًا أن ما يحدث في إيران يمثل “ثورة حقيقية” ضد نظام فقد شرعيته السياسية والأخلاقية. وأشار إلى أن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يقدم بديلًا سياسيًا واضحًا لا يعتمد على التدخل الخارجي، بل على التنظيم الداخلي والاحتكام إلى الانتخابات الحرة. هذا الدعم السياسي ترافق مع موقف حقوقي صريح، عبّرت عنه وزيرة العدل الألمانية السابقة زابينه لويتهويزر-اشنارنبرغر، التي دعت إلى ملاحقة المسؤولين عن الجرائم بحق الشعب الإيراني، مؤكدة أن الإفلات من العقاب لم يعد خيارًا مقبولًا.
ما يميز ما بات يُعرف بـ“ملحمة برلين” هو هذا التلاحم الواضح بين الإيرانيين في الخارج ووحدات المقاومة في الداخل، التي شارك أفرادها من معسكر أشرف 3 عبر البث المباشر. هذا التفاعل عكس وجود شبكة تنظيمية متماسكة قادرة على ربط الغضب الشعبي بالفعل السياسي، وتحويل الاحتجاج إلى مشروع تغيير منظم، وهو ما يمنح المقاومة الإيرانية ثقلها الحقيقي.
في المحصلة، وضعت تظاهرة برلين المجتمع الدولي أمام اختبار سياسي وأخلاقي. فالمطالب التي طُرحت، وفي مقدمتها الاعتراف بحق الشعب الإيراني في إسقاط النظام ووقف دعم أذرعه الخارجية، لم تعد مطالب نخبة سياسية في المنفى، بل تعبيرًا عن إرادة شعبية واسعة. وقد أظهرت المقاومة الإيرانية، من خلال هذا الحشد، أنها تمتلك الرؤية والقيادة والقاعدة الشعبية اللازمة لإدارة مرحلة انتقالية محتملة، في مؤشر على أن الحديث عن جمهورية ديمقراطية في إيران لم يعد حلمًا مؤجلًا، بل احتمالًا سياسيًا يقترب تدريجيًا من التحقق.


