ملف إيران..
خطاب المعارضة الإيرانية في ميونيخ: بين الرسائل الرمزية وإعادة تشكيل سردية التغيير
في ظل تصاعد النقاشات الدولية حول مستقبل إيران، برز خطاب المعارضة الإيرانية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن كمحاولة لإعادة التموضع داخل المشهد السياسي العالمي، عبر طرح رؤية تسعى لتقديم بديل سياسي يرفض التدخل الخارجي ويؤكد على دور الداخل الإيراني في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
محمد محدثين مسؤول لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية
جاء خطاب محمد محدثين، مسؤول لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، خلال تظاهرة نظمت بالتزامن مع مؤتمر ميونيخ للأمن، في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الضغوط الغربية على طهران مع تصاعد النقاشات حول مستقبل النظام الإيراني وإمكانية حدوث تحولات داخلية. ورغم أن الحدث لم يحمل بعداً تنفيذياً مباشراً، فإنه يعكس محاولة واضحة من بعض أطراف المعارضة لإعادة إدخال نفسها إلى معادلة النقاش الدولي بوصفها فاعلاً سياسياً يسعى لتقديم بديل محتمل.
اختيار ميونيخ منصة للخطاب يحمل دلالة رمزية وسياسية، فالمؤتمر يمثل أحد أهم فضاءات النقاش الأمني في العالم، ما يمنح أي خطاب يُلقى على هامشه قدرة أكبر على الوصول إلى صناع القرار. في هذا السياق، ركز محدثين على نفي سيناريوهات التدخل الخارجي على غرار ما حدث في العراق عام 2003، وهو خطاب يبدو موجهاً بالأساس إلى العواصم الأوروبية التي باتت أكثر تحفظاً تجاه مشاريع تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية، خاصة بعد تجارب إقليمية معقدة خلال العقدين الماضيين.
يحاول الخطاب إعادة صياغة مفهوم الشرعية السياسية عبر تقديم “المقاومة المنظمة” كبديل ثالث يرفض العودة إلى النظام الملكي السابق ويرفض في الوقت ذاته استمرار النظام الحالي. هذه الصياغة تعكس إدراكاً لوجود انقسامات داخل المعارضة الإيرانية نفسها، ومحاولة لتجاوز الثنائية التقليدية بين أنصار الشاه ومعارضي النظام، عبر طرح رؤية سياسية تزعم أنها امتداد لمسار تاريخي طويل من الاحتجاجات والحركات الوطنية داخل إيران. غير أن هذه السردية تواجه تحديات واقعية، أبرزها غياب توافق واسع داخل المعارضة، وافتقارها إلى حضور ميداني واضح يمكن قياس تأثيره داخل البلاد.
الرسائل الموجهة إلى الغرب بدت حاضرة بقوة في الخطاب، إذ جرى التأكيد على رفض الحرب الخارجية بالتوازي مع رفض ما وُصف بسياسات الاسترضاء. هذا التوازن الخطابي يعكس محاولة لاحتلال مساحة وسطية في النقاش الدولي، بحيث تظهر المعارضة كخيار قادر على تحقيق التغيير دون دفع المنطقة نحو صراع عسكري واسع. غير أن هذا الطرح يظل نظرياً إلى حد كبير في ظل استمرار القوى الغربية في التعامل مع الملف الإيراني بمنطق إدارة الأزمة عبر العقوبات والدبلوماسية، بدلاً من دعم مسارات تغيير سياسي جذري.
كما أن استدعاء الشعارات المرتبطة برفض نظام الشاه ونظام الملالي معاً يحمل بعداً رمزياً يسعى لإعادة تعريف هوية المعارضة أمام الرأي العام الدولي، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن صراع سرديات داخل المشهد الإيراني، حيث تتنافس عدة تيارات على تمثيل فكرة “إيران المستقبل”. هذا التنافس يضعف القدرة على تشكيل جبهة موحدة، ويجعل أي خطاب سياسي عرضة للتشكيك بشأن مدى تمثيله الفعلي لمختلف شرائح المجتمع الإيراني.
ويمكن قراءة الخطاب باعتباره جزءاً من محاولة إعادة التموضع السياسي للمعارضة الإيرانية في الخارج، مستفيدة من تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية على طهران ومن تزايد الحديث الدولي عن مستقبل النظام. ومع ذلك، فإن تأثير هذه التحركات يبقى محدوداً في غياب مؤشرات واضحة على تحول داخلي واسع النطاق، أو على استعداد القوى الدولية لتغيير مقاربتها التقليدية تجاه الملف الإيراني.
ويعكس خطاب ميونيخ صراعاً متزايداً على تعريف مستقبل إيران أكثر مما يعكس تحولاً حقيقياً في موازين القوى. فالمعارضة تسعى إلى ترسيخ حضورها ضمن النقاش الدولي، بينما تظل المعادلة النهائية رهينة بتفاعلات الداخل الإيراني أولاً، وبحسابات القوى الكبرى التي ما زالت تفضل إدارة التوتر بدلاً من الدفع نحو سيناريوهات تغيير جذرية قد تفتح أبواباً يصعب السيطرة عليها في منطقة تعيش أصلاً على حافة أزمات متداخلة.


