مسار ملتبس في اليمن..

تقرير: هل تعيد السعودية صياغة الحرب مع الحوثيين أم تدير أزمة مفتوحة؟

تعكس اللقاءات غير المباشرة بين السعودية والحوثيين انتقالاً تدريجياً من منطق المواجهة إلى إدارة الصراع، حيث تسعى الرياض إلى تقليل الكلفة الأمنية واحتواء التهديدات، دون الانخراط في تسوية سياسية كاملة أو الاعتراف بشرعية الجماعة بشكل صريح

وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان خلال استقباله وفد من جماعة الحوثي اليمنية - أرشيف وكالة الأنباء السعودية "واس"

الرياض

في العاصمة الأردنية عمّان، لم تكن الاجتماعات التي جمعت ممثلين عن السعودية والحوثيين مجرد لقاءات تقنية ضمن لجنة أممية، بل بدت أقرب إلى محطة كاشفة لمسار سياسي ملتبس، يعيد طرح أسئلة قديمة حول طبيعة الدور السعودي في اليمن، وحدود التباين بين الخطاب والممارسة.

اللقاءات التي عُقدت يومي 19 و20 أبريل، وُضعت رسمياً في إطار “خفض التصعيد”، غير أن طريقة تقديمها من قبل الحوثيين، بوصفها تواصلاً مباشراً مع الرياض بعيداً عن الحكومة اليمنية، عكست واقعاً مختلفاً، حيث تتحول القنوات الأممية إلى غطاء لتفاهمات ثنائية غير معلنة، تعيد رسم خطوط الصراع خارج المؤسسات الرسمية.

هذا المشهد لا يمكن فصله عن مسار أوسع بدأ منذ سنوات، حين انتقلت السعودية تدريجياً من قيادة حرب مفتوحة إلى إدارة علاقة مركبة مع الحوثيين، تقوم على التفاوض غير المباشر وتبادل الرسائل الأمنية، دون حسم سياسي واضح. وهو انتقال يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الرياض قد تخلت فعلياً عن أهدافها المعلنة، أم أنها تعيد تعريفها بما يتناسب مع كلفة الحرب المتزايدة.

اللافت أن هذا التحول يتزامن مع استمرار الخطاب الرسمي الذي يصنف الحوثيين كتهديد أمني، في وقت تُفتح فيه قنوات التواصل معهم بشكل متزايد، ما يضع السياسة السعودية أمام مفارقة واضحة: كيف يمكن الجمع بين اعتبار الجماعة خصماً استراتيجياً، والتعامل معها كشريك تفاوضي في الوقت ذاته؟

التقارير الإعلامية التي تحدثت عن ترتيبات مالية مرتبطة بتوقيت تحركات الحوثيين، رغم غياب تأكيدات مستقلة لها، تضيف طبقة أخرى من الغموض، وتشير إلى احتمال وجود تفاهمات تتجاوز ما يُعلن، خاصة في ظل استمرار اللقاءات المباشرة وتوسعها.

في هذا السياق، تبدو السعودية وكأنها انتقلت من محاولة إعادة تشكيل اليمن سياسياً إلى الاكتفاء بإدارة المخاطر الأمنية، وهو تحول يعكس، من جهة، إدراكاً لصعوبة الحسم العسكري، لكنه من جهة أخرى يطرح تساؤلات حول كلفة هذا النهج على مستقبل الدولة اليمنية.

فالتركيز على “ضبط السلوك” بدلاً من معالجة جذور الصراع، قد يكرّس واقعاً قائماً يمنح الحوثيين مساحة أوسع للتمدد، خاصة في ظل غياب مشروع سياسي متكامل يعيد بناء التوازن داخل اليمن.

كما أن تجاوز الحكومة اليمنية في مثل هذه اللقاءات يضعف موقعها التفاوضي، ويعزز الانطباع بأن القرار لم يعد بيدها، بل يُدار ضمن ترتيبات إقليمية أوسع، ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل المشهد اليمني وفق أولويات خارجية أكثر من كونه تعبيراً عن إرادة داخلية.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الحوثيين باتوا لاعباً يصعب تجاوزه، لكن التعامل معهم خارج إطار تسوية شاملة قد يؤدي إلى تثبيت معادلة غير مستقرة، تقوم على هدنة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة.

وتكشف لقاءات عمّان عن مرحلة جديدة في إدارة الصراع، لكنها أيضاً تفضح حدود هذه الإدارة؛ إذ تبدو أقرب إلى محاولة لتجميد الأزمة لا حلها، ما يترك اليمن عالقاً بين حرب لم تُحسم، وسلام لم يكتمل، في ظل دور سعودي يزداد غموضاً بقدر ما يتسع تأثيره.