أموال ضخمة للإعمار ونتائج محدودة على الأرض..
هل تحولت مشاريع الإعمار السعودية في اليمن إلى أدوات نفوذ سياسي؟
تتزايد التساؤلات داخل الأوساط اليمنية والبحثية حول مصير مليارات الدولارات المخصصة للإعمار والمساعدات، في ظل اتساع الفجوة بين حجم التمويلات المعلنة والنتائج المحدودة على الأرض، واستمرار تدهور الخدمات الأساسية والأوضاع المعيشية في مختلف المحافظات اليمنية
اتهامات متصاعدة بفساد مشاريع الإعمار والمساعدات في اليمن خلال الحرب - أرشيف
سلّطت ندوة بحثية نظمها مركز “الرقيب” البحثي في بريطانيا الضوء على تصاعد الجدل المتعلق بملف المساعدات وإعادة الإعمار في اليمن، وسط اتهامات متزايدة بوجود اختلالات واسعة في منظومة إدارة التمويل والمشاريع التنموية، وفجوة متنامية بين حجم الأموال المعلنة وما تحقق فعلياً على أرض الواقع.
الندوة، التي عُقدت عبر الإنترنت بمشاركة باحثين يمنيين وعرب ومهتمين بالشأن اليمني من أوروبا وعدد من الدول العربية، ناقشت التحولات المرتبطة بالدور السعودي في اليمن، خصوصاً من خلال البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، الذي بات خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز أدوات النفوذ الاقتصادي والسياسي داخل البلاد.
ورغم تأكيد بعض المشاركين أن السعودية ودول الخليج تسعى إلى دعم استقرار اليمن ومنع انهياره الكامل بحكم الارتباط الجغرافي والأمني، فإن جانباً واسعاً من النقاش تركز حول الاتهامات المتعلقة بضعف الرقابة على المساعدات، وغياب الشفافية في تنفيذ المشاريع، واستمرار تدهور الخدمات الأساسية رغم الإعلان المتكرر عن مبادرات وتمويلات بمليارات الدولارات.
وبحسب ما طُرح خلال الندوة، فإن قطاعاً من الباحثين والمحللين اليمنيين بات ينظر إلى ملف الإعمار باعتباره أحد أكثر الملفات غموضاً وإثارة للجدل، في ظل تضخم الحضور الإعلامي للمشاريع مقارنة بحجم الإنجاز الحقيقي على الأرض.
وأشار أحد الباحثين المشاركين إلى ضرورة إنشاء منظومة رقابية مستقلة وحازمة لمراجعة آليات توزيع المساعدات والإشراف على المشاريع، مستشهداً بانتقادات متداولة في الأوساط اليمنية تتعلق بإدارة الدعم والتمويل عبر جهات رسمية سعودية، وسط اتهامات بوجود فساد وسوء إدارة وتأخر في التنفيذ.
كما تناولت الندوة آراء وتحليلات يمنية تحدثت عن اتساع الفجوة بين الواقع المعيشي المتدهور وبين الخطاب الرسمي المرتبط بالإعمار والتنمية، حيث أكد محللون أن ملايين اليمنيين ما يزالون يعيشون أوضاعاً قاسية تتسم بانعدام الأمن الغذائي وتراجع الخدمات الأساسية وارتفاع الأسعار، رغم استمرار الإعلانات عن مشاريع دعم وإعادة إعمار.
وأشار مشاركون إلى أن حالة الإحباط الشعبي تصاعدت خلال السنوات الأخيرة بسبب غياب الأثر الملموس لكثير من المشاريع المعلنة، خصوصاً في قطاعات البنية التحتية والطاقة والخدمات، معتبرين أن جزءاً كبيراً من هذه المشاريع بقي ضمن إطار الحملات الإعلامية والإعلانات الرسمية دون انعكاس واضح على حياة المواطنين اليومية.
وفي هذا السياق، برزت انتقادات تتعلق بالدور المتنامي للسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، الذي بات، وفق توصيف عدد من المشاركين، يتجاوز الدور الدبلوماسي التقليدي إلى إدارة ملفات اقتصادية وتنموية وسياسية واسعة تشمل الوقود والطاقة والبنية التحتية والتنسيق السياسي.
ويرى منتقدون أن هذا التركيز الكبير للنفوذ داخل شخصية واحدة أو جهة واحدة خلق حالة من الضبابية حول آليات اتخاذ القرار الاقتصادي والتنموي، وأثار تساؤلات بشأن حدود الرقابة المحلية على الأموال والمشاريع التي يتم الإعلان عنها باستمرار.
كما حذر باحثون من أن تحويل برامج الإعمار إلى أدوات نفوذ سياسي قد يؤدي إلى تكريس الاعتماد طويل الأمد على الدعم الخارجي، بدلاً من بناء مؤسسات يمنية مستقلة وقادرة على إدارة الاقتصاد والخدمات بصورة مستدامة.
واعتبر مشاركون أن بعض مشاريع الإعمار تحولت إلى ما يشبه “المشاريع الدعائية”، حيث يجري التركيز على افتتاح مكاتب أو الإعلان عن مبادرات وبرامج جديدة، بينما تبقى النتائج الفعلية محدودة أو غير واضحة للرأي العام، خصوصاً في ظل غياب تقارير تفصيلية وشفافة حول نسب الإنجاز وآليات الصرف والتنفيذ.
كما طُرحت خلال الندوة تساؤلات حول ملفات الطاقة والكهرباء، التي أصبحت السعودية لاعباً رئيسياً فيها من خلال تمويل الوقود وتشغيل محطات الكهرباء، وهو ما يراه بعض الباحثين تكريساً لاعتماد اقتصادي متزايد يضعف استقلال القرار اليمني في المستقبل.
وفي المقابل، دافع بعض المشاركين عن الدور السعودي، معتبرين أن الرياض تتحرك وفق اعتبارات استراتيجية وأمنية مرتبطة بحماية حدودها الجنوبية ومنع انهيار اليمن بصورة كاملة، وأن جزءاً من التعثر يعود أيضاً إلى هشاشة الدولة اليمنية والانقسام السياسي والصراع المستمر بين القوى المحلية.
لكن حتى ضمن هذا الطرح، أقر مشاركون بأن البيئة السياسية والإدارية الحالية تسمح بوجود اختلالات واسعة، في ظل ضعف المؤسسات الرقابية، واستمرار التداخل بين النفوذ السياسي والاقتصادي، وغياب الشفافية الكاملة في إدارة التمويلات والمشاريع.
كما ناقشت الندوة تأثير هذا الواقع على مستقبل الاستقرار في اليمن، حيث حذر باحثون من أن استمرار إدارة الملف الاقتصادي بمنطق النفوذ السياسي والمصالح الإقليمية قد يفاقم حالة التآكل المؤسسي، ويعمق فقدان الثقة الشعبية تجاه السلطة المحلية والقوى الخارجية على حد سواء.
ولفتت المداخلات إلى أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق عبر المؤتمرات والإعلانات وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات فاعلة، ورقابة مستقلة، ومشاريع تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، خصوصاً في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والبنية التحتية.
كما شدد المشاركون على أن استمرار الفجوة بين التمويل المعلن والنتائج المحدودة على الأرض يغذي الشكوك الشعبية بشأن وجود فساد أو سوء إدارة أو توظيف سياسي للمساعدات، وهو ما يهدد بتحويل ملف الإعمار نفسه إلى مصدر إضافي للاحتقان وفقدان الثقة داخل المجتمع اليمني.
وخلصت الندوة إلى الدعوة لتفعيل منظومة رقابية أكثر صرامة وشفافية على مشاريع الإعمار والمساعدات، مع ضرورة بناء مؤسسات يمنية قادرة على إدارة الموارد بصورة مستقلة، بعيداً عن منطق النفوذ السياسي أو استخدام التنمية كأداة لإعادة تشكيل التوازنات داخل اليمن.



