حسابات القوة والتمويل..
هل يفقد الحوثيون سندهم الأهم؟ ضغوط إيران تفتح مرحلة جديدة من التحديات في اليمن
يرى مراقبون أن أي تراجع ملموس في الدعم الإيراني قد يدفع جماعة الحوثي إلى إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية والاقتصادية، في وقت تواجه فيه تحديات متزايدة تتعلق بالتمويل والتسليح والحفاظ على نفوذها داخل اليمن والمنطقة
سلطت مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية الضوء على ما وصفته بالمرحلة الحساسة التي تواجهها جماعة الحوثي في اليمن، في ظل مؤشرات متزايدة على احتمال تراجع الدعم الإيراني نتيجة الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تتعرض لها طهران، وما قد يرافق ذلك من إعادة ترتيب للأولويات داخل النظام الإيراني.
وبحسب تحليل أعده الباحث هنري روجرز، فإن الجماعة التي تمكنت طوال سنوات الحرب من الحفاظ على حضورها العسكري والسياسي رغم العقوبات والعمليات العسكرية، أصبحت أكثر ارتباطاً بشبكات الدعم الإيرانية، سواء على مستوى التسليح أو التدريب أو التمويل، ما يجعلها أكثر تأثراً بأي تغيرات قد تطرأ على قدرة إيران في مواصلة دعم حلفائها الإقليميين.
ويشير التحليل إلى أن الحوثيين تحولوا خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعدما لعبوا دوراً محورياً في تهديد خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر واستهداف مصالح إقليمية ودولية، وهو ما منح طهران ورقة ضغط إضافية ضمن حساباتها الإقليمية.
ورغم ذلك، يرى التقرير أن قوة الجماعة لا تستند إلى الدعم الخارجي وحده، بل تعتمد أيضاً على عوامل داخلية أسهمت في تعزيز قدرتها على الصمود، وفي مقدمتها الطبيعة الجغرافية للمناطق الواقعة تحت سيطرتها في شمال اليمن، حيث تشكل التضاريس الجبلية الوعرة بيئة دفاعية صعبة أمام أي عمليات عسكرية واسعة.
كما لفت التحليل إلى أن الحوثيين نجحوا في بناء منظومة اقتصادية خاصة تعتمد على الجبايات والضرائب والرسوم المفروضة على الأنشطة التجارية والسكان، إضافة إلى الاستفادة من الموقع الجغرافي لليمن المطل على أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
ويرى الباحث أن قرب الجماعة من البحر الأحمر ومضيق باب المندب منحها مزايا إضافية، ليس فقط على المستوى العسكري، وإنما من خلال الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموانئ والتجارة والتهريب، وهو ما وفر لها مصادر دخل موازية خلال سنوات الحرب.
وفي الجانب المالي، أشار التقرير إلى أن الجماعة طورت خلال السنوات الماضية شبكات مالية معقدة مكنتها من تجاوز العقوبات الدولية، مع اعتماد متزايد على العملات الرقمية المشفرة، وخاصة العملات المستقرة، في إدارة التحويلات المالية والحصول على المعدات والمواد اللازمة لعملياتها العسكرية.
لكن التقرير يعتبر أن هذه الأدوات المالية نفسها قد تتحول إلى نقطة ضعف مؤثرة في المستقبل، إذا ما قررت الولايات المتحدة وشركاؤها تكثيف جهود تعقب الأصول الرقمية المرتبطة بالجماعة وتقييد قدرتها على استخدام المنصات المالية البديلة.
ويؤكد التحليل أن العلاقة مع إيران تمثل في الوقت نفسه عنصر قوة وعنصر هشاشة بالنسبة للحوثيين. فالدعم الإيراني أسهم في تطوير القدرات الصاروخية والجوية للجماعة، ومكنها من امتلاك منظومات أكثر تطوراً مقارنة بسنواتها الأولى، إلا أن استمرار هذه القدرات يبقى مرتبطاً بقدرة طهران على مواصلة الإمداد والدعم.
ومع تزايد الضغوط الاقتصادية على إيران وتراكم كلفة المواجهات الإقليمية والعقوبات الدولية، يرجح التقرير أن تعيد طهران النظر في حجم الإنفاق المخصص لحلفائها الخارجيين، بما في ذلك الجماعة الحوثية، لصالح معالجة التحديات الداخلية المتنامية.
وفي حال حدوث ذلك، يتوقع الباحث أن تسعى الجماعة إلى البحث عن بدائل اقتصادية جديدة لتعويض أي نقص محتمل في التمويل، بما في ذلك محاولة توسيع النفوذ نحو المناطق الغنية بالنفط والغاز داخل اليمن، باعتبارها من أهم مصادر الإيرادات الممكنة مستقبلاً.
غير أن التقرير يشير إلى أن هذا الخيار يواجه تحديات كبيرة، نظراً إلى تعقيدات المشهد العسكري والقبلي في تلك المناطق، إضافة إلى اختلاف طبيعتها الجغرافية عن المناطق الجبلية التي توفر للحوثيين مزايا دفاعية واضحة.
ويرى روجرز أن المتغيرات الحالية تفتح أمام الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين فرصة لإعادة صياغة مقاربتهم تجاه الجماعة، عبر التركيز على استهداف شبكات التمويل والدعم اللوجستي وتعزيز التعاون الاستخباراتي مع الحلفاء الإقليميين، بدلاً من الاعتماد الحصري على العمليات العسكرية المباشرة.
ويخلص التحليل إلى أن الحوثيين ما زالوا يمتلكون قدرة عالية على التكيف مع المتغيرات والضغوط، إلا أن المرحلة المقبلة قد تشكل اختباراً حقيقياً لقدرتهم على الحفاظ على مستويات النفوذ الحالية إذا ما تقلصت مصادر الدعم الخارجية. كما يحذر من أن الجماعة ستسعى في المقابل إلى ابتكار وسائل جديدة للحفاظ على مواردها وتعويض أي خسائر محتملة، ما يجعل مستقبل الصراع مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف المختلفة على استثمار التحولات الإقليمية الجارية.



