من اليمن إلى القرن الأفريقي..
دراسة: الحوثيون وحركة الشباب.. تحالف الضرورة أم مؤشر على تراجع النفوذ الإيراني؟
"لم يعد التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية مجرد نشاط تهريب عابر، بل تحول إلى شراكة أمنية وعسكرية تتجاوز الحدود الجغرافية والأيديولوجية، في تطور يثير مخاوف متزايدة بشأن أمن البحر الأحمر ومستقبل الاستقرار في المنطقة، ويكشف في الوقت نفسه عن تحولات عميقة في بنية التحالفات المسلحة المرتبطة بإيران."
أي هجمات أميركية على الحوثيين قد تغرق واشنطن في صراع جديد
في الوقت الذي تنشغل فيه القوى الدولية بمستقبل المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وتداعيات الصراع الإقليمي المتسارع، بدأت تتكشف ملامح تحالفات جديدة في مناطق تعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية. ومن بين هذه التحولات يبرز التعاون المتنامي بين جماعة الحوثي في اليمن وحركة الشباب الصومالية بوصفه أحد أكثر التطورات إثارة للقلق على مستوى الأمن الإقليمي والدولي.
فالدراسة الصادرة عن منصة "منظمة السلام العالمي" الكندية لا تنظر إلى العلاقة بين الجانبين باعتبارها مجرد امتداد لشبكات التهريب التقليدية التي نشطت لعقود عبر خليج عدن والبحر الأحمر، بل تصفها كشراكة أمنية واستراتيجية تتطور بصورة متسارعة وتتجاوز الحسابات المؤقتة إلى بناء مصالح طويلة الأمد بين جماعتين مسلحتين تنشطان على ضفتي أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ويكتسب هذا التطور أهمية استثنائية لأنه يكشف عن تغيرات عميقة في طبيعة التحالفات المسلحة في المنطقة. فالتقارب بين جماعة الحوثي ذات الارتباط العقائدي والسياسي بالمشروع الإيراني، وبين حركة الشباب الصومالية المنتمية إلى التيار السلفي الجهادي، كان يبدو حتى وقت قريب أمراً يصعب تصوره في ظل التباينات الفكرية والطائفية بين الطرفين. غير أن التطورات الميدانية والضغوط السياسية والعسكرية دفعت الجانبين إلى تجاوز هذه الفوارق لصالح منطق المصالح المشتركة.
وبحسب ما أوردته الدراسة، فإن التعاون لم يعد مقتصراً على عمليات تهريب السلاح أو تبادل المنافع المالية، بل بات يشمل مجالات أكثر حساسية مثل التدريب العسكري وتبادل الخبرات اللوجستية وتوفير الأسلحة والتنسيق في شبكات النقل والتهريب العابرة للحدود. كما سجلت الأمم المتحدة خلال عام 2025 ارتفاعاً ملحوظاً في مستوى هذا التنسيق، الأمر الذي دفع العديد من المؤسسات الدولية إلى التعامل معه باعتباره تهديداً متنامياً للأمن البحري في المنطقة.
ويشير هذا التطور إلى أن الحوثيين يسعون إلى بناء شبكات بديلة تضمن استمرار قدراتهم العسكرية واللوجستية في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة. فالجماعة التي اعتمدت لسنوات طويلة على الدعم الإيراني المباشر وغير المباشر تجد نفسها اليوم أمام بيئة مختلفة تتسم بتعقيد الحسابات الإقليمية وتغير أولويات طهران نتيجة الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتزايدة التي تواجهها.
ولا يعني ذلك بالضرورة انقطاع العلاقة بين إيران والحوثيين، إلا أن اللجوء إلى حركة الشباب الصومالية يعكس إدراكاً متزايداً داخل الجماعة بضرورة تنويع مصادر الدعم وعدم الاكتفاء بالمسار الإيراني التقليدي. فكلما ازدادت الضغوط على طهران تقلصت قدرتها على تمويل وإدارة شبكات النفوذ الخارجية بالمستوى ذاته الذي كانت عليه خلال السنوات الماضية.
ومن زاوية أخرى، يكشف هذا التعاون عن حجم التحولات التي تشهدها الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحور الإيراني. فبدلاً من الاعتماد الحصري على الرعاية الإيرانية، بدأت بعض هذه الجماعات تبحث عن شراكات جديدة تسمح لها بالحفاظ على نفوذها واستمرار عملياتها بعيداً عن القيود التي تفرضها التحولات السياسية والعسكرية الجارية في المنطقة.
وتتمتع حركة الشباب الصومالية بمزايا تجعلها شريكاً مغرياً للحوثيين. فالحركة تمتلك حضوراً واسعاً في مناطق القرن الأفريقي، وتسيطر على شبكات تهريب معقدة تمتد عبر السواحل والمنافذ البرية والبحرية، كما تملك خبرة طويلة في العمل السري وإدارة العمليات غير النظامية. وفي المقابل يمتلك الحوثيون خبرات عسكرية وتقنية متقدمة نسبياً اكتسبوها خلال سنوات الحرب في اليمن، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ وأنظمة الاتصالات العسكرية.
ويعني الجمع بين هذه القدرات ظهور شبكة تعاون جديدة تمتد من السواحل اليمنية إلى عمق القرن الأفريقي، بما يمنح الطرفين هامشاً أوسع للتحرك بعيداً عن الرقابة الدولية التقليدية. كما يرفع من مستوى التهديد للملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، خصوصاً في ظل الأهمية الاقتصادية الهائلة لهذه الممرات البحرية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية.
ولا تقتصر المخاطر على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى الأبعاد السياسية والاستراتيجية. فاستمرار هذا التعاون يهدد بتحويل البحر الأحمر إلى ساحة نشاط متزايد للجماعات المسلحة العابرة للحدود، وهو ما قد يفرض على القوى الدولية والإقليمية إعادة النظر في ترتيبات الأمن البحري القائمة حالياً.
وتزداد خطورة المشهد مع استمرار الخطاب التصعيدي الصادر عن قيادات الحوثيين تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، ومحاولاتهم المتكررة تقديم أنفسهم كجزء من المعركة الإقليمية التي تقودها إيران. ففي الوقت الذي تتحدث فيه تقارير متعددة عن ضغوط تواجهها طهران وتراجع قدرتها على إدارة جميع أذرعها الإقليمية بالكفاءة السابقة، يواصل الحوثيون تبني خطاب يربط مصيرهم بمشروعات الصراع الإقليمي الأوسع.
ويشير ذلك إلى مفارقة لافتة؛ إذ تسعى الجماعة من جهة إلى البحث عن شركاء جدد لتعويض أي تراجع محتمل في الدعم الإيراني، بينما تواصل من جهة أخرى تأكيد ارتباطها بالمشروع الإقليمي الذي تقوده طهران. وهذا التناقض يعكس حجم التحديات التي تواجهها الجماعة في المحافظة على توازناتها العسكرية والسياسية خلال المرحلة المقبلة.
وفي المحصلة، تكشف العلاقة المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية عن أكثر من مجرد تعاون بين جماعتين مسلحتين. إنها تعكس تحولاً أوسع في طبيعة التحالفات غير الحكومية التي تنشط في مناطق النزاع، حيث تتراجع الاعتبارات الأيديولوجية لصالح المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة. كما تكشف عن محاولات حثيثة من الحوثيين لإعادة تشكيل شبكات نفوذهم في ظل المتغيرات التي يشهدها المحور الإيراني.
ومع استمرار الحرب في اليمن، وتفاقم الأزمات في القرن الأفريقي، وتزايد التوترات في البحر الأحمر، يبدو أن هذا التحالف الناشئ مرشح لأن يصبح أحد أبرز التحديات الأمنية خلال السنوات المقبلة. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بمستقبل جماعة الحوثي أو حركة الشباب، بل بمستقبل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وبقدرة المجتمع الدولي على احتواء شبكات مسلحة باتت أكثر مرونة وقدرة على تجاوز الحدود والجغرافيا والانقسامات الأيديولوجية التقليدية.



