حوارات وتحليلات

البحث في المسارات المحتملة..

تحليل: الموقف التركي من التصعيد الأمريكي الإيراني

الوقت الاثنين 08 يوليو 2019 8:22 م
تحليل: الموقف التركي من التصعيد الأمريكي الإيراني

اليوم الثامن الرئيسان الامريكي دونالد ترامب والتركي رجب طيب اردوغان وخلفهما علم ايران - ارشيف

تشهد الساحة الدولية والإقليمية صراعاً ًحاداً بين الولايات المتحدة وإيران، بدأ في مايو 2018، حينما أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” انسحابه من الاتفاق النووي، ثم انتقلت الولايات المتحدة من تصفير الفوائد الاقتصادية للاتفاق، بإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران عبر مرحلتين رئيستين: في أغسطس ونوفمبر 2018، إلى العمل على تصفير صادرات النفط الإيرانية، ثم تصنيف “الحرس الثوري الإيراني” منظمة إرهابية في أبريل الماضي، وصولاً إلى حشد قوة بحرية وجوية في منطقة الخليج في مايو الماضي، تنفيذاً لاستراتيجية “الضغوط القصوى” التي أعلنتها الإدارة الأمريكية لمواجهة إيران.

وفي 22 أبريل الماضي، أنهى “ترامب” الإعفاءات، التي سمح بموجبها لـ 8 دول _من بينها تركيا_ بشراء النفط الإيراني، وفي حال مخالفة أي دولة لهذا القرار، فسوف تواجه اعتباراً من الثاني من مايو عقوبات أمريكية. وبينما أدت المرحلة الأولى من العقوبات على قطاع النفط الإيراني، لتراجع صادراتها النفطية بنحو 53%، لتصل إلى 1.3 مليون برميل يومياً، بعد أن كانت 2.4 برميل. فإن المرحلة الثانية منها تهدف لتصفير هذه الصادرات نهائياً. وبالتالي أي إصرار من الدول الثمان التي كانت معفاة، على استمرار استيرادها للنفط الإيراني، سينظر لها “ترامب” على أنها أداة إضعاف لفاعلية العقوبات والحصار الذي يفرضه على إيران، وهو ما سيجعله غير متردد في فرض عقوبات قوية على هذه الدول.

جاء الرد التركي على القرار بشكل متدرج، فمن خلال وزير خارجيتها “مولود تشاووش أوغلو”، اعتبر الاقتراح بشراء النفط من أي دولة أخرى غير إيران هو تجاوز للحدود، مؤكداً معارضة بلاده لهذا القرار. تلاه تصريح أقل حدة، أعلن فيه أن بلاده لا يمكنها تنويع وارداتها النفطية بسرعة، فنفط بعض الدول غير مناسب لمصافي النفط التركية، وهو ما سيبقيها مغلقة بعض الوقت. أي أن القرار ذاته من الممكن أن تلتزم به تركيا، لكن تحتاج لمزيد من الوقت من أجل تحديث مصافيها، لتكون جاهزة لنفط يختلف في طبيعته عن النفط الإيراني. أخيراً وفي تصريح حاسم، أكد مسؤول تركي في 23 مايو الماضي، أن بلاده أوقفت شراء النفط الإيراني بدءاً من شهر مايو.

وفي هذا السياق تسعى الورقة للإجابة على سؤالين رئيسيين: الأول، يتعلق بمسارات التصعيد الأمريكي الإيراني، وانعكاساته على تركيا وموقفها منه. الثاني يتعلق بخلفيات الالتزام التركي بقرار تصفير صادرات النفط الإيراني، وحسابات الربح والخسارة التركية من هكذا قرار. وتختم الورقة بعدة توصيات تمثل خيارات مقترحة، يمكن لتركيا من خلالها الخروج بأقل الخسائر.

أولاً، مسارات التصعيد والحسابات التركية

في ظل التصعيد الأمريكي الإيراني، ما هي المسارات المحتملة لهذا التصعيد؟ هل تشهد المنطقة حرباً شاملة أو محدودة، أم تظل سياسة حافة الهاوية الحاكمة له، أم تتم تهدئة على إثر عودة الطرفين للتفاوض، انتهاءً بالوصول لاتفاق نووي جديد؟ وما هو المسار المفضل لتركيا، استناداً لحساباتها من هكذا صراع؟

الحسابات التركية:

لا تؤيد تركيا ولا من مصلحتها قيام حرب أو تصعيد عسكري ضد إيران؛ أولاً؛ لأن انهيار الحكومة المركزية في إيران يرتب خطرين في غاية الخطورة على تركيا: من ناحية سيؤدي ذلك لنزوح موجة لاجئين كبيرة من إيران نحو تركيا، بما يعمق من أزمتها الاقتصادية، من ناحية أخرى إعطاء فرصة لأكراد إيران للمطالبة والسعي نحو إنشاء حكم ذاتي، بما يشجع ويحيي آمال الأكراد في تركيا وسوريا من جديد، بعد الخسائر التي لحقت بهم في المنطقة على يد تركيا.

ثانياً؛ بحكم عضوية تركيا في حلف الناتو، فالأخيرة مجبرة على دعم الموقف الأمريكي ولو في حدوده الدنيا، وهو من ناحية سيقضي على سياسة الموازنة التي تتبعها تركيا في سياستها الخارجية تجاه الفاعلين الإقليميين والدوليين. وقد يرتب لها هذا الانحياز مخاطر أمنية، فمن المرجح أن ترد إيران عليها في الداخل التركي، وفي الساحة السورية أمنياً وعسكرياً.

مسارات التصعيد:

تستبعد الورقة خيار الحرب الشاملة أو الحرب الخاطفة أو المحدودة، مع وضعها في الحسبان إذا حدث خطأ في حسابات أحد الطرفين إبان التصعيد المتبادل. أي أن كلا الطرفين بالأساس لا ينويان الحرب حتى الآن، لكن لا يستبعدانها في ظل التصعيد الحالي، الذي لا يعرف الي أين سينتهي وما هي الخطوات المقبلة لكل طرف.

ما يرجح مسار استبعاد الحرب:

أولاً، يمكن الحديث عن أربعة أهداف رئيسية للحشود العسكرية الأمريكية الأخيرة في منطقة الخليج العربي: الأول يأتي الحشد في إطار الحرب النفسية، وأداة ردع أكثر منها أداة حرب، لاستكمال الحلقة التي تفرضها واشنطن على طهران، بجانب العقوبات الاقتصادية، والغرض النهائي هو إجبار إيران على الدخول في مفاوضات؛ من أجل اتفاق نووي جديد بشروط أمريكية. الثاني يأتي في إطار خطوة استباقية أمريكية، تحسباً لما قد تقدم عليه إيران من ضرب للمصالح الأمريكية وحلفاءها في المنطقة، في ظل الحصار الذي تفرضه على إيران. الثالث من الممكن قراءة هذا التصعيد في سياق ما يعرف “بصفقة القرن”. ويسعى “ترامب” في هذا السياق، استغلال التصعيد مع إيران والحشود العسكرية في الخليج في إحداث تضامن عربي _بالأخص خليجي_ إسرائيلي له ما يبرره في مواجهة إيران، لكي يستغل ذات التضامن والحشد في دعم ودفع صفقة القرن المرتقبة.

أخيراً منذ سنوات ومع احتدام الصراع في الشرق الأوسط، كانت هناك حالة عدم رضا في الأوساط الدفاعية الأمريكية؛ بسبب عدم كفاءة وكفاية الانتشارات الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، لاسيما مع التحديات الصعبة التي تواجه الوجود الأمريكي بالمنطقة، وكشفت الحملة الدولية ضد تنظيم “داعش” هذه المشكلات. وبالتالي يعد هذا التصعيد فرصة أمام الإدارة الأمريكية والبنتاغون لمعالجة هذه الثغرة، وهو ما يفسر التوافق الحاصل بين المؤسستين في قرار الحشد العسكري الأخير في منطقة الخليج.

ثانياً، هيكل القوة الأمريكية الموجود في الشرق الأوسط، حتى بعد انضمام حاملة الطائرات “لينكولن” والمدمرة “يو اس اس ايرلينجتون” غير كافية لشن حملة جوية تأديبية على إيران. فوفقاً لتقييم مراكز الفكر الاستراتيجي الأمريكية، التي يتبع معظمها وزارة الدفاع، تحتاج أمريكا حوالي 450 طائرة هجومية؛ من أجل ضرب أهداف متنوعة في الداخل الإيراني، تدفعها للدخول في مفاوضات جديدة بشروط أمريكية. وحالياً لا تتجاوز عدد الطائرات الهجومية الأمريكية في المنطقة نصف هذا الرقم. وعلى الرغم من خطط سابقة بين سلاح الجو الإسرائيلي والأمريكي لتوجيه ضربات ضد إيران، منذ عهد الرئيس الأسبق “جورج دبليو بوش”، إلا أنها جميعا باءت بالفشل؛ بسبب عوامل جغرافية وعملياتية. هذا فضلاً عن حاجة أمريكا لضعف القوات التي شاركت في إسقاط صدام حسين، من أجل تكرار نفس التجربة مع إيران.

ثالثاً، إعلان الطرفين الأمريكي والإيراني عدم الرغبة أو النية في الحرب، فقد نفى “ترامب” وجود خطة لمواجهة عسكرية مع إيران، فضلاً عن تأكيد وزير الخارجية الأميركي “مايك بومبيو”، أن بلاده لا تريد الحرب مع إيران، وإنما تضغط عليها بهدف تغيير سياساتها. كما دعا رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني “حشمت الله فلاحت” إلى حوار إيراني أميركي في العراق أو قطر. ومؤخراً في 7 يونيو الماضي، أعلنت إيران أنها ترفض محادثات تتجاوز الاتفاق النووي. وهو يعد قبول إيراني غير مباشر بمبدأ التفاوض إذا كان سيقتصر على برنامجها النووي دون سياستها الإقليمية، بعد أن كانت رافضة لمبدأ التفاوض من الأساس.

رابعاً، يمر عبر مضيق هرمز ما نسبته 40% من صادرات النفط العالمية ومشتقاته، بحيث تصدر السعودية من خلاله 88 % من إجمالي صادراتها النفطية، العراق 98 %، الإمارات 99 %، وكل صادرات نفط إيران والكويت وقطر. كما تشير التقديرات إلى أن أي توتر يؤدي لإغلاق هذا المضيق، سيرفع سعر برميل النفط لـ 100 دولار.

في المحصلة النهائية، استناداً لحجم وطبيعة الحشد الأمريكي الأخير وأهدافه، لا يبدو أن الولايات المتحدة أتت لأجل الحرب، وإن حدثت ستكون رد فعل بحيث سيكون لها حق الضربة الثانية. كل هذه المعطيات تجعل من اشتعال حرب أمر مستبعد أو غير مرجح لصالح استمرار سياسة حافة الهاوية بين الطرفين لمدة قد تطول قليلا. لكن وبينما يستبعد خيار الحرب، إلا أنه من الممكن أن يطرح كخيار، سواء في شكل حرب خاطفة بضربات محدودة، أو حتى حرب شاملة، كل هذه المسارات واستناداً لما سبق، ستتوقف بشكل أكبر على السلوك الإيراني أكثر منها على السلوك الأمريكي.

إن أهم ما يرجح استمرار سياسة حافة الهاوية بين الطرفين الأمريكي والإيراني، دون الوصول للحرب، أو الوصول لمرحلة الاتفاق على اتفاق نووي جديد في المدى القصير، انتظار الإيرانيين لما بعد الانتخابات الأمريكية في 2020. حيث طلب وزير الخارجية الأمريكي الأسبق “جون كيري”، في لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني “جواد ظريف”، بعدم الانسحاب من الاتفاق النووي، والصبر حتى عام 2020، حيث يعتقد الحزب الديمقراطي أنه سيهزم ترامب في الانتخابات الرئاسية، ثم العودة إلى الاتفاق النووي، وهو ما دفع “ترامب” لاتهام “كيري” بالخيانة. لكن هل هناك قدرة إيرانية حقيقية على تحمل تصفير صادراتها النفطية حتى 2020؟، يبدو الأمر فوق طاقتهم، وفي هذه الحالة قد توافق إيران على الجلوس للتفاوض، لكن دون الوصول لاتفاق جديد، بحيث ستعمل على كسب مزيد من الوقت، وإلهاء الجانب الأمريكي حتى قدوم موعد الانتخابات الرئاسية. ولضمان فاعلية هذا الخيار، قد تشترط إيران من أجل الجلوس للتفاوض تعطيل قرار تصفير صادراتها النفطية.

وبينما استبعاد خيار الحرب يجنب تركيا مخاطر كارثية أمنياً، عسكرياً، سياسياً واقتصادياً. فإن استمرار سياسة حافة الهاوية التي ترجحها الورقة لمدة قد تطول قليلاً تضع تركيا في مأزق استراتيجي كبير. إذ أسست تركيا سياستها الخارجية على إحداث نوع من التوازن بين الأطراف المتناقضة إقليمياً ودولياً، بين روسيا والولايات المتحدة والسعودية وإيران. ومن شأن استمرار التصعيد أن يضيق الخناق على تركيا، إذ تشترط سياسة التوازن نوعاً من الهدوء والاستقرار في محيطها الإقليمي والدولي. فعادة ما تدفع بيئة الصراع الدول لتبني خيارات اضطرارية تكسر بها حالات الاتزان في علاقاتها مع الخارج، خاصة ما يتعلق بالانحياز لمحور على حساب آخر. وهو ما حدث في التوقف الاضطراري التركي عن استيراد النفط الإيراني، برغم الارتدادات السلبية لهكذا قرار.

ثانياً، تصفير صادرات النفط الإيراني والحسابات التركية

في هذا السياق، وبينما تدفع الحسابات التركية لعدم الالتزام بهذا القرار، فقد التزمت به وقررت التوقف عن استيراد النفط الإيراني. فما هي هذه الحسابات؟ وما خلفية التزامها بهكذا قرار؟

الحسابات التركية، تعارض تركيا العقوبات الأمريكية على إيران بشكل عام وقطاع النفط بشكل خاص، وتعتبرها قرارات أحادية لا تستند للقانون الدولي أو لقرارات مجلس الأمن. ويستند هذا الاعتراض على:

أولاً، تخشى تركيا من أن يؤدي تحلل إيران من الاتفاق النووي والتزاماتها النووية، بالأخص ما يتعلق برفع مستوى تخصيب اليورانيوم لما يزيد عن 3.67%_ وهو السقف الذي حدده الاتفاق_ لامتلاكها السلاح النووي، وتحتاج إيران لكي تنتج قنبلة نووية أن تصل بالتخصيب لنسبة 90%. فمن ناحية تعد هذه الخطوة بالغة الخطورة على تركيا أمنياً، حيث امتلاك دولة على حدودها الشرقية سلاحاً نووياً يمكن أن يفتح الباب لسيناريوهات كارثية عدة. من ناحية أخرى من شأن امتلاك إيران لهذا السلاح أن يغير من موازين القوى الإقليمية لصالح إيران، في مواجهة خصومها ومنافسيها الإقليميين، على رأسهم تركيا.

ثانياً، تعد العلاقات الاقتصادية التركية الإيرانية جيدة لحد كبير. فالدولتان تجمعهما حدود برية مشتركة تصل لـ 600 كم، وثلاثة بوابات جمركية رسمية بينهما. وبالتالي فإن الحقائق الجيواقتصادية تحتم التقارب والتعاون، فتركيا ممر لإيران وبضائعها نحو أوروبا، وإيران ممر لتركيا نحو آسيا، كما أن التقارب الجغرافي سهل وخفض من نفقات النقل. كما وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال عام 2018 لحوالي 12 مليار دولار.

وسجل القطاع الغير نفطي خلال نفس العام 3.7 مليار دولار. أما قطاع الطاقة، فتعتمد تركيا على إيران في توفير 12% من النفط و20% من الغاز الطبيعي. وتعد تركيا بالنسبة لإيران وسيلة هامة لتجاوز العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، خاصة على القطاع النفطي. وهي مصلحة متبادلة، فتركيا تعتبر قطاع الطاقة بكل مشتقاته بمثابة أمن قومي. حيث تعتمد في 94% من استهلاكها للنفط، وأكثر من 99% من الغاز على الخارج.

ثالثاً، تحصل تركيا على النفط الإيراني بسعر رمزي منخفض، ونظراً لتقاربهم جغرافياً فإن تكلفة نقل النفط منخفضة أيضا، كما أن توقف تركيا عن الاعتماد على النفط الإيراني ينطوي على تكاليف إضافية، تتعلق بتجهيز وتحديث مصافي النفط لتتناسب مع نفط أكثر كثافة من نظيره الإيراني.

رابعاً، أدت التوترات التي تشهدها الساحة الليبية والفنزويلية، إلى جانب التصعيد الأمريكي الإيراني، والعقوبات المفروضة على الأخيرة، لارتفاع سعر النفط ليصل سعر البرميل الواحد في 24 أبريل الماضي 74 دولار.

ومع التزام الدول الثمان التي كانت معفاة من العقوبات الأمريكية بعدم استيراد النفط الإيراني، فإن أسعار النفط قد تشهد موجة ارتفاع أكبر. كل هذه المعطيات لا تصب في صالح تركيا، التي تعتمد على استيراد 94% من حاجاتها النفطية من الخارج. فاستنادا إلى أرقام معهد الإحصاء التركي، فان إجمالي واردات تركيا من الطاقة ارتفع في العام 2018 بنسبة 15.5% مقارنة بالعام 2017، وبلغت قيمته حوالي 43 مليار دولار، مقارنة لـ 37.2 مليار دولار في العام الذي سبقه.

خامساً، في عام 1973 تم توقيع اتفاقية “خط أنابيب العراق_تركيا” بين الدولتين، تنص على أن الحكومة التركية يجب أن تمتثل لتعليمات الجانب العراقي فيما يتعلق بحركة النفط الخام الآتي من العراق في كافة مراكز التخزين والتصريف والمحطة النهائية، لكن ومنذ أوائل عام 2014، سمحت أنقرة لـ “إقليم كردستان العراق” بتصدير النفط بشكلٍ مستقل عن وزارة النفط الفدرالية، وقد مكّن ذلك إقليم كردستان من بيع نفطه مباشرةً إلى السوق والاحتفاظ بالإيرادات، وتَعتبر بغداد هذه الممارسة غير قانونية، لكنّ الأكراد يعتبرونها تعويضاً عن الرواتب المستقطَعة. وفي مايو 2014، قامت “شركة تسويق النفط” العراقية برفع دعوى خاضعة لتحكيم “غرفة التجارة الدولية”، والمدّعى عليه هو الحكومة التركية، التي تمثّلها شركة “بوتاش” الحكومية والمشغّلة لخط الأنابيب، حيث خرقت التزاماتهما بموجب اتفاقية “خط أنابيب العراق_تركيا”. وسيؤدي أي حُكم ضد أنقرة إلى إلزامهما باتّباع تعليمات بغداد بشأن تسويق كافة النفط الخام، فضلا عن احتمالية مطالبة بغداد أنقرة بدفع تعويضات. إذا حدث ذلك فمن المتوقع أن يتم قطع خط الأنابيب من كلا الجانبين كرد على الحكم، وبالأخص من الجانب الكردي.

يشكّل خط أنابيب “العراق_تركيا” مصدر النفط الخام الرئيسي لتركيا، إذ وفّر 24% من وارداتها في مارس الماضي. وبالتالي قطع هذا الخط، يصب في صالح إيران، لأن السوق سيفقد القدرة على تعويض النقص الناتج عن غياب حصة إيران، كما سيعمق من الحاجة التركية للنفط الإيراني.

وبالتالي، تعد تركيا من أكثر الدول المتضررة من الصراع الأمريكي الإيراني في الوقت الحالي. ومن ثم فإن تهدئة الصراع، والعودة للتفاوض من أجل اتفاق نووي جديد، يتوافق والمصالح التركية بشكل كبير؛ سواء لأن ذلك سيمنع إيران من امتلاك سلاح نووي قد يمكنها من تغيير موازين القوى الإقليمية ويهدد أمن تركيا القومي، وسيحجم الاتفاق من نفوذ إيران الإقليمي، ويمكن تركيا من استمرار نهجها المتوازن في السياسة الخارجية، وسيساعدها في استمرار وارداتها من النفط الإيراني الرخيص وعالي الجودة. بما سينعكس إيجاباً جزئياً على الاقتصاد التركي المتأزم. ولكن لا يبدو أن هناك انفراجه قريبة في الصراع الأمريكي الإيراني كما تم التوضيح، حيث مرجح أن تستمر سياسة حافة الهاوية بين الطرفين، أو تهدئة مؤقت دون الوصول لاتفاق نووي جديد.

خلفيات القرار التركي، برغم الارتدادات السلبية لالتزامها بالعقوبات الأمريكية على إيران بالأخص على قطاع النفط، فقد التزمت بها أخيراً. وخلف ذلك عدة أسباب:

أولاً، يبدو أنه كانت هناك مساع تركية لحث الدول الثمان على التضامن في مواجهة القرار الأمريكي، حتى تجبر “ترامب” على العدول عن قراره ولو جزئياً، لكن لم يكن لهذا الخيار فاعلية حقيقية. فالصين المستورد الأكبر للنفط الإيراني 613 ألف برميل يوميًّا، خفّضت وارداتها في الأشهر الثلاثة الماضية بنسبة 30%، كذلك الهند وكوريا الجنوبيّة. هذا بالإضافة لتعليق شركة الصين للبتروكيماويات “مجموعة سينوبيك” وشركة الصين الوطنية للبترول “سي ان بي سي” مشتريات النفط الإيراني، وهما يعدان أكبر شركتان للتكرير مملوكتان للدولة

. ومن ثم، يبدو عدم وجود ضمن الدول الثمان، من يريد أن يقف في وجه “ترامب” حتى الصين ذاتها، وهو ما يضيق الخناق على تركيا، ويحجمها في استخدام تضامن الدول الثمانية كخيار لتجاوز قرار “ترامب”.

ثانياً، لا تمتلك تركيا في الوقت الحالي مزيد من الخيارات أو حتى مزيد من الوقت، في ظل أزمات الداخل السياسية والاقتصادية. فهل “أردوغان” مستعد لأن يتحمل الاقتصاد مزيد من التراجع، على وقع العقوبات الاقتصادية التي سيفرضها “ترامب”، إذا استمرت تركيا في استيراد النفط الإيراني؟ فقد تراجع سعر صرف الليرة التركية مؤخراً ليصل 6.0758 ليرات أمام الدولار. وإذا ربطنا ذلك بتراجع حزب العدالة والتنمية في انتخابات البلدية الأخيرة، وخسارة اسطنبول وأنقرة لأول مرة، ثم قرار لجنة الانتخابات بإعادة انتخابات بلدية إسطنبول. وبالنظر لقدر الأهمية التي يوليها “أردوغان” لإسطنبول، ففضلا عن أهميتها الرمزية والسياسية، تعد المركز الاقتصادي الأهم في تركيا، فهي توفر فرص عمل لـ 20% من الأيدي العاملة، وتسهم بـ 22% من الناتج القومي، ويؤخذ منها 40% من مجموع الضرائب بالدولة، وتنتج 55% من الصادرات

. وبالتالي سيستخدم “أردوغان” كل الأدوات المتاحة لحسم هذه البلدية لصالح حزبه، بما في ذلك التهدئة _ولو مؤقتاً_ مع الولايات المتحدة؛ لإدراكه مدى تأثير ذلك على سعر الصرف والاقتصاد التركي بشكل عام، وهو ما سينعكس على نتائج انتخابات الإعادة.

ثالثاً، تشهد العلاقات الأمريكية التركية مؤخراً تطورات إيجابية تشير لاحتمالية حدوث انعطافة جديدة في علاقاتهما البينية، ومن أهم هذه المؤشرات: إلغاء أمريكي للرسوم الإضافية التي كانت قد فرضتها على قطاع الحديد والصلب التركي، كما أفرجت تركيا عن العالم الأمريكي في وكالة ناسا “سركان جولج”، الذي أدين هذا العام بالانتماء لمنظمة إرهابية مسلحة، وحكم عليه بالسجن سبع سنوات وستة أشهر، كما صرح وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” في 27مايو الماضي، أن تسليم إس 400 ربما لن يتم في يونيو المقبل. ولعل تمديد أمريكا للفترة التي يجب فيها على تركيا التخلي عن منظومة “إس 400” حتى نهاية يوليو المقبل. يعطي فرصة لتركيا لإعادة حساباتها في هذا الشأن. المؤشر الثاني، إعلان وزيرة التجارة التركية “روهصار بكجان”، إن وزارتها تؤسس مجموعة مشتركة مع نظيرتها الأمريكية، بهدف رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين البالغ 20.7 مليار دولار ليصل إلى 75 مليار دولار.

المؤشر الثالث الملف السوري، الذي شهد مؤخراً تطورات جديدة تشير لاحتمالية أن يكون هناك توجه تركي جديد، أهم ملامحه عودة التفاهمات التركية مع أمريكا على حساب روسيا:

  • قامت قوات النظام السوري في 2 مايو الماضي، بحملة جديدة على جنوب إدلب وشمال حماة بدعم جوي روسي، تبعه قصف تركي لتل رفعت، التي تسيطر عليها “وحدات الشعب الكردية” بالتشارك مع روسيا. وبينما أشارت بعض التقديرات لوجود مقايضة روسية تركية، تقضي بدخول روسيا وحلفائها لإدلب مقابل سيطرة تركيا على تل رفعت، فإن هناك عدد من المؤشرات تشير لخلافات حقيقية تركية روسية. ففي الحملة الأخيرة التي تشارك فيها روسيا جوياً، وعبر مدفعية قوات الفيلق الخامس المدعوم روسياً، وصلت قذائفه إلى داخل نقطة مراقبة شير مغار التركية، وأدت إلى جرح عسكريين تركيين على الأقل، مما دفع الطيران التركي للتدخل من أجل تأمين النقطة وإخلاء المصابين، هذا بالإضافة لمشاركة الشرطة العسكرية الروسية في تل رفعت، في التصدي لهجوم الجبهة الوطنية للتحرير المدعومة تركياً. كما دعمت تركيا مؤخراً في سياق التصعيد الأخير في حماه وإدلب، وبشكل مكثف فصائل الجيش الحر والجبهة الوطنية للتحرير بقذائف الهاون وصواريخ مضادة للدروع وصواريخ الغراد.
    وهي أسلحة كانت تمتنع تركيا عن تزويد المعارضة بأغلبها؛ سواء للمحافظة على مساري أستانا وسوتشي، أو لعدم السماح الأمريكي بهذه الخطوة. ومن ثم يبدو أن هناك دعم أمريكي غير مباشر لتركيا وحلفائها في إدلب، ضمن سياسة الضغط القصوى التي تتبناها إدارة “ترامب” ضد إيران من ناحية، ولإجبار روسيا على العودة لمسار جنيف بعد فشل مؤتمر أستانا12 الأخير من ناحية أخرى.
  • عودة التفاهم حول المنطقة الآمنة ووصولها لمراحل متقدمة، بشكل أزعج الجانب الروسي. فقد أعلن “تشاووش أوغلو” في 2 مايو 2019، أن تركيا والولايات المتحدة اقتربا من الاتفاق على تفاصيل “المنطقة الآمنة”. كما صرح المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا “جيمس جيفري” في 11 مايو 2019، أن المنطقة الآمنة في سوريا ستقام على امتداد الحدود مع تركيا، وأن حماية المنطقة ستوكل للقوات الأمريكية أو التركية. تلي ذلك إعلان “إلهام أحمد” الناطقة باسم “مجلس سوريا الديمقراطية”، استعدادهم للتعاون مع تركيا في المنطقة الآمنة، وأنهم لا يشكلون خطراً على أنقرة، كما أعلنت قطع الاتصال مع النظام السوري بعد مفاوضات استمرت لأشهر بين الجانبين. وفي مايو الماضي، سمحت تركيا لأول مره لزعيم ومؤسس حزب العمال الكردستاني “عبد الله أوجلان” بلقاء محاميه.

ويمكن قراءة هذا القرار في سياقين: الأول رغبة “أردوغان” في تهدئة مؤقتة مع الأكراد لسعيه كسب كل الأوراق التي تمكنه من حسم مقعد بلدية إسطنبول، الثاني قد تكون بداية لتهدئة طويلة الأمد مع الأكراد برعاية أمريكية، من خلال التوصل لحل وسط فيما يتعلق بالمنطقة الآمنة، بحيث تنسحب أمريكا جزئياً من الحدود الشمالية لصالح تركيا، وتبقى الولايات المتحدة ومعها الاكراد في العمق وعلى الحدود الشرقية السورية.

لا يمكن فصل هذه التطورات عن توقف تركيا عن استيراد النفط الإيراني، فجميعها تشير لانعطافة جديدة في العلاقات الأمريكية التركية من ناحية، ومن ناحية أخرى تشير أن الالتزام التركي بالعقوبات الأمريكية تم بمقابل، أي هناك صفقة ستظهر تفاصلها مع الوقت. وهو ما رتب تداعيات إيجابية على الليرة التركية، التي ارتفعت أكثر 1.5 % وبلغت 5.87 ليرة للدولار في 30 مايو 2018، بعد أن كانت 6.01 ليرة للدولار. إن كل التطورات السابقة لا تعني أن التحسن في العلاقات الأمريكية التركية بات مضموناً، فمازال أمام الطرفين العديد من الخطوات لإعادة بناء الثقة بالأخص من الجانب الأمريكي. ولا تعدو الخطوات الماضية غير كونها تهيئة للخطوات الأكثر عملية، من أجل تحسن حقيقي ودائم في علاقاتهما البينية.

ثالثاً، توصيات

تقترح الورقة عدة خيارات لصانع القرار التركي، وترى أن التهدئة مع الولايات المتحدة أصبحت ضرورة يفرضها الواقع؛ تحسباً لعدم تعرض الاقتصاد التركي لحالات اخفاق جديدة. على أن تكون تهدئة شديدة الحذر؛ حتى لا تخسر تركيا مصالحها وارتباطاتها مع الجانب الروسي من ناحية، وهو ما يفرض عليها ضرورة طمأنتهم. ومن ناحية أخرى أن تكون تهدئة متدرجة؛ بحيث يتوصل الطرفان لاتفاق جزئي يتضمن ملفات محددة، يكون مدخل لصفقة شاملة تتناول جميع الملفات. تكمن أهمية ذلك في: أن الصفقة الجزئية اختبار لمدى نجاعة هذا المسار بالأساس، ومدى جدية جميع الأطراف، وتكون لدى تركيا إمكانية العودة لتفاهماتها مع روسيا إذا أخل “ترامب” بوعوده.

من ناحية أخرى يعطي مزيداً من الوقت لجميع الاطراف لإعادة ترتيب الأوراق في ظل تهدئة مؤقتة، ستعود بالنفع على الاقتصاد التركي، وستسمح لأردوغان بمساحة أكبر للمناورة بين الأطراف المتناقضة، وستكون تركيا قد تجاوزت انتخابات اسطنبول، وأخيراً يكون موعد الانتخابات الأمريكية الرئاسية 2020 قد اقترب، الذي يعني احتمالية رئيس جديد، بما يحمله من سياسات مختلفة.

وبناءً عليه تقترح الورقة عدة خيارات:

الأول، يمكن لتركيا أن تستغل عدم جاهزية مصافيها لاستقبال شحنات نفط من أماكن أخرى غير إيران في الوقت الحالي، في الحصول على فترة إعفاء جديدة، حتى تتمكن من تجديد المصافي وتجهيزها. ويكون البدء الفعلي في تجهيز هذه المصافي دليل على جدية الموقف التركي، بما يدفع “ترامب” للعدول عن قراراه، ولو لفترة قصيرة. وقد تسمح هذه الفترة لتركيا في كسب مزيد من الوقت، تمكنها من إعادة ترتيب أوراقها، والاستعداد لمرحلة ما بعد التخلي عن النفط الإيراني.

الثاني، يمكن أن تبرم صفقة جزئية مع “ترامب”، مضمونها يقوم على تأجيل تركيا استلام منظومة “اس 400″، في مقابل تمديد أمريكي استثنائي لفترة الاعفاء التركي من العقوبات، واستمرارها في استيراد النفط الإيراني لفترة مؤقتة. لكن لهذا القرار تداعياته السلبية، فروسيا ستدرك أن تركيا تستخدمها في ابتزاز أمريكا، وأنها ليست جادة في شراء المنظومة الدفاعية الروسية. وهو ما سيكون له ارتداداته السلبية على تركيا. لكن في المقابل يبدو خيار الصفقة مع أمريكا أقل سوءاً من ناحية، ومن ناحية أخرى يمكن لتركيا طمأنة الجانب الروسي، من خلال تأكيدها على جديتها في شراء المنظومة، وأن التأجيل اضطرت إليه على وقع أزماتها الداخلية، أو أن تستبدل المنظومة الدفاعية إس 400، بمنظومة أخرى أقل كالمحولة على الكتف، والتي من المحتمل ألا تلقى اعتراضاً غربياً.

الثالث، في حال فشلت تركيا في التوصل لحل مع أمريكا لمد فترة الاعفاء، فسيكون أمامها التخلي عن النفط الإيراني والالتزام بالعقوبات الأمريكية، في مقابل تنفيذ الوعود الأمريكية بإنشاء المنطقة الآمنة. مع الإشارة إلى أن تأجيل أو التخلي الكلي التركي عن منظومة “اس 400” باتت ضرورة ملحة، إذا أرادت أن تديم التحسن في علاقاتها مع حليفها الأمريكي، فالأخيرة لن تقبل بخطوة المنطقة الآمنة بدون تخلي تركي عن إس 400. وفي سياق الخيار الأخير، يجب أن تقوم الولايات المتحدة بخطوتين بالغتا الأهمية:

أولاً التوسط أو الضغط على دول الخليج لتقديم النفط لتركيا بأسعار منخفضة؛ لتتجاوز تركيا فارق التكلفة الناتج عن تخليها عن النفط الإيراني. وبالأخص السعودية، وهو ما قد يكون مدخلاً لعودة التحسن في العلاقات التركية السعودية من ناحية، وبدء مرحلة جديدة قد تشهد تغييرات جذرية في السياسة الخارجية التركي تجاه منطقة الشرق الأوسط وفاعليها الإقليميين من ناحية أخرى. فاستجابة تركيا للعقوبات الأمريكية، بما يؤدي إلى مزيد من الحصار على إيران، قد يدفع المملكة حتى بدون ضغط أمريكية، لأن تقدم النفط لتركيا بأسعار منخفضة، فضلاً عن تقديمها كميات معينة كمنحة أو مساعدة.

ثانياً، ضغط أمريكي على الحكومة العراقية للتخلي عن دعوتها المقدمة ضد تركيا في “غرفة التجارة الدولية”، نتيجةً سماح أنقرة لإقليم “كردستان العراق” بتصدير النفط بشكل مستقل عن وزارة النفط الفيدرالية. ويتوقع أن يصدر الحكم لصالح الحكومة العراقية، وهو ما قد يترتب عليه قطع خط أنابيب العراق_تركيا، من قبل أحد الجانبين وبالأخص الكردي. بما قد يعيق المحاولات التركية الساعية للتخلي عن واردات النفط الإيراني، حيث سيجعل تركيا في حاجة أكبر للنفط الإيراني، في حال انقطع النفط العراقي.

خاتمة

استناداً للمعطيات السابقة تخلص الورقة إلى:

أولاً، ليس من مصلحة تركيا قيام حرب بين الولايات المتحدة وإيران، نتيجةً للتداعيات الأمنية التي سترتبها الحرب عليها، سواء تجاه ملف اللاجئين أو الأكراد. فضلاً عن احتمالية تورط تركي، ولو في حدوده الدنيا في هذه الحرب، بحكم عضويتها في حلف الناتو. وتستبعد الورقة قيام حرب في المنطقة، استناداً لحجم وطبيعة التواجد الأمريكي بجانب الحشد العسكري الأخير في منطقة الخليج، وكذلك لأهداف هذا الحشد، ولعدم رغبة الطرفين في هذه الحرب.

ثانياً، ترجح الورقة استمرار سياسة حافة الهاوية بين الجانب الأمريكي والإيراني. أو جلوس من أجل التفاوض دون التوصل لحل أو اتفاق نووي جديد، حيث ستعمل إيران على كسب مزيد من الوقت حتى الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة. وبينما تجنب الحرب تركيا مخاطر كبيرة، فإن استمرار التصعيد دون تفاوض يضع الأخيرة في مأزق استراتيجي.

ثالثاً، هناك معطيات عديدة تدفع تركيا لمعارضة العقوبات الأمريكية على إيران، ومع ذلك توقفت عن استيراد النفط الإيراني. والدافع لذلك؛ عدم قدرة الاقتصاد التركي على تحمل أي عقوبات أمريكية، في ظل تراجع سعر الليرة وارتفاع معدلات التضخم. والذي تزامن مع سعي أردوغان لحسم مقعد بلدية إسطنبول في انتخابات الإعادة، وهو ما يتطلب تهدئة مع الولايات المتحدة، تعود بالإيجاب على الاقتصاد التركي. كما يبدو الالتزام التركي بهكذا قرار ضمن صفقة أكبر تشمل الملف السوري، فيبدو أن القرار تم بمقابل. وقد يكون ذلك مدخل لصفقة شاملة تجمع كل الملفات المسببة للتوتر الأمريكي التركي.

رابعاً، أخيراً تقترح الورقة خيارات بديلة لصانع القرار التركي، تختلف في المضمون وتشترك في التأكيد على ضرورة التهدئة مع الولايات المتحدة. مع التأكيد على ضرورة الحذر والتدرج في أي صفقة يمكن أن تعقدها مع الجانب الأمريكي؛ ليس فقط لاحتمالية عدم وفاء ترامب بوعوده كما اعتاد، بل أيضا لأن تركيا لا تستطيع الانفكاك بسهولة عن شريكها الروسي. فما يجمعهم اليوم تفاهمات سياسية في الملف السوري، وشراكات اقتصادية استراتيجية، تشمل الغاز ومحطات الطاقة. لذلك يجب ألا تتجه تركيا بشكل حدي وجذري ناحية التوافق مع الولايات المتحدة على حساب روسيا، بل يجب أن يكون تحركاً حذراً، يعطي لها مرونة إذا ما فكرت في العودة للتفاهمات مع روسيا على حساب أمريكا من جديد.

لكن وبعد أن تتأكد تركيا من صدق النوايا الأمريكية بإجراءات عملية حقيقية، فحينها لا يجب أن تتردد في عقد اتفاق شامل مع أمريكا يجمع كل ملفات المسببة لتوتر علاقاتهما البينية، حتى لو أتى ذلك على حساب الجانب الروسي. فالقلق من تحركات روسية ضد المصالح التركية في سوريا، يقابله أيضا قلق روسي من التحركات التركية ضد مصالحها في سوريا، ولعل هذا ما يفسر لماذا لم تسعَ تركيا للقضاء على هيئة تحرير الشام إلى الآن، فكلا الطرفين يمتلكان أوراق ضغط في مواجهة بعضهما في سوريا. كما يمكن لبقاء أمريكي جزئي في الشرق السوري، جنباً إلى جنب مع الوجود التركي في المنطقة الآمنة، أن يكون دعما لتركيا وترجيح لموازين القوى لصالحها في مواجهة أي خطوات تصعيدية من روسيا وحلفائها من ناحية، وكابح لجماح الأكراد في التحالف مع النظام السوري من ناحية أخرى. أما مشروع خط أنابيب الغاز “السيل التركي” فروسيا في حاجة إليه أكبر، في ظل رغبتها في تنويع خطوط الغاز الواصلة لأوروبا في ظل المشكلة الأوكرانية.

مع التأكيد على أنه إذا كانت هناك فرصة تركية للمحافظة على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وروسيا في نفس الوقت، فسيكون السيناريو الأفضل. لكنه الأصعب في ظل تداخل الملفات، خاصة ملفي منظومة إس 400 والمنطقة الآمنة بين الجانبين الأمريكي والروسي.

أخيراً، يجب على تركيا ابتداءً تأجيل صفقة إس 400 لأجل غير مسمى؛ لعدم ضمان الجانب الأمريكي فتكون روقة ضغط في مواجهة الأخيرة، على أن تقوم تركيا بإلغائها مستقبلاً حين تنفذ أمريكا لجزء من وعودها على الأقل. فإتمام هذه الصفقة سيكون بداية لمجموعة من العقوبات الغربية، ستؤدي لتقويض حكم أردوغان على المدى البعيد. ويكون ذلك في مقابل حصول تركيا على منظومة الباتريوت بسعر أفضل، فضلا عن رغباتها في الانتاج المشترك ونقل التكنولوجيا، أي أن إلغاء صفقة إس 400 لا يجب أن يتم بدون مقابل، بل بمقابل كبير. أخيراً التحسن في العلاقات الأمريكية التركية مازال أمامه الكثير ليكون واقعاً، لذلك لا يجب التفاؤل كثيراً إلا حينما تتخذ الإدارة الأمريكية خطوات عملية، لما لها من سوابق سلبية في هذا السياق".

المصدر| المعهد المصري للدراسات

تحذير

تحذر صحيفة (اليوم الثامن) الصحف والمواقع الالكترونية من إعادة نشر اي مواد خاصة بأي وسائل النشر ورقية او الكترونية ما لم يتم الاشارة الى المصدر.

التعليقات

 

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة