محمد يوسف يكتب:

شر البليّة

خلال 24 ساعة شهدت الساحة السورية سيلاً من الأكاذيب، ومن شدة وقعها أثارت موجة من الضحك، حيث الضحك وخاصة عند وقوع المآسي تعبير عن إنكار كل ما يحدث، وهو أقوى من البكاء والنحيب وصب اللعنات.

يوم الثلاثاء، صدق العالم كله أن فريق المفتشين التابعين لمنظمة الأسلحة الكيماوية سيدخل دوما، وكذب الناطق الرسمي السوري، وقال إن الفريق وصل دوما، ولكن «مسيلمة الجعفري» مندوب بشار في الأمم المتحدة صحح المعلومات لحكومته، وقال إن الفريق لم يتمكن من الدخول نتيجة إجراءات أمنية تهدف للحفاظ على أرواح المفتشين، وحددوا يوم أمس موعداً جديداً.

وفي الليلة السابقة فجر التلفزيون السوري الرسمي قنبلة من العيار الثقيل، فقد أذاع خبراً عاجلاً بتعرض قاعدة الشعيرات لهجوم صاروخي، وأن الدفاعات الجوية استطاعت أن تسقط جميع الصواريخ قبل أن تصل إلى أهدافها، وانتقل البث إلى فاصل من الأغاني الوطنية التي تشيد بالرئيس الأسد، وبعدها عرضت لقطات حية للدفاعات التي تفوقت على التطور التقني للمعتدين.

وقد تابعت القناة السورية حتى ساعات الفجر الأولى، ولم يقصر المحللون في شرح الملحمة التي شهدتها السماء، وقد أرجع أحدهم سبب تمكن المنظومة الدفاعية الجوية المتخلفة من هزيمة الصواريخ المعادية إلى الروح المعنوية للرجال الذين يشغلون تلك المنظومة، وشطح غيره، ونطح ثالث.

وكدت أن أصدق ما أسمع، وبعد أن نامت «شهرزاد» وسكتت كل الأجهزة عن الكلام المباح، انبلج الصباح، وبانت الحقيقة، فالصواريخ السورية ضربت الصواريخ السورية، وانتصرت قوات الأسد على قوات الأسد، وبكل استحياء صدر بيان مقتضب يعلن أن إنذاراً خاطئاً أطلق الصواريخ.

ونعود ثانية إلى دوما، حيث المضحك المبكي، فالروس اكتشفوا تحت الأرض في أحد المباني المهدمة معملاً لإنتاج الغازات السامة، وكان هذا المبنى تحت سيطرة التنظيمات الإرهابية، وقال المسؤول الروسي الذي كان حتى مساء الثلاثاء ينفي استخدام غازات كيماوية سامة في دوما، قال دون أن يخجل أو يرف له جفن، إن الغازات المكتشفة هي نفس الغازات التي استخدمت ضد المدنيين، فهل علينا حرج إذا ضحكنا من هذا الكذب الصريح، رغم المأساة التي نتحدث عنها؟

قالوا قديماً «إن شر البلية ما يضحك»، وقد صدقنا قولهم اليوم.