عبدالله حريز يكتب لـ(اليوم الثامن):
كيف ننتصر
حينما اراد قادة امريكا إيقاف الدماء والعنف وترويض وطنهم الشاسع المساوي لضعفي الوطن العربي لم يفكروا بالسلاح بل توجهوا الى العقول ونظروا الى كل من يعيش فوق تراب امريكا باعتبارهم امريكيين على الرغم إن نصفهم افارقه ومهاجرين من شتى اصقاع الارض واجناس واعراق لا تحصى ولا تعد، مختلفين في اللغات والثقافات والدين. وعندما ارادت الامارات العربية المتحدة الازدهار والرقي فتحت صحاريها للعالم كله حتى اصبح90%من سكان الامارات آسيويين، ومن الصعوبة ان تجد إماراتي في الشارع ومع ذلك لازالت اسمها الامارات العربية المتحدة، لم ينتقصوا من سيادتها ولا من رزق شعبها شيء.
اما نحن فاعتقد لا ينبغي ان نبتعد كثيراً عن تلك النماذج من الحلول بل قد يتطلب (واقعنا المعقد) قدر أكبر من المرونة والتحمل والانفتاح مع غلاف الجنوب المجاور-شريكنا في الدين واللغة والجغرافيا والماء والهواء ، الذين يرون في الجنوب وطنهم الاول ويرون عدن ارحم عليهم من صنعاء - حتى يكونوا معنا وليس ضدنا ، يحترمون حقنا في استعادة دولتنا دون الخوف منها. ومن اجل ذلك علينا أولاً إن أردنا الانتصار لقضيتنا العادلة واختصار الوقت والجهد علينا فصل المفهوم المتشابك ما بين الانتصار والانتقام، ذلك المفهوم المترسب في عقليات الكثير من الجنوبيين كردة فعل عميقة تجاه الشمال بسبب المظلمة الجنوبية الكبرى رغم إننا لو تفحصنا الكثير من همومنا في الجنوب فسنكتشف ان مصدرها نحن وليس غيرنا، بسبب المفاهيم والنظرة القاصرة التي لا تتجاوز مكان اقدامنا منذ ستينات القرن الفائت، فماذا علينا لو ازحنا عن طريقنا الكثير من الاشواك والالغام والمصاعب بالكلمة وليس بالبندقية. فالانتصار في مفهوم الكثير منا للأسف هو الانتقام من كل ما هو شمالي حتى ولو عاش بالجنوب قبل ان نخلق نحن، ما ذنب من أتى من اقصى الشمال يبحث عن عمل لا يعرف معنى الشمال من الجنوب. ذلك المفهوم المحزن الذي كلف الجنوب الكثير من المعاناة والتأخير واوجع الكثير من ابرياء الشمال والجنوب دون معنى وجعل الجنوبيين وكأنهم يدفعون بأيديهم النحيلة كتل من الجبال العملاقة التي لا يمكنها إن تتزحزح وحول كل طفل وكهل شمالي الى عدو دون حتى ان يعرف الجنوب فأصبح غريمنا 30 مليون انسان بدل عن 200 شخص كانوا يحكمون صنعاء. فهل نستطيع إن نفرق ما بين الانتصار والانتقام؟
كي نخفف عن أنفسنا الاحمال ونوصل الى عقول شعب الشمال بإن استعادة الجنوبيين لوطنهم لا يعني الانتقام منهم او ترحيلهم بل سيكونون متواجدين ولكن بترتيبات اخرى وأفضل مما هي عليه اليوم فهذا الامر هام للغاية وكان يفترض ان يكون موقف رسمي وشعبي في الجنوب منذ فتره طويلة كي تفقد عصابات الشمال خطهم الدفاعي الاول وهو تجييش بسطاء الشمال كله لكي يقاتلنا نيابة عنهم. نعم النظام القبلي الشمالي دمر الجنوب بالكامل لكن هل من الحكمة ان نعادي شعب الشمال كله والذي يساوي سته اضعاف سكان الجنوب.
اليست الجنوب جزء من الارض التي خلقنا الله عليها وجعلنا شعوب وقبائل لنتشارك عليها هذا العيش المؤقت فما الذي يمنع ذلك السياسي من مخاطبة الاخرين بهذه اللغة السهلة ويشعرهم بإن حقهم واملاكهم ووضعهم سيبقى كما هو دون عدوان وماذا يضر ذلك الجندي الواقف على الحاجز الامني لو تعامل بأخلاق راقية مع المارين من امامه بدل من شحنهم ضده. ماذا يضرنا لو أزحنا الكثير من الاشواك بالعقل بدل عن البندقية الم يكن الوقت كافياً امامنا لترسيخ تلك الاخلاق والقيم في اذهان ابناء الشمال المارين في عشرات الحواجز الأمنية والمشاهدين لملايين مواقع التواصل الاجتماعي ونشعرهم بإن قضيتنا أكبر من ايقاف مواطن على الطريق او طرد عامل من مطعم وأكبر من الكلمات التي لا تجدي مثل (دحباشي) او (إصلاحي وسخ) او (ملقلق من تعز) وماذا كسبنا من تلك التصرفات والكتابات غير تأليب الاخرين علينا. ألسنا من أشركناهم في الماضي القريب في اعلى هرم السلطة في عدن لقناعتنا بواحدية المصير معهم ونبذاً للمناطقية البغيضة ثم إننا الان لا نقبل عامل نظافة من تهامة او عامل بناء من تعز!!!
تلك التحولات المفاجئة والانتقال العنيف من النقيض الى النقيض هي فعلاً داء الجنوب من ستينات القرن الماضي، وهي من سببت لنا الكثير والكثير من المصائب والالم في الاقتصاد والسياسة وفي كل شيء لسبب ان الوسطية ليست موجودة في ذاكرتنا المعطلة كشعب خسر ماضيه وحاضره ومستقبله ودفع الكثير من الفواتير المكلفة.
فمتى نوصل نحن الجنوبيين لتلك المفاهيم المنطقية التي تجعل الاخرين يتقبلونها بسهولة ويقتنعون بإن استعادة حقنا ليس بالضرورة نهايتهم من الجنوب. متى نوصل الى النفس الطويل والمرونة كماهي عند ابناء الشمال الذين نرميهم بالجهل والغباء بينما نحن في الحقيقة اغبى شعوب الارض. الى متى تضل كتاباتنا وآرائنا في تشنج مزمن ونبتلع مفاهيم وافكار وشعارات غير منطقية نكتشف بعد حين انها كانت خاطئة وكلفتنا الكثير والكثير.
كيف لي ان اقنع العامل البسيط الذي يحمل الشاكوش والمطرقة في شوارع عدن؟ وربما لا يملك قوت يومه وليس له علاقة بالسياسة كيف لي ان أقنعه بانه عدو يجب ان يرحل؟ وبأي منطق اقنع الحلواني والخباز والنجار والسباك؟ الذين يقدمون لي خدمات رخيصة كيف اتمكن من اقناعهم بإن وجودهم يعرقل قيام دولة الجنوب؟ هل دولة الجنوب تتطلب مساحات فاضية للهبوط؟ ام تتطلب اعتراف سياسي من الاقليم والعالم؟ تسبقها نوايا حقيقيه من الشعب الذي ينشد تلك الدولة بإن دولته ليست ضد أحد ولن تؤذي أحد. وباي منطق اواجه زملاء الدراسة في كلية الجيش عمر العولقي واحمد صالح العودي من ابناء إب والذين قاتلوا في 94م الى اخر ساعة كيف أقنعهم بأنهم اعداء للجنوب وعليهم الرحيل وكيف سيقابل هذا الامر ابناء الشهيد حسين الفقيه الذي بترت قدماه في دوفس وضل ينزف في الشمس على ضهر سيارة حتى الموت كون الطريق قطعت الى عدن بوصول القوات الشمالية الى المطار. ومن يستطيع اقناع اولاد الشهداء زكي جعفر وعبده مهدي الزايدي وحمود علي العصار الذين قتلوا اخر ساعه من الحرب في محيط الممداره وهم يدافعون عن عدن باي منطق يتم اقناعهم بانهم دحابيش عليهم ان يرحلوا.



