صادق جواد سليمان يكتب لـ(اليوم الثامن):

القضية النسوية: أبعادها ومحاورها

أنا لست عالم اجتماع، ولا أستاذ علوم سياسية، ولست ناشطا في مجال حقوق المرأة.  في المقابل، موضوع المرأة لا يخرج عن عموم اهتمامي بقضايا العصر... تلك التي أراها قضاياً كلية قد اكتسبت حراكاً حيوياً على الصعيد العالمي، وبذا غدت أنشط عوامل التطوير للحياة المعاصرة عبر العالم.

 

قضية المرأة هي إحدى هذه القضايا الكلية، إذ أن لها، من وراء خصوصية كل مجتمع وطني، عمومية المنظور والهدف على الصعيد العالمي.  مرد ذلك أن العالم بأسره قد أفاق على حقيقية أن في تحجيم وضع المرأة تحجيم لوضع المجتمع، أن في تفويت الاستفادة القصوى من المواهب والقدرات النسوية تفويت للاستفادة القصوى من المواهب والقدرات المختزنة في الرصيد الوطني، وأن تخلف المرأة في أيما مجتمع سرعان ما ينقلب إلى تخلف المجتمع ككل. في المقابل، المرأة بدورها، وبباعث من وعيها الذاتي، أفاقت على حقيقة أن ما يعني الرجل يعنيها، فلا يوجد شأن حياتي لا يتشاركان الاهتمام به، بما في ذلك، بل في مقدمة ذلك، القضايا الكبرى: كمنع الحروب، الحفاظ على الأمن، حماية البيئة، مكافحة الأوبئة، إثراء الثقافة، ازالة الفقر، محو الأمية، وسوى تلك من أمهات قضايا هذا العصر. من ذلك استخلصت المرأة واقتنعت، وطنياً وعالمياً، أن عليها أن تطالب بحق مشاركة الرجل في التعامل مع الشأن الوطني والشأن العالمي بسواء.    

 

لقضية المرأة إذن حراك مزدوج: بمعنى، كما أن الوطن والعالم أخذا يهتمان بوضع المرأة، كذا المرأة أخذت تهتم بقضايا الوطن والعالم.  بقي أن نتوضح حول ماذا يوجد في حراك هذا الاهتمام المتبادل، ما منتهى الطموح على مسار هذا الاهتمام، وما هي استراتيجيات تحقيق الطموح؟ هل الطموح متماثل عالمياً، متشارَك بين الرجال والنساء، وهل الإستراتيجيات موحدة كذلك؟

 

على الصعيد العالمي، مفعلاً في برامج اليونيسكو للتطوير الاقتصادي والاجتماعي، هناك هدف تحقيق التكافؤ الكامل  بين الرجال والنساء في عموم حقوق الإنسان وحقوق المواطنة. عالمياً أيضا، هذا الهدف متشارَك بين الرجال والنساء، بآية أن في عموم مجتمعات العصر جرى تجاوز الموروث من دين وعرف، فأسقط التحفظ إزاء مطلب التكافؤ الكامل.  أما في مجتمعاتنا العربية، ولدى المجتمعات الأسلامية بوجه عام، فلا يزال الموروث من دين وعرف، سائداً بثبات، لذا يوجد قدر من التحفظ إزاء تحقيق المساواة الكاملة كهدف أخير.

 

هذا إجمالا.  أما تفصيلا، فيجري التعامل عالميا مع قضية المرأة  على ثلاثة محاور رئيسة:  محور الحقوق السياسية، محور الحقوق المدنية، ومحور حقوق التكافئ في فرص التعليم والعمل. التركيز هذا العام يأتي على الحقوق السياسية، وفي تأكيد ذلك قال أمين عام الأمم المتحدة، في كلمة احتفاء بيوم المرأة مؤخرا، أن تمكين المرأة وإسهامَها الكاملَ والمتكافئَ في كافة نشاطات المجتمع، بما في ذلك الإسهامُ في صنع القرار وممارسة السلطة، أساسي لتحقيق المساواة والتنمية والسلام.  ذكر أيضا أن حضور المرأة في الوظائف القيادية  بلغ حدا غير مسبوق مع مطلع هذا العام.  طبعا هو وآخرون في الأمم المتحدة في الوقت الذي يبدون ارتياحا إزاء هذا المنجز من التقدم حتى الآن، يذكّرون أن مساحات العجز لا تزال كبيرة، وكذا الحاجة لمواصلة العمل لأحراز مزيد من تقدم.

 

مثلا، في العالم اليوم قرابة ست ونصف مليار نسمة،  سدسهم، أي ما يفوق ملياراً منهم،  يعيشون تحت فقر مدقع، أي أشده وأذله للإنسان: ذاك المستوى من العوز حيث لا يلقى المرء كفاية في الحاجات الحياتية الأساسية، كالغذاء والدواء، والمأوى، وفرص التعلم، فيتناقص حاله ويتضاءل. الأغلبية تحت الفقر المدقع في العالم نساء. كذا الوضع في مجال الأمية: غالبية المحرومين من التعليم في العالم نساء. أضف لذلك عبئ التقاليد الاجتماعية المفروضة على النساء دون الرجال، وتخلف الحال الاقتصادي الموروث للنساء مقارنة بالرجال، حيث يقدر أن المرأة تنتج ثلثي الغذاء في العالم، لكنها تكسب عشر الأجور، وتمتلك واحدا بالمائة من الثروة!.     

 

في مجال رصد التقدم في وضع المرأة عالميا تعد الأمم المتحدة تقريرا شاملا كل خمس سنوات.  زامن تقرير عام 1995 انعقاد منبر بيجينج الذي عزز الالتزام الدولي بالعمل لأجل المساواة والتنمية والسلام. وزامن التقرير عام 2000 مشروع الألفية الذي حث على تحقيق التكافئ بين الرجال والنساء كواحد من ثمانية أهداف تنموية كبرى: السبعة الأخرى هي: إزالةُ الفقر المدقع، تعميمُ التعليم الابتدائي، تخفيضُ وفيات الأطفال، تحصين صحة الأمهات، مكافحة مرض نقص المناعة (الأيدز)، حفظ البيئة، وخلقُ شراكة عالمية لأجل التنمية. 

 

على صعيد الالتزام بتحقيق التكافئ بين  الرجال والنساء، من مجموع مائة واثنتين وتسعين دولةً عضواً في الأمم المتحدة (ربما أكثر مؤخرا)، مائة واثنتان وثمانون دولةً منضمة إلى معاهدة إزالة جميع أنواع التمييز ضد المرأة. أبرمت المعاهدة عام 1979، ومن الدول المنضمة إليها دول عربية انضمت مع التحفظ على عدة بنود لقت فيها تعارضا مع أحكام الشريعة الإسلامية. منذ منشأ الأمم المتحدة عام 1945 نص ميثاقها بجلاء على تساوي الرجال والنساء في الحقوق، تلاه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 بإقرار  حرية جميع الأشخاص وتكافئهم في الكرامة وحقوق الإنسان، وحظر التمييز ضد النساء. خلاصة، إذن، في نسق البرنامج الدولي المعمول به، تحديدا في الأمم المتحدة، موضوع المرأة مبني على، ومدفوع إلى، تحقيق المساواة الكاملة بين الذكور والإناث. 

 

موضوع المرأة حديث العهد:

لنعرّض رؤيتنا قليلا وننظر كيف أن تحولا كبيرا ومفاجئا حصل في وضع المرأة من بعد ركود مرهق مديد، ومن ثم كم حديث ومباغت نسبيا بروز حقوق المرأة على ساحة الاهتمام العالمي.  مثلا، حتى عام 1920 لم تكن للمرأة الأمريكية حقوق سياسية، فقد ظلت لمائة وثلاثين عاما بعد قيام الولايات المتحدة تعتبر غير متكافئة المواطنة مع الرجل الأمريكي.  في السويد منحت المرأة حقوقها السياسة عام 1921، في برطانيا وآيرلندا عام 1928، في إسبانيا عام 1931، في فرنسا وإيطاليا والأرجنتين والمكسيك وباكستان واليابان والصين والهند في نهاية النصف الأول من القرن العشرين.  قبل ذلك، أول منح للمرأة حقوقا سياسية حدث في نيوزيلندا عام 1893. علما بأن التعامل الاجتماعي والاقتصادي إزاء  المرأة في جميع هذه الدول ظل مجحفا بحقها لسنوات عديدة من بعد  حصولها على حقوقها السياسية.

 

لننظر أيضا كيف أن التعسف في حق المرأة كان على أسوئه في عديد من هذه المجتمعات حتى عهد قريب.  في الهند، مثلا، كان حرق الأرامل أنفسهن مع أزواج يعاجلهم الموت عادةً لا تزال تمارس حتى منتصف القرن التاسع عشر، مدفوعة بضغط اجتماعي ومشفوعة من رجال الكهنوت. حاول الحكام المسلمون المغول اقتلاع هذه العادة  دون نجاح ، ونجح في افتلاعها الإنكليز فيما بعد. اليوم، ومنذ عام 1950، للهند دستور ينعتها بجمهورية، ديمقراطية، اشتراكية، علمانية، يتساوى فيها الرجال والناس في عموم الحقوق والاستحقاقات. حاضر الهند  نسبة إلى ماضيها يخبرنا بأن  تحولات مفاجئة وكبرى يمكن أن تحدث في المجتمعات البشرية من بعد قرون من جمود.  

 

أضف لذلك أن في المجتمع البريطاني نفسه، حتى العهد الفيكتوري (1837-1901) وخلاله، أي حتى مطلع القرن العشرين، كانت المرأة مجردة من جل حقوقها ومهمشة في الحياة الوطنية. مثلا، لدى الزواج كانت ترغم على وضع كل ممتلكاتها وأموالها تحت تصرف الزوج. كان وضعها القانوني أنها غير أهل لتولي مسؤولية عامة، وغير كفؤة لإدارة شأنها الخاص، فهي والأحداث في ذلك سواء.  لم يكن متاحا لها الاحتماء بالقانون إلا بإجازة من الزوج.  لم تكن تملك حق طلب الطلاق، ولا حق حضانة الأولاد، ولا حق كتابة وصية، ولا حق الاحتفاظ بأجر تكسبه لقاء عمل تؤديه.  بذلك بلغت هيمنة الزوج على الزوجة في العهد الفيكتوري في بريطانيا درجة وصفها فقيه معاصر بالقول: في الحالة الزوجية في مجتمعنا، الرجل والمرأة شخص واحد، إلا أن هذا الواحد هو الرجل وحده.       

 

ثم لنتذكر جرائم حرق من كانوا يوصمون بالسحر في أوروبا وأمريكا، وأن ثلاثة أرباع هؤلاء كانت نساء. عصور المحارق (هكذا تعرّف تاريخيا)... عصور المحارق هذه  امتدت من القرن الخامس عشر إلى نهاية القرن التاسع عشر: أي أنها تخللت عصر التنوير – عصر ديكارت (1596-1650) ونيوتن (1642-1727) و كانط (1724-1804)، أرباب العلم والفلسفة في الخبرة الأوروبية الحديثة. كانت التهمة ضد الضحايا التحالفَ مع الشيطان لأجل إيذاء البشر.  الكنيسة، الكاثوليكية والكنيسة البروستنتانية سويا كانتا تجيزان، إن لم أقل تباركان، هذا الاضطهاد. تقريبا جُل البلدان الأوروبية كانت متورطة: بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، سويسرا، ألمانيا، بولندا، النورويج.  أما محارق ضحايا تهمة السحر في أمريكا فكانت في غالبها تضرم بمدن شمال شرق ما هي الولايات المتحدة اليوم.  هنا أيضا نلاحظ ظاهرة تحول كبير حاصل في وقت نسبياً قصير.  

 

وماذا كان عليه الحال في المحيط العربي؟  في أوطاننا ما كانت قسوة مفرطة في معاملة المرأة بقدر ما كانت استهانة بها، إهمال لها، واستغلال لضعفها من قبل الرجل. كانت الاستهانة من قبيل تهميش دورها في المجتمع،  الإهمال  من حيث تحريمها من التعليم، والإيذاء من قبيل التعسف في معاملتها وإرضاخها لطاعة الرجل ومسايرة رغباته. وإذ أقصيت عن التعلم، وحجبت عنها فرص التمرس في مهن منتجة، غدت فاقدة القدرة على التكفل بنفسها في أمر المعاش. بذلك ازداد اعتمادها على الرجل كمنفق ومنعم، وفي المقابل زادت قدرته على التحكم في أمرها فاستغل ضعفها وأملى عليها فروض الطاعة والتبعية وجعلها، في أحسن الحالات، الشريك الأدنى في الحياة!.

 

إذن - والعالم هكذا -  ما الذي حرك وضع المرأة عما كان عليه من إجحاف مزمن عالمياً، وأخيرا استرد للمرأة قسطا من اعتبار؟ بإيجاز شديد، في خبرة الغرب جاء ذلك بعاملين رئيسين: الأول، فك الارتباط مع التشريع الديني عامة، ونبذ ما منه سام المرأة الغربية خسفا طوال القرون الوسطى بالأخص. بذلك أعيد تقنين وضع المرأة ضمن تشريعات مدنية أخذت تلقف قيود الماضي وترد للمرأة قدرا من حرمة كإنسان. العامل الآخر: الحربان العالميتان في النصف الأول من القرن العشرين فرضتا حالة اضطرار:  بينما الرجال كانوا يتقاتلون بالملايين، ويدمرون الأخضر واليابس من حولهم في المدن والقرى على مدى سنوات، اشتدت الحاجة إلى استثمار قدرات المرأة خارج المنزل، أي في المصنع  والمكتب والمتجر وسائر مرافق النشاط الوطني. أما المسلمون فلا أنهم ضاقوا ذرعا بشريعة الإسلام، ولا هم خاضوا حروبا عالمية طاحنة لتضطرهم لإحلال النساء بدل الرجال في أعمال تؤدى خارج منازل ومزارع الأهل. أما اليوم فاستحقاقات التنمية الإنسانية، لا الحروب، هي التي تملي الشراكة بين الجنسين في مجال العمل، وهي  استحقاقات يرى المسلمون إمكان الوفاء بها دون الافتراق عن  شريعة الإسلام. 

 

المحاور الثلاثة: 

لنعد الآن إلى المحاور الرئيسة الثلاثة التي ذكرت أنها تشكل أهم محاور القضية النسوية: محور الحقوق السياسية، محور الحقوق المدنية، ومحور حقوق تكافؤ فرص التعليم والعمل.  في قراءتي، الحقوق السياسية ما عادت محل جدال، فقد استقرت في دساتير غالبية دول العالم وغدت تفعل بشكل أحسن وأكثر ضبطا في الأداء الوطني. هي أيضا سالكة في الخبرة العربية بوجه عام، بمعنى أنه يُفسح لها أكثر فأكثر أمام تزمت يتراجع تحت ضغط وطني وعالمي. مجلس الأمة الكويتي، مثلا، بعد عقود من الممانعة، أجاز مؤخرا شمل المرأة في العملية السياسية..  بقي أن تفعل المرأة حضورها السياسي حيثما تناله في الوطن العربي، فلا تركن ولا تتبع، بل تبادر وتتعاون في المهمة المشتركة بينها والرجل: مهمة بناء الوطن وتحسين مستوى المعيشة لجميع المواطنين.    

     

أما محور الحقوق المدنية في القضية النسوية، فلا أرى  إشكالا يوجد إزاءه لدى تلك المجتمعات التي فكت ارتباطها بالتشريع الديني، وأرست اجتهادها في الأمور المدنية على النهج العلماني، من دون أن تتتخلى عن أديانها من حيث الارتباط الروحي وإقامة الشعائر. ولأن المجتمعات العربية، إلى جانب الارتباط الروحي وأداء الفرائض ظلت ولا تزال  وفية لأحكام الشريعة، فما تطفح من إشكاليات تطبيقية أحيانا إزاء حكم شرعي أو آخر بسبب تغير أو تعقد ظروف الحياة  فإنها تعالج  باجتهاد مرن مستنير، على غرار ماعولج بعض منها  في بعض البلاد العربية مؤخرا (تونس والمغرب)، دونما الإخلال بجوهر الحكم الشرعي.

 

أخيرا، إزاء محور التكافؤ في فرص التعليم والعمل، لا أرى إشكالا يذكر لدى المجتمعات المعاصرة بوجه عام.  على هذا المحور المجتمعات العربية تجاري المجتمعات الأخرى في توجهها نحو تحقيق المساواة دونما تحفظ.  لدينا، مثلا، المرأة العمانية أخذت تسجل حضورا متقاربا مع حضور الرجل في مختلف مجالات العمل في القطاعين العام والخاص. المشاركة في إداء العمل تكسب الجنسين تثمينا متبادلا بحكم التعامل المهني، وتضفي على الحياة الاجتماعية ألطاف إيلاف حضاري. هذا إلى جانب إدراكنا جميعا أن لا مجتمع في هذا العصر يتستطيع النهوض بتنمية إنسانية حقيقية وشاملة من دون استيعاب المواهب والقدرات النسوية واستثمارها في المجهود الوطني على نحو دائب  وموفور، وأدراكنا، أيضا، أن لا فرق  بين طفل يولد في أسرنا ذكرا وآخر أنثى إذا احطناهما سويا بالمحبة، حصناهما سويا بالعلم، مكناهما سويا بالقدرة على العمل المنتج، وأنشأناهما سويا على مكارم الأخلاق.         

 

من حيث أنظر، أحبذ المضي قدما في تحقيق الحقوق السياسية للمرأة العربية، وبشكل أوفى وأرحب مما أنجز حتى الآن.  بنظري، كلما فعّلنا مشاركة المرأة في صنع القرار الوطني كلما أثرينا اجتهادنا الوطني واهتدينا  لمعالجات أوفق وأنمى للصالح العام. أحبذ أيضا استمرار حرصنا على ضمان التكافؤ في فرص التعلم والعمل، فأعباء الحياة ومسؤوليات الأسرة في عصرنا ليست بأقل أو أخف على المرأة منها على الرجل.  لكنني لا أرى من الحكمة التعرض للمحور المدني إلا بالتي هي أحسن، أي في إطار اجتهاد إسلامي سمح، مستنير، ومستوعب لتغير ظروف الحياة.  في جوهر الأمر، علينا أن ندرك أن مجتمعاتنا لا ترغب في الافتراق عن أحكام  الشريعة التي انتظمت بها حياتها الخاصة والعامة على امتداد قرون، لكنها ترغب في اجتهاد أكثر سعة في التعامل مع قضايا العصر، وفي ذلك لمجتمعاتنا الاستحقاق فيما تطالب، والحق في أن تقرر وفق ما تريد.

 

مسألة المساواة:  

أخيرا: أتوقف قليلا عند مسألة جوهرية تكمن في صلب الجدل حول وضع المرأة: وهي: هل الرجل والمرأة حقيقة  متكافئان في القابلية العقلية حتى تُبرر بذلك ضرورةُ سن تشريعات تساوي بينهما في الحقوق؟  لنستطلع ما يوجد في المجال العلمي من فهم راجح في الحاضر حول هذه المسألة:

الاستدلال حسب المنهج العلمي على وجود تفاوت في القابلية العقلية بين الجنسين، أو على عدم وجود تفاوت،  يُستقى من مصدرين: مصدر إحصائي يقارن مستوى الاستيعاب المعرفي والأداء العملي لدى الذكور بمثله  لدى الإناث، ومصدر موضوعي يخبر عن وجود أو عدم وجود فوراق نورولوجية بين دماغ الذكر ودماغ الأنثى من البشر، مما قد يفسر وجود أو عدم وجود تفاوت. إحصائيا لا يوجد دليل على وجود تفاوت، لا من حيث الاستيعاب المعرفي، ولا من حيث الأداء العملي. الإناث عبر العالم تجلس في نفس صفوف الدراسة مع الذكور، تنهل من نفس المعرفة، وتحقق فيها تحصيلا متكافئا مع تحصيل الذكور. في الولايات المتحدة، مثلا، ستة وخمسون بالمائة من مقاعد الدراسات العليا تحتلها نساء. من بعد ذلك، لا يوجد مجال عملي لم تدخله المرأة في العقود الأخيرة  وتثبت فيه جدارة تتعادل مع جدارة الرجل، إن كان في العلوم الطبيعية أو العلوم الإنسانية، أو في مختلف ميادين الإنتاج والتنظيم.  نعم، عددياً، لا تزال الإناث أقل إقبالا على العلوم الطبيعية نسبة للذكور، لكن ذلك أدنى أن يفسر كعامل ثقافي وليس كمؤشر إلى تفاوت في الاستعداد الطبيعي.

 

بمعيار المصدر الآخر، أي من حيث دراسة وجود فوراق نورولوجية بين دماغ الذكر ودماغ الأنثى، وهي دراسة تيسرت كثيرا في الفترة الأخيرة بفضل أجهزة متقدمة تعكس وضعية الدماغ وما يحدث فيه من حراك بشكل دقيق، لا يحكم العلم بأن المرأة دون الرجل في ملكة الإدراك.  نعم،  يخبرنا العلم بتغاير ملحوظ بين دماغ كل من الجنسين، تغاير لم يكن يُدرك مداه قبل عقد من الزمن كما يدرك اليوم، إلا أن العلم هنا أيضا لا يحكم بوجود تفاوت بين الجنسين في الملكة العقلية. العلم يخبرنا أيضا أن حجم دماغ الرجل أكبر بعشرة بالمائة من حجم دماغ المرأة،  لكنه يخبرنا أيضا أن هذا يتسق مع عموم فارق الحجم الجسمي بين الجنسين، حيث الرجال في المعدل أطول من النساء بنسبة ثمانية بالمائة. هنا أيضا يؤكد لنا العلم أن فارق حجم الدماغ لم يوصل العلماء إلى تبين فارق في المقدرة العقلية.  أما اختبارات الذكاء  (Intelligence Quotient Tests)فباطراد تظهر نتائج متكافئة بين الذكور والإناث. 

 

خلاصة

خلاصة، إذن، المرأة  والرجل، كما يذكرنا القرآن المجيد تكرارا، خلقا من نفس واحدة، وبذا لا يعقل أن يكون شق من هذه النفس الواحدة  أفضل أو أدنى من الشق الآخر. فإذا تغايرا في الأدوار، فلا يعني ذلك أن يتفاوتا في الحقوق.  في سياق هذا المفهوم، ومن روح هذه الصلة المودعة في لفظ "الإنسان"،  الحاضن للذكور والإناث سوياً، خير ما أختم به هذا الحديث الآية الكريمة التي تَصُفّ النساء جنب الرجال بتكرار ذكر النساء مع ذكر الرجال في كل وصف لفضيلة ينبني عليها استحقاق للمغفرة وإثابةٌ بأجر عظيم: }بسم الله الرحمن الرحيم.  إن المسلمين والمسلماتُ والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات، أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما.{  ***

  

لننظر الآن ماذا يفتي به الدين، تحديدا ماذا  نجد في الإسلام. لننظر ما الأصل في المنظور الإسلامي: أهو المساواة بين الجنسين أم هو عدم المساواة؟ ***منهجي في فهم أية مسألة إسلامية هو البحث عن تأصيل لتلك المسألة في القرآن المجيد.  في مسألة التوازن بين  الرجال والنساء، ما أراه استنباطا من الذكر الحكيم هو تساو بينهما في الخلق،  تساو بينهما في أهلية الولاية، وتساو بينهما في قيمة العمل المؤدى من كل منهما والأجر المستحق عليه.  وما أراه بعد ذلك هو خطاب قرآني مكرر للناس والإنسان، وكلا اللفظين – الناس والإنسان - شاملٌ الذكورَ والإناث.  ***لننظر أولا إلى وحدة المنشأ، فنقرأ: }*بسم الله الرحمن الرحيم:  يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تَساءلون به ( تبتغون منه حقوقكم المتبادلة)  والأرحامَ ، إن الله كان عليكم رقيبا.{  *ونقرأ: }هو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر (في الدنيا)  ومستودع (في الآخرة)، قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون. { *ونقرأ:  }هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به، فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين{.  من هذه الأيات الكريمة أستدل: بما أن الرجل والمرأة نشآ من نفس واحدة، فلا يعقل أن يكون شق من هذه النفس الواحدة أفضل أو أدنى من الشق الآخر، وإن تغايرا في الشكل والأداء.

أما عن أهلية الولاية فأرى أنها للمرأة والرجل بتبادل، بدلالة الآية: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض.  أفهم من هذ الآية الكريمة أن تبادل الولاية لا يعارض على أساس تغاير الجنس، ويعارض على أساس تناقض المبدأ: بمعنى أن المؤمن لا يتخذ المشرك ولياً، والمشرك لا يتخذ المؤمن ولياً لوجود  تناقض مبدئي. لكن المؤمن يتخذ المؤمنة ولية، والمومنة تتخذ المؤمن ولياً لوجود تطابق مبدئي.  وتمام الأية، كما تحفظونها: }*بسم الله الرحمن الرحيم. والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليا بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم.{  *و آية تليها: }وعد الله المؤمنين والمؤمنات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ومساكنَ طيبةً في جنات عدن، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم. { **ثم لنقرأ المعادلة نفسها في الجانب السلبي من تبادل الولاية: }*بسم الله الرحمن الرحيم.  ثم جعلناك على شريعة من الأمر، فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون.  إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين.  هذا بصائر للناس وهدىً ورحمة لقوم يوقنون{. هذا ما عنيت بقولي أن تبادل الولاية لا يعارض على أساس تغاير الجنس، ويعارض على أساس تناقض المبدأ. *** آخيرا: لننظر إلى تكافؤ قيمة العمل الصالح  والأجر المستحق عليه، من ذكر صدر العمل  أو من أنثى،  فنقرأ: }*بسم الله الرحمن الرحيم.  ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فألئك يدخلون الجنة{. *ونقرأ: }من عمل منكم صالحا من ذكر أن أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون{.  ***إذن، خلاصة، بانتفاء التفاوت في الخلق، بانتفاء التفاوت في أهلية تبادل الولاية، وبانتفاء التفاوت في قيمة العمل المؤدى والأجر المستحق عليه، ... ثم بالخطاب الموجه للرجال والنساء سوياً بصدد تقويم خبرة الحياة بلفظي الناس والإنسان الجامعين معا الذكورَ والإناث... بهذه القرائن مجتمعةً أرجح أن الأصل في الإسلام المساواة في حقوق الإنسان.  وإذا ما اقتضت معطيات الحياة تغايرا  في الأدوار، فإن التغاير في الأدوار لا يعني ولا ينبغي أن يعنيَ  تفاوتاً في الحقوق.  ***الاحتجاج في هذ الأمر يحتكم عادة إما إلى العلم أو إلى الدين.  دعنا  هنا نحتكم إلى الاثنين معا لنتبين ما حكم أي منهما في هذا الأمر الخطير.