محمد النصراوي يكتب لـ(اليوم الثامن):
ترامب والمالكي… وبينهما العراق
تتجه الأنظار مجددًا إلى بغداد، المدينة التي تجد نفسها مرة أخرى في قلب عاصفة سياسية لا ترحم؛ حيث يتقاطع طموح العودة إلى السلطة مع «فيتو» القوة العظمى، في مشهد يعيد طرح أسئلة السيادة والتبعية في الشرق الأوسط. فالمواجهة الراهنة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ليست خلافًا دبلوماسيًا عابرًا، بل لحظة كاشفة لمسار العراق العالق بين منطق «الصفقات» الترامبية ومشروع «التمكين» المحلي المدعوم إقليميًا.
في واشنطن، لم يعد العراق يُقرأ من زاوية «بناء الديمقراطية» أو «الالتزام الأخلاقي»، بل من منظور نفعي صِرف. ترامب ينظر إلى المالكي بوصفه رمزًا لمرحلة «الفشل الأميركي» وبوابة مفتوحة للنفوذ الإيراني الذي تعهّد بمحاصرته. في المقابل، يتمسك المالكي، أحد أركان «الإطار التنسيقي»، بشرعية الصندوق الانتخابي وبخطاب الاستقلال عن الإرادة الخارجية، معتبرًا أن ترشيحه لرئاسة الحكومة استحقاق سيادي غير قابل للمساومة. وبين هذين الموقفين، يقف العراق دولةً وشعبًا، بانتظار مصير قد تحسمه «تغريدة» على منصة «تروث سوشيال» أو بيان مقتضب من مكاتب المنطقة الخضراء.
لم يكن «الفيتو» الذي لوّح به ترامب وليد اللحظة. فالتاريخ بين الرجلين مثقل بالاتهامات؛ إذ يحمّل ترامب المالكي مسؤولية صعود تنظيم «داعش» عام 2014، وانهيار المؤسسة العسكرية العراقية آنذاك، مستثمرًا هذا الملف مرارًا لتجريم الإدارات الأميركية السابقة التي أنفقت—بحسب خطابه—تريليونات الدولارات لتنتهي إلى عراق أوسع نفوذًا لطهران.
في المقابل، يدرك المالكي أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض تعني عودة سياسة «الضغوط القصوى» بنسخة أشد، لا تميّز بين الدولة والفصائل المسلحة. الصدام هنا ليس شخصيًا بقدر ما هو تصادم عقيدتين: «أميركا أولًا» التي تتعامل مع العراق كحساب بنكي أو ساحة تصفية حسابات، مقابل «دولة القانون» التي تسعى إلى استعادة هيبة الدولة عبر مركزية القرار الشيعي، حتى لو جاء ذلك على حساب الانفتاح الدولي.
الأخطر في المشهد هو الجانب العملي لتهديدات ترامب. فالأمر لا يقف عند رفض سياسي، بل يتجاوز ذلك إلى التلويح بقطع المساعدات ووقف الدعم الفني والعسكري—أوراق تضرب عصب الدولة العراقية. فالاقتصاد العراقي، المرتبط عضويًا بالدولار الأميركي عبر نافذة بيع العملة واحتياطيات البنك المركزي، قد يواجه خطر «الخنق» إذا مضت واشنطن في عقوبات تقنية أو مالية على حكومة يرأسها المالكي.
وتشير تسريبات إلى امتلاك ترامب ثلاث أوراق ضغط اقتصادية رئيسة: تقييد تدفّق الدولار عبر الاحتياطي الفيدرالي، استهداف قطاع النفط بعقوبات غير مباشرة، ورفع الحصانة السيادية عن الأموال العراقية. هذه المعادلة وضعت حلفاء المالكي داخل «الإطار التنسيقي» أمام خيارات قاسية، وفسّرت التردد والانقسام الصامت داخل البيت السياسي الشيعي، خشية عزلة دولية وتداعيات سريعة على العملة والوضع المعيشي.
في المقابل، يرفع المالكي راية «السيادة» كاستجابة مباشرة للتدخل الأميركي، محاولًا استثمار «الفيتو» لصالحه عبر تقديم نفسه مدافعًا عن القرار الوطني في مواجهة «الإملاءات الخارجية». إنها مناورة سياسية تهدف إلى نقل المعركة من سباق على منصب إلى قضية كرامة وطنية، وكسب تعاطف قواعد شعبية ترفض التدخل الخارجي.
لكن سؤال الجدوى يبقى حاضرًا: هل يمتلك العراق ترف الصدام مع واشنطن في هذه اللحظة؟ فالمفارقة واضحة؛ الرجل الذي استفاد من الدعم الأميركي في تثبيت أركان حكمه سابقًا، يرى اليوم في واشنطن العائق الأكبر أمام عودته. ومع استمرار الضغط، يلوح سيناريوان لا ثالث لهما: مواجهة مباشرة تُفضي إلى إجراءات عقابية واضطرابات اقتصادية، أو تراجع تكتيكي باستبدال المالكي بشخصية تسوية أقل استفزازًا لواشنطن، مقابل ضمانات تحفظ نفوذ حزبه داخل مفاصل الدولة.
العراق اليوم ليس مجرد جغرافيا، بل اختبار صعب لقدرة القوى المحلية على الموازنة بين «الشرعية الداخلية» و«المقبولية الدولية». ترامب، بعقلية رجل الأعمال، لا يبحث عن حلفاء دائمين بل عن صفقات رابحة، والمالكي—في حساباته—صفقة خاسرة. وبين «لا» الأميركية و«نعم» العراقية، يبقى المواطن العراقي هو من يدفع كلفة الاستعصاء السياسي، منتظرًا تسوية قد تولد من رحم الأزمة، أو انفجارًا يعيد البلاد إلى نقطة الصفر.
فهل تنتصر «تغريدة» ترامب وتُقصي المالكي، أم يسجّل الأخير عودة تُكرّس أن بغداد لم تعد تُدار من واشنطن؟
الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.


