افتتاحية العدد (179)
شبوة على حافة العنف المؤجَّل… حين تفتح السياسة بوابة السلاح
يعيد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ترتيب صفوفه من جديد، في تطور يوحي بأن دورة عنف قادمة تلوح في الأفق، في ظل حصوله على أسلحة نوعية كانت بحوزة قوات مكافحة الإرهاب، قبل أن تتعرض هذه القوات لانتكاسة كبيرة إثر الحرب السعودية التي شُنت بغية فرض نفوذ على بحر العرب.
في مطلع يناير 2026م، شنت السعودية معركة واسعة بضربات جوية مكثفة، بلغت نحو 500 طلعة جوية، استهدفت قوات مكافحة الإرهاب «النخبة والدعم والإسناد»، والتي كانت قد نفذت عملية «المستقبل الواعد» في الثاني من ديسمبر 2025م، ونجحت خلالها، وفي غضون 24 ساعة، في تحرير وادي وصحراء حضرموت.
وقال مصدر في المجلس الانتقالي الجنوبي حينها إن القوات الجنوبية الحكومية نجحت في تأمين واحدة من أهم المناطق التي استُخدمت لتهريب الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيّرة إلى جماعة الحوثيين اليمنية وتنظيمي القاعدة وداعش، وهي مناطق كانت ترابط فيها قوات إخوانية ممولة من السعودية.
هذه العملية العسكرية اعترضت عليها الرياض، ودعت القوات الحكومية الجنوبية إلى الانسحاب من الوادي والصحراء والمهرة، وتسليمها لقوات الطوارئ اليمنية ذات التوجه المذهبي «السني»، إلا أن المجلس اشترط مشاركة قوات «درع الوطن»، وهي الأخرى قوات ممولة سعوديًا. غير أن السعودية اشترطت الانسحاب الكامل من حضرموت والمهرة وتسليمهما لقوات «درع الوطن».
وقدمت الرياض مبررات متعددة، من بينها أن مشروع الاستقلال الجنوبي سيمثل فرصة لتواجد إسرائيلي في جنوب اليمن، غير أن وزير الدفاع السعودي ذهب لاحقًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليتراجع عن هذه المزاعم، قبل أن يعود للتأكيد أن معركته في الجنوب تهدف إلى منع ما أسماه «الانفصال»، وهو ما استتبع سلسلة من الاعتذارات لإسرائيل عن الخطاب الديني والإعلامي الذي تصدرت به الصحافة السعودية خلال يناير 2026م.
الحرب السعودية في جنوب اليمن، والتي أشرف عليها وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، حملت ثلاثة مبررات رئيسية: «حماية الأمن القومي السعودي، محاربة الوجود الإسرائيلي، والدفاع عن ولي الأمر رشاد العليمي». إلا أن نتائج هذه الحرب تمثلت في القضاء على قوات مكافحة الإرهاب المحلية، بعد أن بلغت إحصاءات الاستشهاد قرابة 450 جنديًا وضابطًا من القوات الجنوبية الحكومية.
غير أن الخطورة لم تكن في انتشار قوات ذات نزعة مذهبية فحسب، بل في وقوع الأسلحة النوعية في قبضة عناصر من تنظيم القاعدة. وتشير العديد من التقارير الصحفية إلى أن عناصر من التنظيم شاركت في القتال إلى جانب القوات الجنوبية، وقد ظهر زعيم سابق في تنظيم القاعدة داخل إحدى القواعد العسكرية، وهو يتحدث إلى قائد الفرقة الثالثة من قوات الطوارئ اليمنية ذات التوجه المذهبي.
وخلال يناير المنصرم، رصدت الأجهزة الأمنية تحركات لعناصر من تنظيم القاعدة، أثناء قيامها بنقل أسلحة من لواء بارشيد غرب مدينة المكلا إلى وادي المسيني، في مؤشر على أن التنظيم قد استعاد كامل السيطرة على الوادي، بعد نحو عشرة أعوام من تأمينه وطرد العناصر الإرهابية منه، عقب أن ظل لنحو عام إمارة تابعة لتنظيم القاعدة.
وأشارت وسائل إعلام دولية، من بينها وكالة «ميدل إيست 24»، إلى شخصية سعودية هي الفريق فهد بن حمد، مؤكدة أنه أصدر أوامر بفتح النار على مدنيين في حضرموت، وسهّل عملية تهريب إرهابيين من تنظيم القاعدة من معتقلات أمنية شديدة التحصين في المكلا، ونقلهم إلى الخارج، وسط توقعات بانتقال بعضهم لاحقًا إلى مأرب.
وقبل أيام، استهدفت الولايات المتحدة عناصر من تنظيم القاعدة في مدينة مأرب اليمنية، غير أن التنظيم رد بتنفيذ عملية إرهابية عبر تفجير مركبة ملغومة كانت مركونة على الطريق، استهدفت حمدي شكري، وأسفرت عن مقتل وجرح عدد من أفراد حراسته.
وعمدت وسائل إعلام إقليمية إلى توجيه الاتهام إلى أطراف أخرى غير تنظيم القاعدة، في محاولة فُسرت على أنها تهدف إلى الهروب من حقيقة أن التنظيم بات اليوم يمتلك قدرة كبيرة على التحرك وتنفيذ ضربات ضد خصومه السياسيين والعسكريين والأمنيين.
لم تُظهر الرياض جدية كافية في محاربة الإرهاب منذ بداية تدخلها العسكري في اليمن، وهو ما أثار مخاوف متزايدة من عودة التنظيمات الإرهابية إلى النشاط مجددًا، لا سيما أن القوات الجنوبية الحكومية، قبل أن تتعرض للضربات السعودية، كانت قد طهرت مساحات واسعة ضمن عملية «سهام الشرق».
وتشير المؤشرات الحالية إلى تدفق سلاح نحو الجماعات المتطرفة من محافظة مأرب، التي تمثل المعقل الرئيس لجماعة الإخوان المسلمين، حلفاء الرياض، ما يعزز القناعة بوجود دورة عنف جديدة تلوح في محافظة شبوة النفطية. فالمعلومات الأمنية تفيد بأن عناصر من التنظيمات المتطرفة حصلت على أسلحة نوعية هُربت من حضرموت إلى مأرب، قبل أن تصل إلى هذه الجماعات الإرهابية.
وعلى الحدود بين شبوة ومأرب، تتحرك عناصر مسلحة على متن مركبات عسكرية، تقول معلومات أمنية إن هدف هذه التحركات تنفيذ ضربات ضد قوات الأمن في مدينة عتق، مركز المحافظة النفطية الجنوبية. وقد بات من الواضح أن تنظيم القاعدة لا يتحرك اليوم في فراغ أمني، بل تُفتح له قنوات تسليح ويتحرك تحت غطاء سياسي، بعد أن جرى تفكيك أو إضعاف قوات مكافحة الإرهاب المحلية.
وتستدعي هذه المؤشرات الميدانية تدخلًا عاجلًا لوقف هذا الانهيار في المنظومة الأمنية، وضبط تحركات العناصر المتطرفة. وتشير بعض المعلومات إلى أن السعوديين قدموا تطمينات بعدم عودة أنشطة القاعدة، في إطار سياسة «التحكم» بهذه الجماعات، غير أن الخطورة تكمن في أن إيران تمتلك نفوذًا واسعًا داخل بعض هذه التنظيمات، خاصة في ظل إقامة زعيم التنظيم العالمي سيف العدل في إيران، وما يحظى به من رعاية من النظام الإيراني، لاستخدامه في الخطاب الإعلامي والديني المرتبط بإسرائيل.
وتذهب بعض الآراء في الصحافة المحلية إلى أن من يفتح قنوات السلاح لتنظيم القاعدة عليه أن يتحمل العواقب. فحزب الإصلاح اليمني (إخوان اليمن) لم يعد مجرد حزب سياسي فاعل، بل أصبح شريكًا في الدولة، إن لم يكن المتحكم فيها، خاصة بعد أن منحته القيادة السعودية ثقة كبيرة في إدارة الحرب ضد الجنوب، وهو ما يعني أن القاعدة باتت إحدى أدوات هذا التنظيم.
وخلال السنوات الإحدى عشرة الماضية، تشكلت حكومات محلية عدة كانت جماعة الإخوان في اليمن اللاعب الرئيس فيها، في صورة من صور الدعم السعودي للحلفاء. ومع ذلك، لا يزال الموقف السعودي غائبًا إزاء التخادم الإخواني–القاعدي، وهو تخادم ليس جديدًا، لكن الفوضى تظل البيئة المثالية لعودة القاعدة، وبأسلحة نوعية كان للقوات السعودية دور بارز في وصولها إلى التنظيم، في واقعة تؤكد أن تسليح الإخوان للقاعدة في شبوة يمثل تهديدًا أمنيًا بالغ الخطورة محليًا وإقليميًا.
ويضع هذا التطور السعودية أمام حقيقة مفادها أن من يوفّر الغطاء السياسي يشارك في الجريمة مثل من يطلق النار. فشبوة النفطية تحتاج إلى حماية المدنيين قبل الحسابات السياسية، وأي تساهل مع القاعدة أو قنواتها سيُعد تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي، لا مجرد مسألة محلية.
وأخيرًا، أصبح من الضروري أن يتحرك المجتمعان الإقليمي والدولي لوقف السياسات السعودية الهادفة إلى إعادة ترتيب الإخوان والحوثيين والقاعدة، وهو ما يتطلب تحقيقًا مستقلًا ومحاسبة علنية لكل صلة بين حزب الإصلاح وتنظيم القاعدة، إلى جانب تشديد إجراءات الحماية الفورية للمدنيين في محافظة شبوة.


