لطيفة محمد تكتب:

إشكالية الاتساق.. حين تتبدل المواقف بتبدل مصادر الدعم

​​​كنت أؤمن أن الإعلام رسالة لا مساحة استعراض وأن من يقف أمام الكاميرا يحمل أمانة قيّمة ورفيعة في المحتوى والمضمون. ولا زلت أؤمن أن في الإعلام أصواتاً نزيهة تحترم الحقيقة وتنقلها بضمير مهني صادق ومشرف؛ لكن في المقابل هناك منابر لا تنقل الحدث بل تعيد تشكيله حسب ما تراه مناسباً لأغراض ومصلحة شخصية لا أكثر

. ففي زمن الأزمات والمحن، تظهر المواقف، وتنكشف الحقائق، وتبرز الجهود الإعلامية بما تكنه في نفوسها وخوافيها، تنكشف الفروق بوضوح بين إعلام يلتزم المهنية  والمصداقية، وإعلام آخر يتعامل مع الخبر كأداة توجيه بـ«مانشيتات» مغضة ورسائل ضبابية الفكرة

إعلام بغيض، تُنتقى من خلاله المفردات بعناية وتُصاغ الجمل بذكاء عاطفي ويُعاد ترتيب الوقائع بحيث تخدم اجنداتٍ معيّنة، وأطرافٍ محددة دون النظر إلى الحقائق من زواياها الصحيحة. إعلام ليس لديه الهدف الواضح والاستراتيجية المتزنة سواء اختلاق حدث معيّن لإثارة الرأي العام، وتصدَّر المشهد الإعلامي في المواقع والمنصات الرقمية، إعلام يُضخَّم ما يُغضِب ويُهمَّش ما يُوازن وتُكرَّر العبارة حتى تتحول إلى حقيقة في ذهن المتلقي، وهكذا يتحول الخبر من نقل واقع إلى صناعة انطباع
وحين يُترك جوهر الصراع وتُسلَّط العدسة بإصرار على دولة عربية بعينها، لا يعود السؤال ماذا حدث؟، بل لماذا هذا التركيز الانتقائي. ثم يظهر إعلامي يكتب بتلميح، لا بتوضيح ويختار كلماته وكأنه يزرع رسالة بين السطور، فلا يصرح بها، لكنه يلمح إليها

يا سادة.. السياسة ليست مساحة استعراض لغوي ومن اعتاد ملء الفراغات والمساحات المفتوحة، والخوض في شؤون الدول والأزمات الإقليمية بلغة توحي أكثر مما تشرح؛ غير أن القضية لا تقف عند حدود شاشة أو مذيع، وشخصنة الأحداث بمشاعر رمادية اللون، فالآلية التي تُفخَّخ بها الكلمة هي نفسها التي يُفخَّخ بها الموقف، وكما يُعاد ترتيب الخبر لتوجيه الانفعال يُعاد ترتيب الخطاب لتوجيه الضمير، وكما تُختار المفردة التي تُشعل، تُختار الإدانة التي تخدم الاصطفاف، في الحالتين الجمهور هو المستهدف
ما يعنيني في هذا المشهد، ليس صخب المدافع، بل صمت البيانات، أن تدين ضرب أرض إسلامية لأن قيادتها تفتح لك خزائن الدعم ثم تصمت حين تُستهدف أراضٍ عربية أخرى لا يمر عبرها التمويل فهذا ليس موقفاً مبدئياً، بل اصطفاف مالي صريح. إن كان معيارك هو حرمة الدم، فالدم لا يُقاس بحجم التحويلات، وإن كان معيارك هو سيادة الدول فسيادة الجار ليست أقل شأناً من سيادة الحليف؛ لكن حين ترتفع الإدانة حيث تُفتح الخزائن وتغيب حيث ينقطع الدعم فلا تتحدث عن عقيدة بل عن حسابات. كيف تُرفع راية نصرة الأمة ثم يُغض الطرف عن استهداف مدن عربية لأن الفاعل يمدك بما تحتاج، هل أصبح المدني العربي أقل حرمة إذا لم يكن خلفه داعم؟ 

الأدهى أن هذا التيار الذي بنى خطابه طويلاً على مفردات الصحوة والتمكين والمرجعية الإسلامية، يبدو اليوم كتنظيم سياسي خالص يحسب خطواته بميزان المكاسب لا بميزان المبادئ التي يعلنها؛ ليست المشكلة في أن تتحرك السياسة وفق المصالح فهذا شأن الدول وتوجهاتها، المشكلة في أن تُلبس المصلحة لباس العقيدة وأن يُسوَّق الاصطفاف المالي على أنه اصطفاف إيماني. إن كنت تدين العدوان فأدنه أينما كان، وإن كنت تحرم استهداف المدنيين فحرمه بلا استثناء، أما أن تختار ما تدينه وفق هوية الداعم، فذلك ليس موقفاً شرعياً بل حساب تنظيمي واضح. ومن تعود أن يزن مواقفه بميزان من يدفع، فلن يفرق كثيراً بين مدني هنا أو هناك ما دام التمويل مستمراً، والناس وإن طال صبرها، تدرك الفرق بين من يدافع عن مبدأ ومن يدافع عن خزينة
ولكي يكون الموقف أوضح فإنني لا أكتب بدافع عنصرية ولا انحيازاً لمسلم ضد آخر، سواء كان مسلماً أو غيره، ولا لعربي ضد أجنبي وغيره كذلك، المعيار لديّ واحد هو الاتساق، من يتحرك بمشروع سياسي فليّسم مشروعه كما هو، ولا يغلّفه بخطاب ديني ليمنحه حصانة أخلاقية زائفة ومشوهه. وإن كنت سياسياً فكن واضحاً، وإن كانت حساباتك مصلحية فاعترف بها. أما أن تدعي تمثيل القيم المطلقة ثم تختار مواقفك وفق مواضع التمويل فهنا يبدأ التناقض

المفارقة أن من يمارس هذا الالتفاف يهاجم دولة واضحة في توجهها وصريحة في خطابها لا تخفي مشروعها ولا تلبس سياستها ثوباً دينياً لتبريرها، ومن يبدل معاييره يشكك في من يعلن معاييره بوضوح، ومن يحتمي بالشعارات الباهته يتهم الواضح بالمراوغة؛ لسنا أمام خلاف سياسي فحسب، بل أمام قلب للموازين، عالم يهاجم الوضوح ويكافئ الالتواء، فالناس لا تنفر من الصراحة حتى لو اختلفت معها، لكنها تنفر من التناقض ومن خطاب يُقدَّم كأنه عقيدة بينما هو في الحقيقة حسابات زائفة، وفارغة، ولا تخدم إلا نفسها في المقام الأول.

- عن أصوات أدبية بتصرف.