عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):

بين السافاك والملالي.. هل تعيد المعارضة الإيرانية إنتاج الاستبداد؟

   لم تعد الساحات الأوروبية مجرد فضاءات للاحتجاج الرمزي للمعارضة الإيرانية بل تحولت إلى مختبرات سياسية تعكس عمق الانقسام حول هوية النظام البديل.. وفي هذا السياق تأتي التطورات الأخيرة في مدينة ريغنسبورغ الألمانية (مايو 2026) لتضع المعارضة بمختلف أطيافها أمام مواجهة حادة حول الموروث التاريخي والقيم الديمقراطية.

 إن ظهور شعارات ورموز جهاز الأمن والمنظمة المخابراتية السابق (السافاك) في تجمعات مرتبطة بالتيار البهلوي لا يمثل مجرد واقعة عابرة بل هو مؤشر على تحول استراتيجي في خطاب "اليمين القومي" الإيراني مما يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة القوى المعارضة على تقديم نموذج يتجاوز "ثنائية الاستبداد" التاريخية.

مأسسة الذاكرة الأمنية.. من التواري إلى الصدامات العلنية

يمثل الانتقال من مرحلة التواري الخجل لبقايا الجهاز الأمني السابق إلى مرحلة الاستعراض العلني لرموزه تحولاً خطيراً في سيكولوجيا العمل السياسي المعارض.. فمن وجهة نظر تحليلية يعكس هذا التوجه رغبة في "إعادة تأهيل" حقبة الشاه ليس كفترة استقرار اقتصادي فحسب بل كمنظومة أمنية صلبة؛ إلا أن هذا التوجه يصطدم بواقع حقوقي دولي صارم فالدولة الألمانية التي تتبنى تشريعات متشددة ضد الرموز الفاشية والنازية تجد نفسها اليوم أمام اختبار قانوني يتعلق بمدى السماح برموز مرتبطة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وَثَقتها منظمات دولية مثل منظمة العفو الدولية.. وإن محاكمة برويز ثابتي في الولايات المتحدة لتمنح هذه التطورات بعداً قضائياً دولياً يحاصر محاولات تبييض الماضي الأمني.

الجدل الحقوقي وسوسيولوجيا الغضب الشعبي

تستند القوى المناهضة لهذا الظهور وفي مقدمتها منظمة مجاهدي خلق الإيرانية إلى أرضية أخلاقية وسياسية ترى في تمجيد "السافاك" تبريراً وقحاً لأساليب تعذيب وحشية مثل الصعق الكهربائي واستخدام أداة "أبولو" واقتلاع الأظافر وغيرها من وسائل التعذيب الهمجية.

 إن استحضار ذاكرة إعدامات تلال سجن إيفين عام 1975 يهدف إلى تذكير المجتمع الدولي بأن الاستبداد يمتلك ذاكرة واحدة مهما اختلفت العباءة الأيديولوجية ومهما عمد الإعلام الداعم إلى تزيين القبح وتشويه الحقائق..، وعلى الصعيد الآخر ومن الناحية الاستراتيجية يسعى هذا الخطاب إلى حرمان التيار البهلوي من "الشرعية الديمقراطية" عبر فضحه والتذكير بفاعليته في منظومة القمع التي مهدت الطريق تاريخياً لاندلاع الثورة في الأصل ثم أعانت وحلفائها على سرقة ثورة الشعب ونقلت إيران إلى حقبة استبدادية جديدة، واليوم يخشون زوال ثقافة الاستبداد من إيران لذا تسعى بعض القوى الرجعية إعادة فلول الشاهنشاهية بماضيها وقافتها البغيضة إلى إيران لتحكم أو لمشاركة الملالي في حكم البلاد.. هذا إن لم يكونوا هم وحراكهم ومن خلفهم يسعون إلى تثبيت وجود حكم الملالي في إيران.. فهل نسي الشعب الإيراني دماء أبنائه وجرائم السافاك ورضا وأبيه؛ والجواب.. لقد أورث الشعب الإيراني كامل حقه لأبنائه فشيوخ تلك الحقبة وحقبة الملالي تركوا حق القصاص لوليد الأمس القريب واليوم.. ومهما تعاقبت الأجيال فإن ميراث المظلوم والمنكوب يبقى كبركان يستيقظ ويثور في حينه..

التداعيات على "البديل السياسي" والوحدة الوطنية

على مستوى صناعة القرار الدولي تدرك القوى الغربية أن تصاعد التوتر بين "الفاشية البهلوية" (كما تسميها المعارضة الراديكالية) وبين التيارات المنظمة يضعف من فرص تشكيل جبهة موحدة ضد النظام القائم في طهران.. وإن البلاغات الرسمية التي قدمتها ممثلية المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية لوزارتي الداخلية والخارجية الألمانيتين تعكس رغبة في "تدويل" هذا الخلاف وتحويله إلى قضية أمن عام داخل أوروبا.

 هذا الصدام الرمزي يؤكد أن أزمة الثقة بين مكونات المعارضة ليست مجرد خلاف على الحصص السياسية بل هي مواقف صارمة تتصدى لمن أجرموا بالأمس في حق الشعب الإيراني الذي يرفض استبدال "الاستبداد الديني" بـ "استبداد أمني شوفيني " سابق لم يخضع بعد للمحاكمة على جرائمه السابقة والحالية.

قراءة في المآلات.. سيناريوهات الصدام والاحتواء

تُظهر القراءة المتأنية للأحداث الجارية أننا أمام ثلاث مسارات استراتيجية محتملة:

1.     المسار القانوني: تزايد الملاحقات القضائية في أوروبا والولايات المتحدة ضد العناصر المرتبطة بـ "السافاك" مما قد يؤدي إلى عزل التيار البهلوي سياسياً وتصنيفه كحركة مُدانة.

2.     سيناريو الاستقطاب الحاد: تحول الشتات الإيراني إلى ساحة "حرب باردة" بين القوى الوطنية والمجموعات "القومية المتشددة الشوفينية" مما قد يدفع الحكومات الأوروبية لتقييد أنشطة المعارضة بشكل عام.. وربما يكون هناك تحيز غربي لصالح الشوفينية البهلوية خاص وأن الغرب هو من أعاد إحياء تلك البهلوية من قبورها.

3.     إعادة التموضع الاستراتيجي: اضطرار ابن الشاه إلى التنصل تكتيكياً من هذه المجموعات لتفادي خسارة الدعم الدولي وهو ما قد يؤدي إلى انشقاقات داخل صفوف مؤيديه الأكثر تشدداً.

حتمية القضاء المستقل

إن النتيجة الجوهرية لهذا الصدام تتمثل في حقيقة أن مستقبل إيران لا يمكن بناؤه على أنقاض ذاكرة قمعية.. فالمطالبة بـ قضاء مستقل في إيران المستقبلية ليست مجرد شعار حقوقي.. بل هي ضرورة استراتيجية لضمان عدم تكرار دورات الانتقام السياسي. إن المواجهة الحالية في ريغنسبورغ تثبت أن "سقوط النظام" هو نصف المعركة فقط؛ بينما النصف الآخر يكمن في القدرة على تأسيس شرعية سياسية ترفض كافة أشكال الفاشية سواء كانت برداء ديني أو ببزة بهلوية لضمان استدامة أي تغيير ديمقراطي حقيقي.

عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري