عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):

من التحالف إلى التمثيل الشرعي.. خارطة طريق لانتزاع الاعتراف الدولي

    المُلم بتاريخ المعارضة "الوطنية الإيرانية" يعرف تماماً كيف يوجه الرأي والفكر السياسيين فيما يتعلق بالملف الإيراني وضرورة التغيير في إيران، ويُدرك كذلك أن معوقات التغيير في إيران ليست في انعدام القدرة على إسقاط نظام الملالي الحاكم إحلال البديل الوطني الديمقراطي محله؛ ولا في عدم وجود توافق بين مختلف فصائل المعارضة الإيرانية "الوطنية وغير الوطنية" وإنما تكمن هذه المعوقات في المعطلات الدولية التي كانت ولازالت عائقا صريحا وواضحاً أمام مشروع إسقاط نظام الملالي؛ المُلم بتفاصيل تاريخ ما يقرب من 47 سنة مضت من تاريخ إيران السياسي يعرف كم قيد الغرب منظمة مجاهدي خلق و المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية لصالح نظام الملالي ، وعلى الرغم من ثبات ودقة الرؤية السياسية لدى مجاهدي خلق والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية وقناعة الغرب بأنهم البديل الديمقراطي الوحيد المناسب والمقتدر لقيادة إيران في مرحلة التغيير إلا أنهم وحلفائهم في المنطقة يتجنبون الخوض في مسارٍ عمليٍ جاد يُفضي إلى نهاية حكم الملالي واستقرار المنطقة علماً بأن هذا التيار قد صرح مراراً وتكراراً أنه لا يريد مالاً ولا سلاحاً وإنما يريد الاعتراف بهم كممثل شرعي وبحقهم المشروع في أي نوع من أنواع المواجهة المباشرة نحو الإسقاط والتغيير وإقامة حكومة إنتقالية تكون امتداداً لحكومة المنفى الانتقالية الحالية.. وقد كانت أكبر جريمة قام بها الغرب ضد المعارضة الوطنية الإيرانية هي جريمة نزع سلاح جيش التحرير الوطني الإيراني الذي كان متواجداً في العراق ومن ثم تضيق الخناق على منظمة مجاهدي للتمهيد إلى نقلها خارج العراق بعد أن كانت على مقربة من حدود العراق مع إيران وأي حراك لها في الداخل سيكون معززاً بتحركاتها العسكرية من خلال جيش التحرير الوطني الإيراني.. لقد كان نقل منظمة مجاهدي خلق من العراق إلى أوروبا جريمة سياسية كبيرة وتحرك يفتقر إلى ضيق الرؤية السياسية لدى الغرب المنقاد لمخططات النظام العالمي المتمثل في قوى رأس المال تلك القوى التي لا تعرف سوى خلق الأزمات من أجل تعاظم قدراتها الاقتصادية والسياسية.

أما إن أردت قوى المعارضة الإيرانية خارج إطار المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية تشكيل "تحالف عريض" للمعارضة الإيرانية فليكن تحالفاً لا يبدأ بخطاه الخطوة الأولى نحو مسيرة الألف ميل من أجل التغيير؛ بل عليه أن يبدأ من النقطة التي وصل إليها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية وبذلك يختصر مسيرة الألف ميل تلك المسيرة التي اختصرها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بميثاقه الذي أسسه في مطلع ثمانينيات القرن الميلادي الماضي واختتمها قبل فترة بالإعلان عن حكومة مؤقتة.. وبذلك يمكن الانتقال من صفة "تكتل سياسي معارض واسع" إلى صفة "ممثل شرعي ووحيد" للشعب الإيراني في المحافل الدولية بمجرد الإعلان عن توافقه وهيكليته ورؤيته ومن ثم التحرك عبر استراتيجية دبلوماسية ميدانية متكاملة تقنع المجتمع الدولي بأن هذا التحالف هو العنوان الحقيقي لإيران المستقبل.، ومن خلال هذا التحرك يضعون المجتمع الدولي ودول الإقليم أمام مسؤوليتهم الأخلاقية..، وأولى مهام هذا التحالف بالتوافق مع المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يجب أن تكون على النحو الآتي:

 أولاً: صياغة "ميثاق التأسيس" وتثبيت المسار الديمقراطي

الخطوة العملية الأولى تبدأ من الداخل قبل الخارج. يجب أن يتبنى التحالف ميثاقاً تأسيسياً واضحاً ومكتوباً، يتضمن تعهدات لا رجعة فيها بخصوص:

  • التداول السلمي للسلطة: التأكيد على إجراء انتخابات حرة ونزيهة بعد فترة انتقالية محددة وهو أمر أكد عليه المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في ميثاقه، وكذلك في برنامج المواد العشر الذي تبنته السيدة مريم رجوي.
  • احترام حقوق الإنسان الإقرار بالالتزام الصارم بالاتفاقيات الدولية والقوانين الإنسانية.
  • فصل السلطات: الإقرار بتقديم نموذج للدولة يقوم على التعددية وحق المواطنة المستند إلى قوانين عادلة وليس على سياسة الحكم الفردي.. هذا الميثاق يمثل "الضمانة" التي يمكن من خلالها فرض رؤية الأمر الواقع على المجتمع الدولي لإنهاء سياسة المهادنة والمساومة التي يتبعها مع نظام الملالي.. كذلك لتجنب قيام نظام بآخر مشابه في النزعة الاستبدادية.

ثانياً: دبلوماسية "الأمر الواقع" الميدانية

لا تمنح العواصم الكبرى اعترافاً لكيانات "افتراضية".. ولكي يُنظر إلى التحالف كـ "ممثل شرعي" يجب أن يثبت فاعلية ميدانية على الأرض داخل إيران.. وإن نجاح التحالف في قيادة احتجاجات منظمة، وتنسيق أنشطة ميدانية كتلك التي تقوم بها وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق وتقديم بديل إداري وسياسي للأزمات التي يواجها المواطنين سيفرض التحالف نفسه على الأجندات الدولية؛ خاصة عندما يرى العالم أن التحالف هو القوة التي تملك زمام المبادرة في الشارع.. عندها سيضطر للتعامل معه كشريك بحكم الأمر الواقع.

ثالثاً: بناء جسور الدبلوماسية الموازية

يجب على التحالف تفعيل "دبلوماسية المسار الثاني" من خلال:

  • افتتاح مكاتب تمثيلية: تعزيز الوجود في العواصم المؤثرة (واشنطن، بروكسل، لندن، برلين، وعواصم إقليمية) وتقديم التقارير والبيانات التي توثق انتهاكات النظام ومطالب الشعب.
  • إقامة تحالفات إقليمية: العمل مع دول الجوار لإقناعها بأن التحالف يمثل صمام أمان لاستقرار المنطقة وليس مصدراً للتهديد.
  • التواصل مع البرلمانات: التركيز على كسب تأييد المؤسسات التشريعية في الدول الكبرى حيث إن القرارات البرلمانية غالباً ما تسبق القرارات التنفيذية في الاعتراف بالكيانات السياسية الجديدة.

رابعاً: تعرية "الشرعية الزائفة" للنظام

الاعتراف بالتحالف يتطلب في المقابل سحب الاعتراف بنظام الملالي.. وهنا يجب على التحالف أن يتولى دور "الراصد للانتهاكات" حيث يقدم للمحاكم الدولية والمنظمات الأممية ملفات موثقة عن إرهاب النظام، وقمع الحريات، وتبديد ثروات البلاد.. حيث إن إضعاف حجج النظام الدبلوماسية وعزل ممثليه في المحافل الدولية يمهد الطريق قانونياً وأخلاقياً لبروز التحالف كبديل وحيد يتمتع بالشرعية.

الاعتراف كمحطة وليس كغاية

ختاماً فإنه على الرغم من وجود هكذا تحالف متمثلا في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بتمثيله الواسع لكافة أطياف الشعب الإيراني وميثاقه وكافة لجانه وحكومته الانتقالية المؤقتة يمكن قيام هكذا تحالف ممكن.. هذا إن أرادت باقي القوى الإيرانية المعارضة ذات الثوابت ذلك.. وإن الاعتراف الدولي بالتحالف كـ "ممثل شرعي ووحيد" ليس خطوة تسبق التغيير فحسب بل هي أيضاً تتويج لمسار نضالي طويل يتطلب المزيد من الجهد والتضحيات والثبات حيث لا تعترف الدول إلا بالقوة التي تمتلك القدرة على الحكم والإرادة الشعبية..  وعليه يجب أن يركز التحالف في حال قيامه على بناء قاعدته الشعبية وتوسيع مظلته لتشمل كافة أطياف المجتمع الإيراني مدركاً أن الاعتراف الدولي سيكون نتيجة حتمية لنجاحه في أن يصبح في نظر المواطن الإيراني أولاً الممثل الحقيقي لتطلعاته في الحرية والكرامة بعيدا عن الرؤى الضيقة، وبمجرد أن يتحول هذا التحالف إلى الرقم الصعب في المعادلة الداخلية ستبدأ العواصم الدولية في التسابق لتطبيع العلاقات معه.. ليس من باب التمنيات بل من باب حماية مصالحها وضمان استقرار المنطقة مع القوة القادمة في إيران.