هاني مسهور يكتب:

حين تُفكك الإمارات خليّة.. وتسقط قناع 1979

ليست الإمارات دولةً تُفاجَأ بالتهديدات، ولا تُقاس مناعتها بردود الأفعال، هذه دولة تعرف كيف تُحصّن نفسها قبل أن تُختبر، وكما لخّص الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ فلسفة الأمن في جملة:" الإمارات جلدها غليظ.. ولحمتها مرّة".

عبارة تبدو توصيفًا شعبيًا، لكنها في مضمونها عقيدة دولة، دولة لا تنتظر الخطر، وإنما تلاحقه في طور التشكّل، وتفككه قبل أن يتحول إلى واقع، من هذه الزاوية، لا يُقرأ ما كُشف أخيرًا بوصفه إنجازًا أمنيًا فحسب، وإنما بوصفه نافذة لفهم مسار أعمق، يمتد إلى عام 1979، حين خرجت الثورة الخمينية في إيران من حدودها كفكرة دولة، وتحولت إلى مشروع عابر للحدود.

من تلك اللحظة، لم يعد الأمن شأنًا داخليًا لإيران، وإنما أصبح محيطها جزءًا من منظومة حماية نظام وليّ الفقيّة، النظام الذي يقوم على عقيدة توسعية لا يكتفي بالدفاع داخل حدوده، بل يعيد تعريف الأمن بوصفه شبكة نفوذ خارجية، ولهذا، لم يكن تصدير الثورة شعارًا، وإنما خطة عمل طويلة الأمد، بدأت بخطاب، ثم تحولت إلى تنظيمات، ثم إلى أذرع قادرة على الفعل.

في الخليج العربي، لا تنقص الشواهد، محاولة اغتيال أمير الكويت عام 1985، واختطاف طائرة "الجابرية"، ثم كشف خلية "حزب الله الحجاز" في السعودية، ليست أحداثًا منفصلة، البحرين شهدت عبر سنوات كشف شبكات مرتبطة بالخارج، وقطر مع حرب الـ 40 يوم عرفت بدورها حالات ذات امتدادات تنظيمية عابرة للحدود، هذا التراكم لا يمكن قراءته كوقائع متفرقة، بل كمسار واحد يشتغل على قاعدة واضحة: بناء ولاءات داخل الدولة لا تنتمي إليها.

ما يميز واقعة الإمارات أن الأمر لم يتوقف عند إحباط خلية، بل تجاوز ذلك إلى توثيق انتمائها الأيديولوجي إلى مشروع "ولاية الفقيه"، هذا التفصيل يغيّر زاوية القراءة بالكامل حين يصبح الارتباط موثقًا، يسقط الغموض، ويتحول النقاش من مساحة التأويل إلى مساحة الحقيقة، لا يعود الحديث عن تعاطف أو تقارب فكري، بل عن ارتباط عضوي بمشروع سياسي يعمل خارج إطار الدولة الوطنية.

خطورة هذه الخلايا لا تقف عند حدود الفعل الأمني، الأخطر يكمن في بنيتها، هذه شبكات عنقودية مركبّة ومتداخلة، لا تبدأ بالسلاح، تبدأ بالفكرة، تعيد صياغة وعيّ الفرد، تضعف ارتباطه بالدولة، وتخلق ولاءً موازياً يتغذى من خطاب أيديولوجي عابر للجغرافيا الوطنية، بعد ذلك، يتحول هذا الوعيّ إلى شبكة علاقات، ثم إلى تنظيم قادر على الفعل، ولهذا، يصبح اكتشاف هذه الشبكات في بداياتها مسألة حاسمة، لأن تركها تنمو يعني السماح بتشكّل تهديد بنيوي طويل الأمد.

التحولات الإقليمية تضيف بعدًا آخر لهذه الصورة، حين تمكنت إيران من ترسيخ نفوذها في بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت، لم يكن ذلك مجرد توسع جغرافي، كانت عملية بناء منظومة نفوذ متكاملة، تتيح للنظام نقل مركز ثقله إلى خارج حدوده، هذه العواصم تحولت إلى حلقات ضمن شبكة أمان أوسع، وظيفتها النهائية حماية النظام الإيراني ذاته، لتصبح الخلايا في الخليج العربي امتدادًا طبيعيًا لهذا المنطق، أدوات تعمل داخل المجتمعات لتأمين المجال الحيوي للمشروع بما في ذلك نشر المخدرات والممنوعات.

ما تغيّر في نصف قرن يتعلق بالأدوات، لم يعد التهريب هو الوسيلة الأساسية، إنما انتقل العمل إلى نمط أكثر تعقيدًا يقوم على نقل المعرفة والتنظيم، لم يعد السلاح هو العنصر الحاسم، بل القدرة على إنتاجه أو إعادة تشكيل أدوات القوة داخل البيئة المحلية، هذا التحول يمنح هذه الشبكات مرونة أعلى، وقدرة على التعافي بعد أي استهداف، تدمير موقع لا يعني إنهاء المنظومة، لأن البنية موزعة وقابلة لإعادة التشكل.

في مواجهة هذا النمط، تبدو التجربة الإماراتية مختلفة ومتقدمة، ما جرى يعكس عقلية استباقية تلاحق الخطر في طور التكوين، ولا تنتظر لحظة اكتماله، الدولة التي تتحرك بعد ظهور التهديد تخوض معركة متأخرة، أما الدولة التي تفكك مساراته المبكرة فتتحكم بإيقاع الصراع، هنا يتكامل أداء المؤسسات مع وعي المجتمع، ويتحول الأمن إلى منظومة شاملة لا تقتصر على الأجهزة.

يبقى السؤال الأهم .. كيف تجد هذه المشاريع طريقها إلى أفراد داخل مجتمعات مستقرة؟ الجواب لا يرتبط فقط بالعوامل الاقتصادية أو السياسية، المسألة أعمق، تتعلق بقوة السردية الأيديولوجية، هذه التنظيمات تقدم للفرد معنى يتجاوز واقعه، تعيد تعريف هويته، وتضعه ضمن مشروع أكبر، حين ينجح هذا المسار، يصبح الانتماء الوطني خيارًا ثانويًا، ويصبح الارتباط الأيديولوجي هو المحدد الأساسي للسلوك.

وهذا ما يجعل المواجهة مركبة، ليست مواجهة مع تنظيم فقط، بل مع فكرة تسعى إلى تقويض مفهوم الدولة من أساسه، تفكيك الخلايا خطوة ضرورية، لكن تفكيك السردية التي تنتجها أكثر أهمية، من دون ذلك، سيظل المشروع قادرًا على إعادة إنتاج نفسه بأشكال مختلفة.

ما كُشف في دولة الإمارات لا يمكن فصله عن سياقه التاريخي، هو امتداد لمسار بدأ مع تصدير الثورة، وتطور عبر بناء شبكات نفوذ إقليمية، هدفها النهائي حماية نظام "ولاية الفقيه" من خلال توسيع دوائر الأمان خارجه، في هذا المشهد، لا يكفي إحباط الخلايا، بل يجب قراءتها، لأن فهم الأصل هو الطريق الوحيد لفهم ما يتفرع عنه.

في زمن تتداخل فيه الجغرافيا بالأيديولوجيا، تصبح السيادة أكثر من حماية للأرض، السيادة تعني حماية الوعي، وحماية فكرة الدولة، وحماية قدرة المجتمع على التمييز بين الانتماء الحقيقي والانتماءات المصطنعة، وكل خلية تُفكَّك اليوم ليست نهاية قصة، بل كسر حلقة في سلسلة طويلة تحاول إعادة تشكيل المنطقة من داخلها.