التصعيد الأمريكي - الإسرائيلي ضد إيران..

التصعيد مع إيران بين حسابات نتنياهو السياسية ومخاطر الانفجار الإقليمي

الضربات ضد إيران لا تُقرأ فقط من زاوية عسكرية، بل من زاوية سياسية داخل إسرائيل؛ إذ قد تمنح بنيامين نتنياهو دفعة انتخابية قصيرة الأمد، لكنها تضعه أيضًا أمام اختبار قاسٍ إذا تحوّل الرد الإيراني إلى خسائر مباشرة في الداخل.

سحب دخانية عقب ضربة أمريكية - إسرائيلية على إيران - رويترز

حيفا

التصعيد الأميركي-الإسرائيلي ضد إيران جاء في لحظة سياسية دقيقة داخل إسرائيل. بنيامين نتنياهو بنى جزءًا كبيرًا من مسيرته السياسية على التحذير من “الخطر الإيراني”، سواء في ملف البرنامج النووي أو في النفوذ الإقليمي لطهران. العملية العسكرية الواسعة التي استهدفت البرلمان الإيراني، مجلس الأمن القومي، وزارة الاستخبارات، وكالة الطاقة الذرية، ومقر الحرس الثوري في شارع بيروزي بطهران، إلى جانب الهجمات السيبرانية، تمنح نتنياهو فرصة لتقديم نفسه باعتباره الزعيم الذي نفّذ ما كان يحذّر منه لسنوات.

التنسيق المعلن بين واشنطن وتل أبيب، والذي وُصف بأنه نتاج أشهر من التخطيط المشترك، يعزز صورة نتنياهو كرجل علاقات استراتيجية قادر على جلب الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع إيران. في سنة انتخابية، هذه الصورة ذات قيمة سياسية كبيرة، خصوصًا مع اقتراب موعد الانتخابات المقررة في أكتوبر 2026، واحتمال تقديمها في ظل التوترات داخل الائتلاف.

لكن المكسب ليس مضمونًا. التجربة السابقة بعد عملية “الأسد الصاعد” في يونيو 2025 أظهرت أن ارتفاع شعبية نتنياهو كان محدودًا ومؤقتًا. الأزمات الأمنية في إسرائيل غالبًا ما تولّد ما يُعرف بتأثير “الالتفاف حول العلم”، حيث تتراجع المعارضة مؤقتًا. تصريح يائير لابيد بأن “لا ائتلاف ولا معارضة — بل أمة واحدة” يعكس هذا المزاج. غير أن هذا التأثير يعتمد على عامل حاسم: حجم الخسائر داخل إسرائيل.

دوي الانفجارات في حيفا والقدس، وصفارات الإنذار المتكررة، تشير إلى أن الرد الإيراني لم يكن رمزيًا. إذا تمكنت إيران من إلحاق أضرار واسعة أو خسائر بشرية كبيرة، فقد ينقلب المزاج العام. الناخب الإسرائيلي يتسامح مع العمليات الخارجية طالما بقيت الكلفة الداخلية محدودة. أما إذا شعر بأن الحرب جلبت تهديدًا وجوديًا يوميًا، فقد يُعاد فتح ملف الإخفاقات الأمنية السابقة، بما في ذلك هجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي ما زال يلقي بظلاله الثقيلة.

على المستوى الإقليمي، توسع المواجهة إلى الخليج يغيّر المعادلة. سماع انفجارات في الدوحة والمنامة والكويت، وإغلاق جزئي للمجال الجوي الإماراتي، وإلغاء “لوفتهانزا” رحلاتها إلى دبي وبيروت وعُمان، كلها مؤشرات على أن الحرب لم تعد محصورة بين إسرائيل وإيران. دخول القواعد الأميركية في المنطقة ضمن دائرة الاستهداف، وإعلان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بدء “الرد القوي”، يفتح الباب أمام صراع متعدد الجبهات.

هذا الاتساع يحمل مخاطر مزدوجة لنتنياهو. من جهة، قد يعزز روايته بأن إسرائيل تخوض معركة وجودية ضمن تحالف دولي واسع. ومن جهة أخرى، قد يضعه أمام واقع إقليمي غير قابل للسيطرة، حيث أي خطأ في الحساب قد يؤدي إلى تعطيل الملاحة في الخليج أو استهداف منشآت طاقة، ما سيخلق ضغطًا دوليًا هائلًا لاحتواء التصعيد.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تصريحاته الأخيرة، لم يكتفِ بربط الحرب بالملف النووي، بل أشار إلى تدخل إيراني مزعوم في الانتخابات الأميركية السابقة، ما يضفي بعدًا سياسيًا أميركيًا داخليًا على المواجهة. هذا التداخل بين السياسة الداخلية في واشنطن وتل أبيب يعقّد المشهد، إذ تصبح القرارات العسكرية محمّلة بحسابات انتخابية على جانبي الأطلسي.

في إسرائيل، سيعتمد المسار السياسي على ثلاثة عوامل: مدة الحرب، حجم الرد الإيراني، ومدى نجاح الضربات في إضعاف البنية العسكرية الإيرانية. إذا ظهرت مؤشرات ملموسة على تراجع قدرات إيران الصاروخية والنووية دون كلفة بشرية كبيرة داخل إسرائيل، فقد يخرج نتنياهو أقوى. أما إذا تحولت الحرب إلى استنزاف طويل مع تهديد يومي للجبهة الداخلية، فقد يتحول الإنجاز العسكري إلى عبء سياسي.

المفارقة أن نتنياهو يقدّم الهجوم باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل الشرق الأوسط، بينما يرى منتقدوه أنه محاولة لإعادة صياغة الرواية المرتبطة بالإخفاقات الأمنية السابقة. الحقيقة قد تكون في منطقة رمادية بين الاثنين. الحرب تخلق فرصًا سياسية، لكنها أيضًا تفتح مخاطر غير محسوبة.

في لحظة تتردد فيها الانفجارات من طهران إلى حيفا، ومن الدوحة إلى المنامة، تبدو الانتخابات الإسرائيلية المقبلة متشابكة مع مسار المعركة نفسها. إذا هدأت الجبهات سريعًا، قد تُسجَّل الضربة كنجاح استراتيجي. أما إذا اشتعلت أكثر، فقد تتحول إلى مقامرة سياسية ذات ثمن مرتفع. المنطقة بأكملها تعيش اختبارًا دقيقًا، لكن داخل إسرائيل، الامتحان سياسي بقدر ما هو عسكري.