قوات العمالقة الجنوبية قد تكون صفقة حرب طويلة مع الحوثيين..
السعودية تخشى نجاة النظام الإيراني و"محمد بن سلمان" يطلب إرسال قوات أمريكية
السعودية تواجه خيارات معقدة في اليمن بين احتواء الحوثيين، معالجة قضية الجنوب، أو إعادة التحالف مع الإسلاميين، وسط تصاعد التهديدات الإيرانية والإرهابية، ما يجعل اليمن ساحة حاسمة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في المرحلة المقبلة
الحاكم العسكري السعودي في جنوب اليمن اللواء المتقاعد فلاح الشهراني متحدثا إلى رجال دين يمنيين في عدن يوم الاربعاء - إعلام سعودي
كشفت وسائل إعلام غربية عن مخاوف سعودية من نجاة النظام الإيراني، بوقف الحرب الأمريكية – الإسرائيلية، حيث يجري ولي العهد السعودي اتصالات مكثفة مع الأمريكيين والإسرائيليين لمواصلة الحرب ضد طهران حتى إسقاط النظام، مقترحاً على الرئيس الأمريكي إرسال قوات أمريكية إلى طهران لإجبار النظام على التنحي.
ويبدي السعوديون رغبة في استئناف الحرب ضد الحوثيين الموالين لإيران في اليمن والفصائل المسلحة الأخرى في العراق، في حال طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من السعوديين الانخراط في الحرب، حيث يضع السعوديون قوات العمالقة الجنوبية كصفقة استئناف الحرب ضد الذراع الإيرانية، لكن مشاورات السعوديين مع المسؤولين اليمنيين تبدو مختلفة عن الصفقة، حيث يرى السعوديون أنه من المهم استعادة صنعاء وعودة اليمن موحداً بدلاً من الانفصال المذهبي القائم.
وقالت مصادر وثيقة الاطلاع لـ"اليوم الثامن" إن عضو مجلس القيادة الرئاسي، قائد قوات العمالقة، عبدالرحمن المحرمي، أبلغه السعوديون بالاستعداد لمعركة ضد الحوثيين – ذراع إيران في اليمن – أياً كانت حسابات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، وسط مخاوف سعودية من أن تؤدي هذه الحرب إلى بقاء النظام الإيراني، وهو ما يعني أن البلد الأكبر في الجزيرة العربية سيصبح مهدداً من قبل إيران التي قد تسعى لإعادة إحياء الأقليات الدينية الشيعية في المنطقة الشرقية حيث منابع النفط والجنوب.
وخلال الأسابيع الماضية، سحبت السعودية جزءاً من قوات العمالقة الجنوبية في تخوم مأرب، وأرسلتها إلى عدن تمهيداً لإعادة نقلها إلى الحدود الجنوبية السعودية مع اليمن، حيث من المتوقع أن تستأنف السعودية قتالها ضد الحوثيين، فالتهدئة لم تؤتِ ثمارها، وحتى الاتفاق الإيراني السعودي الذي وُقّع في مارس 2023، لم تلتزم به طهران، وشنت هجمات صاروخية على منابع النفط السعودية، بدعوى أن الرياض منخرطة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على الدولة الإسلامية الشيعية.
وقال مصدر سياسي في عدن لـ"اليوم الثامن" إن السعودية عازمة على استعادة صنعاء من قبضة الحوثيين، وربما أدرك السعوديون أن بقاء الذراع الإيرانية في العاصمة اليمنية يمثل فشلاً للمملكة التي ترى أنها قد أصبحت مسؤولة بشكل كامل عن اليمن في أعقاب اعتداءاتها على القوات الجنوبية في وادي وصحراء حضرموت والمهرة.
وأكد المصدر – فضل عدم الإشارة إلى اسمه – أن السعوديين يريدون إقحام القوات الجنوبية "العمالقة والدعم والإسناد" في معارك طويلة مع الحوثيين، لإضعاف كل الأطراف، والدفع بالجماعات الإسلامية الأخرى "الإخوان والسلفيين" للهيمنة على القرار العسكري والمحلي في مدن الجنوب المحررة، لإعادة تشكيل اليمن وفق رغبتها الإقليمية القائمة على الهيمنة على ثلاث محافظات نفطية "شبوة وحضرموت والمهرة".
الحرب التي شنتها السعودية في الفاتح من يناير الماضي، أرادت السعودية تحقيق هدف الاستفراد بالقرار السياسي والأمني والاقتصادي في الجنوب المحرر، فالسيطرة على الثروات النفطية والاقتصاد بشكل عام تعني التحكم بالجغرافيا الجنوبية المطلة على البحر العربي وخليج عدن ومضيق باب المندب.
وخلال السنوات الماضية، أنشأت السعودية مصارف محلية وشركات قطاع خاص في عدن والجنوب، ناهيك عن توسعة في شركة الطيران الخاصة، بالإضافة إلى تحكمها في طيران اليمنية التي تمتلك الرياض نصفها، حيث يجري تعطيل عمل البنك المركزي لصالح بنوك ومصارف خاصة تحل محل البنك المركزي الذي جرى نقله من صنعاء إلى عدن في العام 2016م، من قبل الرئيس المعزول عبدربه منصور هادي.
وفي ظل التصعيد الإيراني تجاه السعودية، اكتفى وزير خارجية الأخيرة بالحديث لوسائل إعلام حول أن بلاده تدين القصف الإيراني على دول الخليج، وعلى الرغم من أن المملكة كانت أقل عرضة للقصف الإيراني مقارنة بالدول الخليجية الأخرى، إلا أن السعودية اعتبرت القصف الإيراني يمثل خرقاً للقانون الدولي.
وفي تصريحات صحافية، ذكر فيصل بن فرحان إيران بأخلاق الإسلام، وأن الدولة المسلمة لا يحق لها أن تعتدي على جارتها إذا كانت مسلمة، وعلى الرغم من أن التصريحات أثارت موجة من الرفض في اليمن والجنوب، حيث تشن السعودية منذ منتصف العام 2015م حرباً واسعة بدعوى محاربة إيران، إلا أن إيران هي الأخرى سخرت من تلك التصريحات واتهمت السعودية بالمشاركة في الحرب من خلال القاعدة الأمريكية الموجودة في المملكة.
وقالت صحيفة نيويورك تايمز إن الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة العربية السعودية، حث الرئيس ترامب على مواصلة الحرب ضد إيران، بحجة أن الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية تمثل "فرصة تاريخية" لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وذلك وفقاً لمصادر مطلعة على المحادثات من قبل مسؤولين أمريكيين.
وأفادت الصحيفة نفسها أن الأمير محمد، خلال سلسلة من المحادثات التي جرت على مدار الأسبوع الماضي، أوضح للرئيس ترامب ضرورة الضغط من أجل إسقاط الحكومة الإيرانية المتشددة.
وأفاد مطلعون على المناقشات أن الأمير محمد بن سلمان يرى أن إيران تشكل تهديداً طويل الأمد للخليج، ولا يمكن القضاء عليه إلا بإسقاط الحكومة.
وبحسب الصحيفة، ينظر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أيضاً إلى إيران على أنها تهديد طويل الأمد، لكن المحللين يرون أن المسؤولين الإسرائيليين سيعتبرون على الأرجح دولة إيرانية فاشلة غارقة في صراعاتها الداخلية لدرجة تمنعها من تهديد إسرائيل بمثابة انتصار، بينما تنظر السعودية إلى دولة إيرانية فاشلة على أنها تهديد أمني خطير ومباشر.
لكن مسؤولين رفيعي المستوى في كل من الحكومتين السعودية والأمريكية يخشون من أنه في حال استمرار الصراع، قد تشن إيران هجمات أكثر قسوة على منشآت النفط السعودية، وقد تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة في حرب لا نهاية لها.
وقد تذبذبت تصريحات الرئيس ترامب علناً بين التلميح إلى إمكانية انتهاء الحرب قريباً، والإشارة إلى تصعيدها، فقد نشر الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي أن إدارته وإيران أجرتا "محادثات مثمرة بشأن التوصل إلى حل كامل وشامل للعداء بين البلدين"، على الرغم من أن إيران نفت وجود أي مفاوضات جارية.
وتظل تداعيات الحرب على اقتصاد المملكة العربية السعودية وأمنها القومي هائلةً. فقد تسببت الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيّرة والصواريخ، رداً على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، في اضطرابات كبيرة في سوق النفط.
السعودية التي وجدت نفسها تتلقى الهجمات الإيرانية، كانت قد قدمت تنازلات كبيرة في اليمن على أمل التوصل إلى تسوية شاملة للصراع والحرب بالوكالة التي خاضتها الرياض ضد جماعة الحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي، الحليف السابق للرياض في الحرب على أذرع إيران والساعي إلى تحقيق الاستقلال.
وقد خاضت السعودية حرباً واسعة ضد الجنوب، بغية تهيئة الأرضية لاستكمال اتفاق مع إيران وأذرعها، والذي وقع في الصين في العام 2023م، حيث بدأ للجنوبيين أن السعودية اختارت إزاحتهم من المشهد، بهدف تحقيق تسوية سياسية مع الحوثيين والخروج من حرب يقول السعوديون إنها كانت مكلفةً على اقتصاد بلدهم الذي شهد تراجعاً في الآونة الأخيرة.
وشنت السعودية في بداية يناير 2025م حرب المعادلة الصفرية ضد الجنوب بدعوى أن المجلس الانتقالي الجنوبي سعى لإقامة دولة جنوبية بالتحالف مع إسرائيل، وقد تحالفت الرياض مع قوى الإسلام السياسي اليمنية "الإخوان والسلفيين والتنظيمات الجهادية" في تلك الحرب التي انتهت بالسيطرة السعودية على كامل محافظات جنوب اليمن، وعلى الرغم من أن السعودية أعلنت في يناير الماضي دعوتها لحوار بين القوى الجنوبية والأحزاب اليمنية حول مستقبل قضية الجنوب، إلا أن الحوار قد تعثر كثيراً قبل أن تضعه الحرب الإيرانية الأخيرة في مصير مجهول.
وحول مستقبل هذا الحوار، قال مصدر مسؤول في السلطة المحلية بمحافظة شبوة إن المحافظ عوض بن محمد الوزير اطلعهم على الرؤية السعودية للحل في اليمن، والمنطلقة من مشروع كان الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح قد طرحه في بداية انطلاق الحراك الجنوبي في العام 2007م، والمتمثل في سلطة محلية واسعة الصلاحيات، وهو على ما يبدو نتيجة نصيحة سعودية سابقة للنظام بوضع معالجات لقضية الجنوب التي جاءت نتيجة فشل مشروع الوحدة السلمي في تسعينيات القرن الماضي.
وبحسب المسؤول المحلي، فإن مسؤولين سعوديين تحدثوا عن أن الدولة القادمة ستكون دولة مركزية في صنعاء مع نظام محلي واسع الصلاحيات، وأن انضمام شبوة أو المهرة إلى إقليم حضرموت قوبل برفض واسع من قبل السلطات المحلية، الأمر الذي يؤكد أن مشروع الأقاليم الستة قد أصبح من الماضي، وأن الحل في العودة إلى نصيحة سعودية سابقة لنظام علي عبدالله صالح، قبل أن يصبح الحراك الجنوبي قوةً شعبيةً تجاوزت كل تلك الحلول وطرحت بقوة مشروع استعادة الدولة الجنوبية السابقة.
ويبدو أن التطورات الأخيرة جعلت السعودية تفكر في يمن ما بعد الحوثيين، الذين يقترح السعوديون أن يصبحوا جزءاً من دولة يمنية موحدة يتشاركون في السلطة والقرار بعد سقوط النظام في طهران، حيث يرى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أن إطالة الحرب لا تخدم استقرار المنطقة وأن الحل في القضاء على النظام في طهران.
وكانت الحكومة السعودية قد قالت في بيانات لها: "لطالما دعمت المملكة العربية السعودية الحل السلمي لهذا النزاع، حتى قبل اندلاعه"، مشيرةً إلى أن المسؤولين "على تواصل وثيق مع إدارة ترامب، والتزامنا ثابت لا يتغير".
وأضافت الحكومة: "إن شاغلنا الرئيسي اليوم هو الدفاع عن أنفسنا ضد الهجمات اليومية على شعبنا وبنيتنا التحتية المدنية. لقد اختارت إيران سياسة حافة الهاوية الخطيرة بدلاً من الحلول الدبلوماسية الجادة. وهذا يضر بجميع الأطراف المعنية، ولكن لا أحد أكثر ضرراً من إيران نفسها".
وأفاد أشخاص مطلعون على المحادثات أن ترامب بدا في بعض الأحيان منفتحاً على إنهاء الحرب، لكن ولي العهد الأمير محمد جادل بأن ذلك سيكون خطأً، وضغط من أجل شن هجمات على البنية التحتية للطاقة في إيران لإضعاف الحكومة في طهران.
ووفقاً لمصادر مطلعة من مسؤولين أمريكيين، فقد دعا الأمير محمد إلى أن تنظر الولايات المتحدة في إرسال قوات إلى إيران للاستيلاء على البنية التحتية للطاقة وإجبار الحكومة على التنحي.
ويبدو أن مستقبل إيران يهم كثيراً ولي العهد السعودي، فأي صفقة أمريكية لبقاء النظام ستُهدد بلا شك الأمير السعودي الذي يُعد حالياً الحاكم الفعلي للمملكة.
يبدو أن الخيارات تضيق كثيراً على السعودية في اليمن، فهي مطالبة بمعالجة قضية الجنوب وفق مشروع سياسي مستوحى من نصيحة سابقة للرئيس صالح، وفي الوقت نفسه احتواء الحوثيين والاعتراف بسلطتهم القائمة في صنعاء، فيما يتمثل الخيار الثالث في إعادة التحالف مع جماعات الإسلام السياسي "الإخوان والسلفيين الجهاديين"، في ظل وجود توجه إقليمي ودولي لتصنيف هذه الجماعات على قوائم الإرهاب، وإلحاق الفرع اليمني بالفرع السوداني المصنف. وقد سبق للرياض أن ألغت صفقة تسليح من باكستان للإخوان في السودان عقب التصنيف الأمريكي، لذلك يعود تنظيم القاعدة في اليمن بقوة، وقد ظهرت تسجيلات موثقة لعودة التنظيم إلى نشاطه المسلح بعد شهر من سيطرة السعودية وحلفائها الإسلاميين على الجنوب عقب تفكيك قوات مكافحة الإرهاب في يناير الماضي.
وتعني عودة الإرهاب أن المصالح الدولية ستكون محط تهديد إضافي إلى جانب التهديد الحوثي، لذلك ستكون الرياض مسؤولة عن ضبط تلك الجماعات المتطرفة التي تتحرك في ظل سيطرة الإخوان والسلفيين، حلفاء الرياض المفترضين في جنوب اليمن اليوم.
وتستطيع الرياض تجاوز أي إجراءات أمريكية تجاه حلفائها بالانضمام إلى الاتفاقية الإبراهيمية، وقد تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مقابلة مع وسائل إعلام أمريكية حول توسيع نطاق الاتفاقيات الإبراهيمية لتشمل المملكة العربية السعودية، معبراً عن اعتقاده بأن ولي العهد السعودي سينضم إلى هذه الاتفاقيات.


