فلسطين تعبر من مراكش..

دار الشعر بمراكش تحتفي بنزال سليم وتفتح حواراً بين المنفى والذاكرة الشعرية

احتفت دار الشعر بمراكش بالشاعر الفلسطيني نزال سليم ضمن برنامج “أصوات معاصرة”، في أمسية جمعت تجارب شعرية من المغرب والمهجر، وطرحت أسئلة المنفى والذاكرة والهوية الثقافية في مواجهة النسيان والمحو.

محرر الشؤون الثقافية

بدا المشهد في فضاء دار الشعر بمراكش أقرب إلى لقاء بين جغرافيات شعرية متعددة، حيث حضرت فلسطين بذاكرتها ومنفاها وأسئلتها القديمة، فيما امتزجت أصوات الشعراء المغاربة بتجارب قادمة من المهجر، ضمن أمسية ثقافية اختارت أن تجعل من الشعر مساحة للحوار واستعادة المعنى.

وفي هذا السياق، عبّر الشاعر والمسرحي الفلسطيني نزال سليم، المقيم في أوسلو، عن اعتزازه بالتكريم الذي خصصته له الدار ضمن برنامج “أصوات معاصرة”، معتبراً أن مثل هذه اللحظات لا تقتصر على الاحتفاء بالشاعر أو التجربة الإبداعية، بل تمثل محاولة لإحياء الذاكرة ومقاومة النسيان، في عالم تتسارع فيه عمليات المحو الثقافي والإنساني.

واستعاد نزال سليم، خلال الأمسية، محطات من سيرته الفلسطينية وتجربة تغريبته الطويلة، مستحضراً تفاصيل من الذاكرة الثقافية والإذاعية والشعرية الفلسطينية، في حديث حمل طابعاً شخصياً وإنسانياً، لكنه بدا في الوقت نفسه انعكاساً لذاكرة جماعية مرتبطة بالمنفى والاقتلاع والبحث المستمر عن المعنى.

ويُعرف نزال سليم بتجربته المتعددة التي تجمع بين الشعر والمسرح والقصة والفلسفة، وهي تجربة جعلت حضوره في الأمسية يتجاوز القراءة الشعرية التقليدية نحو مساحة أوسع للنقاش حول وظيفة الثقافة في حفظ الذاكرة وصون الهوية.

كما شهد اللقاء مشاركة عدد من الأصوات الشعرية المغربية، من بينها الشاعرة والباحثة أسماء إدعلي أوبيهي، والشاعر علي بادون، والشاعرة والباحثة مونية علالي، في محاولة لنسج حوار شعري بين تجارب تنتمي إلى فضاءات مختلفة لكنها تلتقي عند أسئلة الاغتراب والذات والهوية.

وقدمت أسماء إدعلي أوبيهي، وهي باحثة بسلك الدكتوراه ومن مواليد مدينة تزنيت، نصها الشعري “طوق الثلاثين”، الذي حمل تأملات ذاتية وأسئلة مرتبطة بالزمن والتحولات الداخلية، حيث مزجت القصيدة بين الحس الوجداني ولغة تستدعي الذاكرة والحنين.

أما الشاعر علي بادون، فاختار قراءة نص “زفرة”، الذي اتسم بنبرة تأملية مشبعة بالحزن والقلق الوجودي، حيث حضرت صور الليل والتيه والخسارات بوصفها امتداداً لحالة إنسانية تبحث عن معنى وسط عالم مضطرب.

ومن جهتها، قدمت مونية علالي، المقيمة في إيطاليا، نص “الغريب حالماً”، الذي استعاد وجع الغربة الطويلة، عبر لغة شعرية انشغلت بثقل المنفى والحنين والوحدة، في صورة بدت أقرب إلى سيرة داخلية للإنسان المغترب وهو يحاول التشبث بأحلامه وسط المسافات.

وتخللت الأمسية فقرات موسيقية وغنائية بمشاركة الفنانة إلهام الفايز والفنان نديم عصري، ما أضفى على اللقاء بعداً فنياً جمع بين الشعر والموسيقى والأداء الحي.

كما شهد برنامج “الديوان” توقيع ديوان “الأبابيل” للشاعرة أسماء إدعلي أوبيهي، الصادر ضمن مشروع النشر المشترك بين دائرة الثقافة في حكومة الشارقة ودار الشعر بمراكش، في إطار مبادرات تهدف إلى دعم الأصوات الشعرية الجديدة وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي العربي.

ويأتي هذا اللقاء ضمن الموسم التاسع للبرنامج الثقافي والشعري لدار الشعر بمراكش، الذي يواصل الانفتاح على تجارب شعرية من المغرب والمهجر، عبر خلق فضاء للحوار بين الأجيال والتيارات الشعرية المختلفة، وربط التجربة الشعرية المغربية بأسئلة الثقافة العربية والإنسانية الأوسع.

وفي خلفية الأمسية، بدا واضحاً أن الشعر لم يكن مجرد نصوص تُقرأ، بل محاولة لإعادة ترميم الذاكرة الجماعية، وخلق مساحة مشتركة بين المنفى والوطن، وبين التجربة الفردية والأسئلة الكبرى التي لا تزال تطارد الإنسان العربي، أينما كان.