عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):

اقتصاد الإعدام: كيف يوظّف نظام طهران الحرب كأداة لتصفية الداخل

في لحظات الحرب، تميل الدول إلى تشديد قبضتها، لكن ما يحدث في إيران يتجاوز منطق “الظرف الاستثنائي” إلى ما يشبه هندسة خوف ممنهجة. المعطيات التي كُشف عنها مؤخرًا، والتي تداولتها Fox News، لا تشير فقط إلى تصاعد في وتيرة الإعدامات، بل تكشف عن نمط سياسي يعيد تعريف وظيفة الحرب ذاتها: لم تعد مجرد صراع خارجي، بل أداة لإعادة ضبط الداخل، وإعادة إنتاج السيطرة حين تتآكل الشرعية.

الأرقام هنا لا تُقرأ بوصفها إحصاءات مجردة، بل كمؤشرات على تحول نوعي. تنفيذ مئات الإعدامات خلال فترة زمنية قصيرة يعكس قرارًا سياسيًا واضحًا، لا استجابة عفوية لاضطرابات أمنية. المقارنة مع العام السابق تكشف أن المسار تصاعدي، وأن السلطة تتحرك وفق منطق استباقي، يهدف إلى منع تكرار لحظات الانفجار الشعبي التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. بهذا المعنى، يصبح الإعدام أداة وقائية، لا عقوبة لاحقة.

اللافت أن الاستهداف لا يبدو عشوائيًا. وفق ما تروّجه أطراف معارضة، وعلى رأسها National Council of Resistance of Iran، فإن التركيز ينصب على المعارضات المنظمة، وفي مقدمتها People's Mojahedin Organization of Iran، إلى جانب نشطاء الاحتجاجات. هذه المفاضلة بين “المعارضة المنظمة” و”الغضب العفوي” تكشف عن إدراك عميق لدى النظام: الخطر الحقيقي ليس في الشارع حين يغضب، بل حين يتنظم. لذلك، تأتي الإعدامات هنا كرسائل سياسية مشفّرة، لا تستهدف الأفراد بقدر ما تستهدف الفكرة التي يمثلونها.

في الخلفية، تلعب الحرب دور المسرّع. الحديث عن مواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل لا يقتصر على البعد العسكري، بل يُستخدم كغطاء لتوسيع هامش القمع داخليًا. في أجواء الحرب، تُعلّق القواعد، تُقيّد المعلومات، ويُعاد تعريف “الأمن القومي” بطريقة تسمح بتمرير إجراءات قصوى دون مساءلة. هذا ما أشارت إليه Mai Sato، حين حذّرت من توظيف الإعدام كأداة لترهيب المجتمع في ظروف النزاع، حيث تختفي الحدود بين القانون والسياسة.

ورغم موجة الإدانات الدولية، التي شملت مواقف من شخصيات مثل Donald Trump، وتقارير من Amnesty International، إلا أن هذه المواقف ما تزال تدور في نطاق الرمزية أكثر من الفاعلية. الفجوة بين الإدانة والفعل تفتح مساحة للنظام لمواصلة سياساته دون تكلفة حقيقية. في المقابل، تطرح شخصيات معارضة مثل Maryam Rajavi مقاربات أكثر حدة، تدعو إلى إجراءات دبلوماسية مباشرة، باعتبار أن استمرار العلاقات يمنح طهران هامشًا للحركة وغطاءً سياسيًا غير مباشر.

ما يتشكل في المحصلة هو انتقال واضح من منطق “الردع” إلى “إدارة الخوف”. الإعدام لم يعد مجرد نهاية قانونية لمسار قضائي، بل بداية لرسالة أوسع موجهة إلى المجتمع بأكمله. حين تمتد دائرة الاستهداف لتشمل فئات متعددة، فإن الهدف لا يكون معاقبة المخالفين فقط، بل إعادة تعريف حدود الممكن والمسموح. إنها سياسة تبني الاستقرار على القلق، وتُبقي المجتمع في حالة ترقب دائم.

كل ذلك يعكس حقيقة أكثر بساطة وقسوة في آن واحد: النظام لا يتصرف من موقع قوة مطلقة، بل من موقع قلق مزمن. حين تتحول الحرب إلى أداة لتصفية الداخل، فإنها تكشف عن عجز بنيوي في إنتاج شرعية مستقرة، وتحوّل الدولة إلى كيان يدير أزمته بدل أن يحلها. هنا، يصبح السؤال الدولي أكثر إلحاحًا: هل يكفي الاستنكار، أم أن اللحظة تفرض الانتقال إلى سياسات تضغط فعليًا على بنية هذا النموذج القائم على الخوف؟

في النهاية، ليست القضية في عدد الإعدامات بقدر ما هي في معناها. الأرقام تصدم، نعم، لكنها أيضًا تهمس بحقيقة أعمق: حين تحتاج السلطة إلى هذا القدر من الخوف لتستمر، فهي تعترف، دون أن تقول، بأنها لم تعد تملك ما يكفي من الثقة لتبقى.